أنفاس الوحي (7)
«من أقصى المدينة».. حينما تفضح صرخةُ الأباعد صمتَ الأقارب
تتنزل الآيات في
كتاب الله كنجومٍ هادية في ليل الحيرة، تضيء للإنسان دروب الوعي والكرامة، ومن
مشكاتها يسطع مشهدٌ يختزل فقه المبادرة، ويتجاوز حدود الزمان والمكان، في قوله
تعالى: (وَجَاء رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ
يَسْعَى) (القصص: 20).
إنها صورة
إعجازية، مكثفة بالحركة، تفتح أمام القارئ أبواب التأمل: كيف يأتي النصر أحياناً
من حيث لا يُنتظر؟ وكيف يهبّ البعيد في ساعة العسرة، بينما يسكت القريب؟
أنفاس الوحي القرآني والتحليل الأسلوبي
لنقف عند كل
لبنة من لبنات البناء القرآني في هذه الآية، لنستجلي عبقرية البيان:
«وجاء»: الفعل
هنا يوحي بالحركة الإرادية المعتزمة، هو لم يُدْعَ للموقف، بل حملته الفطرة؛ وفي
هذا إشعار بأن الوعي الذاتي هو المحرك الأول للإيمان والضمير، قبل انتظار الأوامر
أو الإذن.
«من أقصى
المدينة»: هذا التركيب يفتح مجالاً واسعاً للتأمل؛ «أقصى» تدل على أبعد نقطة، فكأن
النص يريد أن يقول: المسافة لا تمنع النصرة، والبعد المكاني لا يقيد الموقف، بل إن
الآتي من الأطراف قد يكون أشد حرصاً من أهل المركز، هنا نلمح ما يسميه علماء
البلاغة بـ«الإطناب بالاحتراس»؛ إذ كان يكفي أن يقول: «وجاء رجل»، لكنه قال: «من
أقصى المدينة» ليبرز قيمة التضحية والمبادرة.
«رجل»: تنكير «رجل»
هنا هو «تنكير تعظيم»، لم يُذكر اسمه ولا نسبه، كأن العبرة ليست بالهوية الشخصية
بل بالفعل، الرجل هنا رمز للإنسان الحر الذي يختار كلمة الحق، أياً كان أصله أو
لونه أو ديانته، هذا من أساليب التجريد الرمزي في البيان القرآني.
«يسعى»: كلمة
تختصر مشهداً كاملاً: حركة مسرعة، اندفاع، شغف بالوصول قبل فوات الأوان، لم يقل: يمشي
أو يأتي، بل قال: يسعى ليصور الموقف استعجالاً للنجدة، إنها دلالة بلاغية على
حرارة الموقف وصدق العاطفة.
البنى الأسلوبية في الآية
- التكثيف: جمعت
الآية في كلمات معدودة مشهداً متكاملاً: مكان بعيد، شخص مجهول، حركة متدفقة.
- التصوير
الحركي: استخدام جاء ويسعى يوحي بالصورة المتحركة، وكأن القارئ يرى رجلاً يقطع
الأزقة ركضاً.
- المفارقة: رجل
من الأطراف ينصر، بينما الأكثر قرباً يسكتون أو يعاندون.
- الإيجاز
المعجز: بخمس كلمات بنى القرآن لوحة تصلح لكل زمان ومكان.
حين احتضن الغريبُ نور النبوة
تجلّت هذه
الحقيقة القرآنية في محطات السيرة النبوية، لتثبت أن جغرافيا الروح تسبق جغرافيا
الطين:
النجاشي: ملك
الحبشة، البعيد مكاناً، والمختلف ديناً في البداية، لكنه كان أقرب بضميره من جيران
البيت الحرام، لقد جسّد معنى «أقصى المدينة» بصفاء بصيرته حين قال: إن هذا الذي
جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة.
مطعم بن عدي:
رجلٌ من أقصى جغرافيا العقيدة (لم يكن مسلماً)، لكنه حين رأى النبي صلى الله عليه
وسلم جريح القلب عائداً من الطائف، قال كلمته المدوية: محمد في جواري، لقد سعى
بفروسيته وأخلاقه ليكون درعاً للحق في ساعة تخلى فيها الأقربون.
هذان النموذجان
يبرزان كيف أن النصرة قد تأتي من خارج الصف الإسلامي، لكنها تظل نصرةً لله
ولرسوله، تحفظ للتاريخ أسماء أصحابها.
من كولومبيا إلى غزة.. حين يوشوش التاريخ
واليوم، يعيد
المشهد القرآني رسم نفسه في أفق السياسة العالمية، فإذا برئيس كولومبيا -القادم من
أقصى الغرب الجغرافي والسياسي- يرفع صوته نصرةً لغزة، منددًا بالعدوان في المحافل
الدولية، إنه ليس عربياً، ولا مسلماً، لكنه «الرجل الذي جاء من أقصى المدينة»
ليقول: «الحق أحق أن يُتبع»، وكأن التاريخ يعيد تدوير حكمته: إن كلمة الحق لا
تُحبس في حدود لسان، ولا تُقيّد بقيود الانتماء الديني وحده، بل هي صرخة الفطرة
حين تشتعل بدم المظلوم.
أساطيل النصرة.. استعارةٌ قرآنية عائمة
وقد تتجسد
الصورة في هيئة أعظم: أسطول من القوارب والسفن يحمل متطوعين ومواد إغاثة، يقطع
البحار، يتحدى الحواجز البحرية، ويعلن أنه قادمٌ ليكسر الحصار ويصلّح الجرح، هذا
الأسطول لا يأتِي من الشاطئ المجاور وحسب؛ بل يأتي من موانئ بعيدة، من قارات أخرى،
ليؤكد أن الضمير الإنساني لا يُحبس بجغرافيا، وما رآه العالم من سفن تطوف أمواجه
هو تجسيد عصري لصيغة «جاء من أقصى المدينة رجل يسعى».
مفارقة المحيط والشاطئ
هنا تتجلّى
المفارقة الأخلاقية في أقسى صورها: الأسطول يعبر المحيطات بسواعد أناسٍ من شتات
الأمم، بينما «الجار» القريب جغرافياً يقف على الشاطئ نفسه، حبيس توازناته
السياسية ورهين حسابات الخوف، القرب هنا لم يورث نصرة، والبعد هناك لم يمنع غوثاً،
إنها المسافة الأخلاقية التي تفصل بين «سعي» الأحرار و«صمت» المقيدين.
تحوّل الصورة البلاغية إلى فعل تاريخي
حين نقارن بنية
الآية (التي وضعناها تحت المجهر: وجاء ـ «من أقصى» - «رجل» - «يسعى») مع المشهد
البحري اليوم، نرى تطابقاً في الخطاب:
- وجاء تتحول
إلى سفنٍ تَجِيء عبر المياه.
- من أقصى تصبح
دولاً وموانئ بعيدة.
- رجل تتجمع
لتكون هيئة من الناس، نشطاء ومواطنين وزعماء.
- يسعى هو
الإصرار على اختراق الحصار وتصديق نصرةٍ لا تلتفت إلى أجندات الدول القوية.
الأسطول إذن ليس
مجرد وسيلة نقل، بل رمزٌ حركيّ لفاعلٍ إنساني يقاطع الصمت ويختَرِق المسافات.
موقفُ الجار.. أسباب العجز أو الصمت
ليس كل صمت
خيانةً بالضرورة؛ بل يُقاس الأمر بالتعقيدات الدبلوماسية، والترتيبات الداخلية،
والرهانات الإقليمية، لكن النص القرآني لا يعذر الصمت حين يكون الفعل ممكنًا
والضمير متاحًا، فالآية لا تسأل عن مبررات الصمت بقدر ما تُذكّر بقيمة الفعل: أن
يسعى الإنسان في نصرة الحق ليكون شاهداً على عدلٍ أعلى، وفي زمانٍ تهبّ فيه سفنٌ
من البحر وتدقّ أبواب الحرية، يصبح سؤالنا الأخلاقي أعمق: لماذا يبقى القريب
صامتاً بينما العابرون لا يصمتون؟
وقفة وأثر
يا للعجب! كم من
قريب سكت أو تواطأ، وكم من بعيد سعى وضحّى، وهنا يسطع درس الوحيين: أن القرب
الحقيقي ليس قرب المكان، بل قرب الضمير، وأن الرجل الذي يسعى من أقصى المدينة قد
يكون في جوهره أقرب من جار يتعامى عن الحقيقة.
خاتمة عملية.. نفَس الوحي فينا
إن أنفاس الوحي
اليوم تنادينا:
- أن نُعيد
تعريف النصرة، فلا نجعلها حكراً على الميدان العسكري، بل تشمل الكلمة، الموقف،
الصرخة، والإغاثة.
- أن نُدرك أن
كل واحد منا قادر أن يكون الرجل الذي يسعى، ولو بكلمة، أو بموقف إعلامي، أو بدعم
مادي، أو بدعاء صادق.
- أن نخجل من
صمت القريب، ونستلهم من فعل البعيد.
فالقرآن لا
يقصُّ لنُعجب، بل ليقول: (فَاسْتَبِقُوا
الْخَيْرَاتِ) (البقرة: 148).
وإن البحر الذي
تكلم اليوم بأساطيله، شاهدٌ على أن الحق له أنصار في كل أرض، وأن وعد الله بالنصر
ماضٍ: (وَلَيَنصُرَنَّ
اللَّهُ مَنْ يَنصُرُهُ) (الحج: 40).
اقرأ
أيضاً:
«لِيَطْمَئِنَّ
قَلْبِي».. بلاغة «كيف» في تعميق اليقين وترسيخه
بين «سحر البيان» و«بيان السحر».. كيف
حددت اللغة مصير الساحر؟