أنوار العبادة

أنوار العبادة

تحتل العبادة مكانة عظيمة في الإسلام؛ فهي صلة بين العبد وربه، وتغرس في النفس معاني الإيمان والخضوع والطاعة، كما تسهم في تهذيب السلوك وتقوية الضمير وبناء شخصية مستقيمة متوازنة، وتتعدد العبادات التي ينال بها المسلم الأنوار، وهي التي يتميز بها المطيع عن غيره، ومن هذه العبادات ما يأتي:

1- الوضوء:

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المقبرة فقال: «السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا، إن شاء الله، بكم لاحقون، وددت أنا قد رأينا إخواننا»، قالوا: أولسنا إخوانك يا رسول الله؟ قال: «أنتم أصحابي، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد».

فقالوا: كيف تعرف من لم يأت بعد من أمتك يا رسول الله؟ فقال: «أرأيت لو أن رجلاً له خيل غر محجلة، بين ظهري خيل دهم بهم، ألا يعرف خيله؟»، قالوا: بلى، يا رسول الله! قال: «فإنهم يأتون غراً محجلين من الوضوء»؛ والغرة بياض في جبهة الفرس والتحجيل بياض في يديها ورجليها، قال العلماء: سمي النور الذي يكون على مواضع الوضوء يوم القيامة غرة وتحجيلاً تشبيهاً بغرة الفرس(1).

2 – الصلاة:

إن الصلاة التي فرضها الله تعالى على عباده وألزمهم بها، ما أرادها إلا لتكون نوراً لقلوبهم ومنارة لعقولهم، فعند الإمام مسلم عن أبي مالك الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والصلاة نور»، فالصلاة للمؤمنين في الدنيا نورٌ في قلوبهم وبصائرهم، تشرق بها قلوبهم، وتستنير بصائرهم(2).

ولهذا كانت قرةَ عين المتقين؛ كما عند الإمام أحمد عن أنس كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «جُعِلت قرة عيني في الصلاة»، قال مالك بن دينار: قرأت في التوراة: «يا ابن آدم! لا تَعْجِز أن تقوم بين يدَيّ في صلاتك باكيًا، فأنا الذي اقتربت بقلبك، وبالغيب رأيتَ نوري»(3)؛ يعني ما يفتح للمصلي في الصلاة من الرقة والبكاء.

وعند الطبراني عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا حافظ العبد على صَلاته فأقام وضوءَها وركوعَها وسجودَها والقراءةَ فيها قالت: حفظك الله كما حفظتني، وصُعِد بها إلى السماء ولها نُورٌ حتى تنتهي إلى الله عز وجل، فتشفع لصاحبها».

وعند الإمام أحمد عن عبدالله بن عمرو، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه ذكر الصلاة فقال: «من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً».

وعند الطبراني عن ابن عباس، وأبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من صلى الصلوات الخمسَ في جماعة جاز على الصراط كالْبَرْق اللامع في أول زُمْرة من السابقين، وجاء يوم القيامة ووجْههُ كالقمر ليلة البدر»؛ فالصلاة تملأ قلب العبد نوراً ويسير العبد في حياته تحت عناية الله ورعايته.

3- قيام الليل:

قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: «لو أردت سفراً أعددت له عدة»، قال: نعم، قال: «فكيف سفر طريق القيامة، ألا أنبئك يا أبا ذر بما ينفعك ذلك اليوم؟»، قال: بلى بأبي أنت وأمي، قال: «صم يوماً شديد الحر ليوم النشور، وصلِّ ركعتين في ظلمة الليل لوحشة القبور، وحج حجة لعظائم الأمور، وتصدق بصدقة على مسكين، أو كلمة حق تقولها، أو كلمة شر تسكت عنها»(4).

فتوجيه النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر بركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبر، دلالة على أن ركعتي الليل تضيء القبر لمن صلاها.

وكان شريك مزّاحاً، وكان ثابت بن موسى رجلاً صالحاً، فدخل ثابت بن موسى على شريك يوماً وعلى وجه ثابت أثر التقى والورع فقال شريك: من كثر صلاته بالليل حسن وجهه بالنهار(5).

وعن إسماعيل بن مسلم قال قيل للحسن: ما بال المتهجدين أحسن الناس وجوها؟ قال: لأنهم خلوا بالرحمن فألبسهم نوراً من نوره(6)، فمن آثر صلاة الليل على النوم أبدله الله في وجهه نوراً يحبه عليه كل مسلم.

4- الذهاب إلى المساجد:

أراد الله تعالى بسط أنواره على المنشغلين بأداء ما افترضه تعالى على عباده، فالمترددون على بيوت الله تعالى مع كل أذان مشغولون بأداء ما أمرهم الله به، فعوضهم الله من أنواره نظير ما انشغلوا بتوجيهات الله لهم، فعند الترمذي عن بريدة وابن ماجه عن أنس كليهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «بشر المشائين في الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة».

5- الحج:

فريضة فرضها الله تعالى على عبادة مرة في العمر على المستطيع، فمن عظيم أجرها أنها تنجي صاحبها يوم القيامة بنور الله تعالى له، فعند الترمذي عَن سعيد بن الْمسيب عَن عبدالرَّحْمَن بن سَمُرَة قَالَ خرج علينا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم وَنحن فِي صفة بِالْمَدِينَةِ فَقَامَ علينا فَقَالَ: «إني رَأَيْت البارحة عجباً؛ رَأَيْت رجلاً من أمتي من بَين يَدَيْهِ ظلمَة وَمن خَلفه وَعَن يَمِينه ظلمَة وَعَن يسَاره ظلمَة وَمن فَوْقه ظلمَة وَهُوَ متحير فِيهِ فَجَاءَهُ حجه وعمرته فاستخرجاه من الظلمَة وأدخلاه فِي النُّور».

ولما كانت هذه الفريضة قائمة على الاستجابة المطلقة، فقد جعل الله لبعض النسك فيها أنواراً لمؤديها.

ففي حلق الشعر روى الطبراني عن عبادة بن صامت مرفوعاً في الحج، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أما حلق رأسك فإنه ليس من شعره يقع في الأرض إلا كانت له نوراً يوم القيامة».

وفي رمي الجمار، روى البزاز عن ابن مسعود مرفوعاً أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رميت الجمار كانت به نوراً يوم القيامة».

6- الجهاد في سبيل الله:

لما كان الجهاد وسيلة من إحدى الوسائل لعزة النفس وكرامتها وصيانة للأعراض وحماية للأوطان وإزالة للحواجز الذي تمنع الحقوق أن تصل إلى أصحابها، فقد رفع الله أجر من يقوم به بأنوار يسلكها، فقد روى البزار بسند جيد عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من رمى بسهم في سبيل الله كان له نوراً يوم القيامة».

فالمسلم المتعبد لربه، المشغول بطاعة مولاه، الذي لا ينقطع عن مواصلة الاستجابة لربه سبحانه، يجد ثواب ذلك نوراً في قلبه يدفعه إلى مزيد من الإقبال على ربه، وكلما زاد النور في قلب العبد، ظهر أثره على وجهه، فيُقبل الناس عليه، للاستماع إليه إن تحدث، والاقتداء به إن أطاع ربه، والتخلق بأخلاقه حين يتعامل مع غيره.

الهوامش
  • 1 المنهاج شرح مسلم، النووي (3/ 135).
  • 2 جامع العلوم والحكم، ابن رجب الحنبلي (2/ 645).
  • 3 حلية الأولياء، الأصفهاني (12/ 359).
  • 4 إحياء علوم الدين: أبو حامد الغزالي (1/ 354).
  • 5 الكامل في الضعفاء: ابن عدي (2/ 305).
  • 6 فضل قيام الليل والتهجد، الآجري، ص92.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة