«الجنائية الدولية» أمام عقوبات أمريكية.. هل تطال سموتريتش وبن غفير؟

سموتريتش وبن غفير يتحدثان جانبياً في الكنيست

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية مرتبطة فقط بمذكرتي القبض الصادرتين بحق بنيامين نتنياهو، ويوآف غالانت، بل تتجه نحو مرحلة أخطر؛ معاقبة المحكمة بوصفها مؤسسة دولية كاملة، والسؤال: هل تستعد واشنطن لفرض عقوبات شاملة بسبب ما أصدرته المحكمة سابقاً، أم لأنها تخشى وجود طلبات توقيف سرية قد تطال مسؤولين «إسرائيليين» آخرين، وفي مقدمتهم بتسلئيل سموتريتش، وإيتمار بن غفير؟

مذكرات توقيف محتملة بحق سموتريتش وبن غفير

لا توجد حتى الآن مذكرات قبض معلنة بحق الوزيرين، ولا يجوز قانونياً التعامل مع المعلومات الصحفية بوصفها قرارات قضائية نهائية، لكن تقارير سابقة أفادت بأن مكتب المدعي العام كان يُعدّ طلبات توقيف بحقهما، فيما أعلن سموتريتش، في مايو 2026م، أنه أُبلغ بوجود طلب سري للقبض عليه، وامتنعت المحكمة عن التعليق، مستندة إلى سرية إجراءاتها، وهذا الامتناع لا يؤكد وجود الطلب، لكنه لا ينفيه أيضاً؛ إذ يجيز نظام المحكمة إبقاء بعض الإجراءات سرية عندما يكون الإعلان عنها مؤثراً في التحقيق أو في فرص تنفيذ المذكرة.

العقوبات الأمريكية على المحكمة الجنائية الدولية

من هنا تكتسب الخطوة الأمريكية بُعداً استباقياً، فالانتقال من فرض عقوبات على قضاة ومدعين بصورة فردية إلى استهداف المحكمة بأكملها يوحي بأن واشنطن لا تريد فقط معاقبة المؤسسة على قرارات مضت، بل إضعاف قدرتها على إصدار قرارات جديدة، ووفق المعلومات المنشورة، قد تحظر العقوبات على الأشخاص والشركات الأمريكية إجراء معاملات مع المحكمة من دون ترخيص خاص، وتقطع عنها أجزاء واسعة من النظام المالي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة.

هل تستطيع واشنطن إلغاء المحكمة؟

لن تستطيع الولايات المتحدة إلغاء المحكمة أو إبطال مذكراتها قانونياً؛ فالمحكمة أنشئت بموجب نظام روما الأساسي، وتستمد ولايتها من الدول الأطراف، ولا تملك واشنطن، وهي ليست طرفاً في النظام، سلطة حلها أو تعديل اختصاصها، كما أن العقوبات لا تمحو مذكرات القبض ولا تعفي الدول الأطراف من التزاماتها القانونية.

لكن حدود القوة القانونية للعقوبات لا تعني محدودية أثرها العملي، فإدراج المحكمة نفسها على لوائح العقوبات قد يؤدي إلى تجميد أموالها الواقعة ضمن الولاية الأمريكية، وتعطيل التحويلات المصرفية ودفع رواتب الموظفين والخبراء، والتأثير في خدمات التأمين والسفر والحوسبة والاتصالات والأمن الرقمي وحفظ الأدلة، وقد يكون الأثر الأخطر الإفراط في الامتثال، حين تتوقف مصارف وشركات غير أمريكية عن التعامل مع المحكمة خوفاً من فقدان مصالحها داخل الولايات المتحدة.

بذلك تستطيع واشنطن أن تجعل المحكمة قائمة من الناحية القانونية، لكنها محاصرة من الناحية التشغيلية، ومع أن المحكمة اتخذت خطوات لتقليل اعتمادها على الشركات والخدمات الأمريكية، فإن العقوبات المؤسسية قد تمس أعمال نحو 900 موظف، وتعرقل حماية الشهود وجمع الأدلة وإدارة التحقيقات، وتعمل هولندا والاتحاد الأوروبي على إيجاد وسائل لحماية المحكمة، لكن نجاحها يتطلب قنوات مالية وتقنية بديلة، لا مجرد بيانات سياسية.

ولا يمكن فصل هذا التحرك عن الوظيفة التاريخية التي تؤديها الولايات المتحدة في حماية «إسرائيل»، فعندما تواجه «إسرائيل» أزمة عسكرية، تمدّها واشنطن بالسلاح والتمويل والغطاء الإستراتيجي، وعندما تواجه عزلة دبلوماسية، تستخدم الولايات المتحدة نفوذها وعلاقاتها لمنع تحولها إلى حصار دولي، وعندما يشتد الضغط السياسي، تعمل على تخفيف القرارات أو تعطيل تنفيذها، أما عندما ينتقل الخطر إلى المجال القانوني، فإنها لا تكتفي برفض اختصاص المحكمة، بل تعاقب القضاة والمدعين، وقد وصلت الآن إلى حد التهديد بمحاصرة المؤسسة القضائية نفسها.

ازدواجية الموقف الأمريكي من العدالة الدولية

تكشف هذه السياسة ازدواجية واضحة في الموقف الأمريكي من العدالة الدولية، فقد دعمت واشنطن المحكمة عندما أصدرت مذكرات بحق مسؤولين روس، لكنها اعتبرتها تهديداً للسيادة عندما اقتربت من مسؤولين «إسرائيليين»، وهكذا يصبح القانون الدولي مشروعاً عندما يستهدف الخصوم، وغير مشروع عندما يصل إلى الحلفاء.

هل تستهدف العقوبات سموتريتش وبن غفير؟

لا يمكن الجزم بأن العقوبات الأمريكية المرتقبة تثبت وجود مذكرات توقيف سرية بحق سموتريتش، وبن غفير، لكن التوقيت، وحجم التصعيد، والانتقال من استهداف الأفراد إلى استهداف المحكمة ككل، تجعل فرضية التحرك الاستباقي منطقية وقابلة للنقاش، وربما لا تعاقب واشنطن المحكمة على ما فعلته فحسب، بل تحاول منعها مما قد تفعله لاحقاً.

إنها حلقة جديدة من وظيفة أمريكية ثابتة؛ فكلما اقتربت «إسرائيل» من دفع ثمن عسكري أو دبلوماسي أو سياسي أو قانوني، سارعت واشنطن إلى نصب درع واقٍ حولها، غير أن هذا الدرع، في الحالة الراهنة، لا يحمي مسؤولين «إسرائيليين» فقط، بل يهدد استقلال مؤسسة قضائية دولية، ويضع مبدأ المساواة أمام القانون أمام أحد أصعب اختباراته.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة