أنفاس الوحي (6)

«الترند».. حين يصبح الخوض غاية

حمدية الجوراني

22 ديسمبر 2025

172

قراءة أسلوبية في الوعي الجمعي ومفهوم «الخوض»

في زمنٍ تتناسل فيه «الترندات» كما تتناسل الفقاعات، لم يعد المضمون هو ما يصنع الفكرة، بل مدى انتشارها وسرعة تداولها.

أصبحنا أمام ثقافةٍ تُقاس فيها قيمة القول بعدد المشاركات لا بصدق النوايا، وصار الإنسان يخشى أن يكون خارج الموجة أكثر من خشيته أن يكون خارج الحقيقة.

هذا المشهد الذي نعيشه اليوم ليس طارئًا على التاريخ الإنساني؛ بل هو تكرارٌ لما حكى القرآن الكريم عن جماعاتٍ انساقت خلف التيار دون وعي، فقال تعالى في وصفهم: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ) (المدثر: 45)؛ آيةٌ موجزةٌ في مبناها، لكنها بالغة العمق في معناها، فهي تصف النفس البشرية حين تُعطل عقلها وتستسلم للجمع، تخوض لأن الآخرين يخوضون، وتكرر لأن الصوت الأعلى هو الذي يسمع.

إنها ثقافة التبعية التي لم تكن يومًا قدرًا محتومًا، وإنما خيار واعٍ يُبرّر أصحابه لاحقًا عجزهم بهذه الجملة: كنا مع الناس.

اليوم، تغيّر الخوض في شكله وبقي في جوهره؛ فلم يعد خوضًا في الأسواق أو المجالس، بل صار خوضًا رقمياً في ساحاتٍ افتراضية، نشارك، نعلّق، نعيد النشر، فقط لأن الموضوع «ترند»، دون أن نتحقق من صدقه أو أثره، هكذا تتحول الجموع من صانعةٍ للوعي إلى مكرّسةٍ للضجيج.

إنّ «الترند» الحديث يكشف عن اختبارٍ أخلاقيٍ جديد: هل نملك شجاعة أن نكون خارج الموجة حين تبتلعنا؟ هل نقف مع الحق وإن لم يكن رائجًا، أم نميل مع كل صخبٍ يعلو؟

القرآن حين وصف أولئك الذين قالوا: وكنا نخوض مع الخائضين، لم يذكر أنهم صانعو الباطل، وإنما شركاؤه بالصمت والترديد؛ فالمشاركة في الباطل، ولو بالصدى، تجعلنا جزءًا من دائرته، ولذلك فإن الخوض بلا وعيٍ خطرٌ لا يقل عن صناعته.

لقد علمنا القرآن أن نقيس القول بوزنه في ميزان الحق، لا في عداد المشاهدات، فقال تعالى: (وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ) (الكهف: 29).

أما التحليل الأسلوبي لعبارة «وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ»؛ فالتركيب القرآني هنا يقوم على إيقاعٍ تراكمي دالٍّ يجسد الفعل الجمعي في أبلغ صوره.

الفعل نخوض في اللغة مأخوذ من الخوض في الماء؛ أي الولوج في عمقه دون تمييزٍ بين الطيب والكدر، ثم انتقل مجازًا ليعبّر عن الانغماس في الباطل واللغو، حيث يختلط الجد بالعبث، والحق بالزيف.

أما دخول أداة المعية مع في قوله تعالى مع الخائضين؛ فهو ليس مجرد تحديد للرفقة، بل تصويرٌ لحالة الانسياق الجمعي؛ أي أن الخائض لم يبدأ بنفسه، بل انجرّ وراء الآخرين، ففقد استقلال رأيه وذوب في الجماعة.

وهنا تكمن الإدانة الأسلوبية في بناء الجملة: فالفعل مضارعٌ (نخوض) يدل على الاستمرار، وجاء في سياق الماضي (كنا نخوض) ليعبّر عن عادةٍ راسخةٍ لا فعلٍ عابر.

أما التكرار الاشتقاقي بين نخوض والخائضين، فيوحي بحركةٍ دائريةٍ متواصلة، كأن اللفظ نفسه يُعيد المشهد؛ كلهم يخوضون، والجميع غارقون في تيارٍ واحد، لا فاصل فيه بين القائد والمقود.

الدلالة العامة

الآية تكشف ميكانيكية الانسياق البشري؛ الانغماس بلا وعي، والانصياع للموجة على حساب الحق، وتحمل المسؤولية حتى في حال عدم الابتكار في الباطل، وهذه البنية الصوتية والمعنوية تجسّد المعنى النفسي والاجتماعي للآية بأدقّ صورة؛ هذا الانجراف ليس وليد العصر الرقمي، بل امتداد لآلية بشرية قديمة كشفها القرآن في وصفه لمن غُرِقوا في صوت الجمع؛ (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ).

إنها لحظة صمت واعتراف، لكنها عميقة المعنى؛ النفوس حين تُعطل بصيرتها، وتنساق وراء صوت الأغلبية، تُخوض لا لأنها اقتنعت، بل لأنها وجدت نفسها بين الموجة، والذوبان في الجمع، وفقدان البصيرة، والركون إلى الموجة بدل المبدأ.

أنفاس الوحي في معركة «أُحد»

لنتأمل سيرة معركة «أُحد»؛ حيث وضعت خطة الثبات على الجبل، وكان الصوت النبوي واضحًا: «لا تبرحوا أماكنكم».

إلا أن الرماة -إلا قليلًا منهم- نزلوا عن مواقعهم ليس لإقناعهم بخطة أخرى، بل لأن الموجة الجماعية جذبتهم.

هنا يتجسد المعنى القرآني عمليًا؛ المشاركة ليست دائمًا قرارًا فاعلًا، لكنها قد تكون سببًا في التأثير على مصير الجماعة.

اليوم، تتحول ساحات النقاش الرقمية إلى «أُحد» افتراضي، حيث نشارك الشائعات، ونعلق على الأخبار دون تحقق، ونعيد النشر لأن الموضوع «ترند»، لا لأننا اقتنعنا بحقيقته، وهكذا يصبح كل منا جزءًا من دائرة الخوض الجماعي، سواء في الماضي على جبل «أُحد»، أو في الحاضر على منصات التواصل.

شاهد معاصر.. الانسياق في العصر الرقمي

مثال واقعي: انتشار الأخبار والشائعات على منصات التواصل الاجتماعي، كثيرون يشاركون الأخبار بمجرد أنها «ترند»، دون تحقق، هكذا يصبحون شركاء في تأثيرها السلبي، كما كان الرماة شركاء في نتائج النزول عن الجبل.

إن «الترند» اختبار أخلاقي قبل أن يكون ظاهرة إعلامية: هل نقف على الجبل، مع الحق، وإن كنا وحدنا، أم ننزل حين يرتفع صوت الجمع؟

القرآن يحذرنا: المشاركة في الباطل، ولو بالصدى، تجعلنا جزءًا منه.

فلنحمل بوصلة وعينا، لا موجة الضجيج، ولنقس القول بميزان الحق لا بعدد المشاهدات، قبل أن نستيقظ يومًا فنقول: (وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ).

اقرأ أيضاً: 


الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة