أنفاس الوحي (8)
مقاربة أسلوبية في رمزية الصورة بين «تناثر الرماد» و«خداع السراب»
يمتلك الوحيُ
قدرةً مهيبةً على تحويل المعنى الغيبيّ إلى صورةٍ مُبصَرة، وتجريدِ الحقائق حتى
تتجسّد كأنها تُشاهَد رَأي العين، ومن بين تلك الحقائق الكبرى قيمة العمل حين
ينفصل عن أصل الإيمان.
فالجهد الإنساني
–مهما تعاظم– لا يستمد وزنه من مظهره ولا من ضجيجه، بل من نيّة القلب التي تشعّ
منه، وقد اختار القرآن صورتين مكثفتين بليغتين، ترتسم من خلالهما المصائر الوجودية
للإنسان حين يبذل دون بوصلة:
الأولى: «رمادٌ
تذروه الريح» في سورة «إبراهيم».
الثانية: «سرابٌ
يتراءى ماءً» في سورة «النور».
هاتان الصورتان
ليستا مقطعين منفصلين، بل هما أنفاسٌ متتابعة من الوحي، تُعلّم الإنسان أن العمل
إمّا أن يكون نورًا، وإما أن يكون عدمًا متنكرًا في هيئة إنجاز.
أولاً: الصورة التشبيهية في سورة «إبراهيم»: العمل الذي يتفتّت بعد اكتماله.. الرماد:
قال تعالى: (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا
بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ)
(إبراهيم: 18).
تفكيك المشهد: لا
يكتفي الوحي بتشبيه العمل بالرماد، بل يُدخل الصورة في «ظرف» يزيدها بؤسًا:
1- رماد: هو
نهاية الاحتراق، وبقايا فقدت شكلها ووظيفتها، هشّةٌ لا تمسك يدٌ منها شيئًا.
2- ريح شديدة:
قوة خارجية تعصف بما هو ضعيف أصلًا، وهي رمزية لـ«الفناء المحيط» الذي لا يعبأ
بجهد الإنسان.
3- يوم عاصف:
زمن يتكامل فيه الاضطراب، مرحلة وجودية لا يثبت فيها إلا ما كان له أصل ثابت.
التركيب
الأسلوبي: يساهم إيقاع الآية في بناء المشهد؛ فكثرة الصوامت في (اشتدت، يوم، عاصف)
ترسم سرعة التفتت وتدفق الضياع، وكأن السمع يرى الرماد يُنسف مع كل «فاء» و«صاد» و«عين»
تهبط على الأذن.
الرسالة: العمل
إذا انفصل عن الإيمان يشبه بناءً اكتمل ثم هدمته أولُ ريح؛ لأن العلاقة بالله هي
السقف الذي يحفظ القيمة، وليست الزينة التي تُضاف على السطح.
ثانياً: الصورة التشبيهية في سورة «النور»: العمل الذي يخدع قبل أن يضيع.. السراب:
قال تعالى: (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهمْ
كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً) (النور: 39).
تفكيك المشهد: الصورة
هنا لا تتعامل مع عمل حقيقي ضاع، بل مع وهْم عمل:
1- سراب: ليس
شيئًا في الأصل؛ هو صورة بلا حقيقة، وضوء بلا مادة.
2- قيعة: أرض
منبسطة بلا معالم، وهي المكان الذي تتضخم فيه الخدع البصرية.
3- ظمآن: حاجته
تدفعه إلى ظنٍّ كاذب؛ فهو يعمل تحت ضغط الحاجة لا تحت نور البصيرة.
التركيب
الأسلوبي: تحمل الجملة القرآنية ظلالاً من الألم؛ فالفعل «يحسب» في قوله: (يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً)
ينقل حالة داخلية مريرة: معاناة «التوهّم» قبل معاناة «الخيبة».
الرسالة: العمل
بلا إيمان لا يكون عديم القيمة فحسب، بل يتحوّل إلى وهم يغوي صاحبه، فيركض خلفه، ثم
ينهار حين يصل إلى «اللاشيء».
المقارنة الأسلوبية بين الصورتين:
السورة جوهر الصورة طبيعة
الضياع البعد النفسي
إبراهيم رمادٌ يتلاشى ضياعٌ
بعد وجود شعورٌ
بالهدر
النور سرابٌ يتلألأ ضياعٌ قبل الوجود شعورٌ بالخديعة
الدلالة
التربوية:
- الرماد في
سورة «إبراهيم» يحذّر من العمل الذي بلا أساس.
- السراب في
سورة «النور» يحذّر من العمل الذي بلا بصيرة.
وبين التحذيرين
تكتمل المعادلة: لا قيمة للعمل بلا إيمان، ولا اتجاه للعمل بلا نور.
شواهد من الوحي والسيرة والواقع
1- من السُّنة
النبوية: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى
أموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» (متفق عليه)، السُّنة هنا تضع المفتاح:
الله لا يزن شكل العمل؛ بل سرّه؛ قلب العامل، وباعثه، ووجهته؛ فالعمل الذي يُبنى
على نية فاسدة، أو دافع غير إيماني، هو إما رماد تتلاعب به الريح وإما سراب يخدع
صاحبه.
2- من السيرة
العطرة: في غزوة «أُحد»، حين خالف الرماةُ أمر النبي صلى الله عليه وسلم، وقعت
الهزيمة رغم شجاعة القتال؛ لأن الجهد تحوّل إلى حركة بلا طاعة، كان الجهد عظيمًا،
لكن غياب الالتزام أفرغ العمل من بركته، فانهارت النتيجة؛ فكان مثالاً حيًّا لجهدٍ
كبير لم يسنده نور الالتزام، فصار كرمادٍ في يوم عاصف.
3- من الواقع
المعاصر: في زمن «النجاح الرقمي»، نرى من يبني حضوراً صاخباً بملايين المشاهدات،
لكنه يعيش فراغاً روحيًّا مرعبًا؛ لأن عمله كان سرابًا لم يرتبط بغاية أخروية، أو
كان رمادًا انهار فجأة لأنه بُني على الذات لا على الإخلاص.
الأثر التربوي.. وفق منهج أنفاس الوحي
1- مركزية
الإيمان: العمل ليس حركة عضلية، وإنما قرار روحي؛ وبدونه يصبح الجهد تمرينًا بلا
نتيجة.
2- تقويم النية:
كل مشروع بلا نية صادقة يتحول إلى «سراب وظيفي» مهما بدا لامعًا.
3- القيمة لا
الضجيج: كم من ضوء لا يضيء! وكم من لمعانٍ يخبّئ في داخله فراغًا!
4- تحرير
الإنسان: التربية الإيمانية تمنحك القدرة على التأمل ومساءلة القلب؛ فليس المهم أن
تعمل كثيرًا، بل أن تعمل صحيحًا.
يجمع القرآن بين
«رماد إبراهيم» و«سراب النور» ليقول للإنسان: ثمة أعمال تُبنى ولكنها لا تبقى،
وثمة أعمال تلمع ولكنها لا تضيء، والفارق بين البناء والبقاء، واللمعان والضياء،
هو الإيمان الذي يسكبه القلب في العمل.
تبقى أنفاس الوحي تنادي: اعمَل، ولكن اجعل قلبك نوراً؛ فالنور هو الذي يحفظ العمل من أن يكون رماداً، ويقيك من أن تركض خلف سراب.
اقرأ
أيضاً:
- «من
أقصى المدينة».. حينما تفضح صرخةُ الأباعد صمتَ الأقارب
- «الترند»..
حين يصبح الخوض غاية
- من
روائع الاشتقاق.. قراءة بيانية في قوله تعالى {فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ
مَتَابًا}