من أسرار التشكيل في العربية..

تغير المعنى بتغير الحركة

حروف_لغة_عربية

لا يقتصر تغير المعنى بين كلمة وأخرى على اختلاف حرفٍ فيها، بل يتعدَّى ذلك إلى اختلاف حركة من حركاتها، في بِنيتها؛ لأن الحركة أصغر صوتيم (تعريب فونيم) يؤثِّر في تغير المعنى، ما لم يكن التغير لهجة أخرى في الكلمة نفسها، كما في: (الدَّلالة والدِّلالة والدُّلالة) بفتح اللام وكسرها وضمها فهي بمعنى واحد، وكما في: (مُصْحَف) بِضَمِّ الْمِيمِ وَكَسْرِهَا بمعنى واحد، وكما في إصبع ولغاتها المختلفة، جاء في المصباح المنير للفيومي: «قَالَ بَعْضُهُمْ وَفِي الْإِصْبَعِ عَشْرُ لُغَاتٍ تَثْلِيثُ الْهَمْزَةِ مَعَ تَثْلِيثِ الْبَاءِ وَالْعَاشِرَةُ أُصْبُوعٌ وِزَانُ عُصْفُورٍ»(1).

المثلثات اللغوية

ولعل أبرز الأمثلة على تغير المعنى لتغير الحركة في بِنية الكلمة ما يدعَى بالمثلثات اللغوية، أو مثلثات قطرب نسبة لأول من صنف فيها وهو قطرب تلميذ سيبويه.

وهي كلمات تتفق كل حروفها وحركاتها عدا حركة واحدة تختلف فيختلف المعنى لاختلافها، وبعبارة أخرى هي كلمة تتعاقب على حرف فيها الحركات الثلاث فيتغير المعنى تبعًا لتغير الحركة.

مثل: الغَمر والغُمر والغِمر.

أما الغَمر فهو الماء الكثير، وأما الغُمر فهو الحَدَث الذي لم يجرب، أي الطفل أو الولد الصغير الذي لم يجرب الأمور، ولم يستحصدْ له أمر، وأما الغِمر بالكسر فهو الحقد.

وقد نظمت هذه المثلثات في منظومة جمعت كلماتها، وشرحت معانيها، فمن ذلك قول الناظم في كلمة (غمر):

إِنَّ دُمُوعِي غَمْرُ          وَلَيْسَ عِنْدِي غِمْرُ

فَقُلْتُ يَا ذَا الْغُمْرُ         أَقْصِرْ عَنِ التَّعَتُّبِ

بِالْفَتْحِ مَاءٌ كَثُرَا           وَالْكَسْرِ حِقْدٌ سُتِرَا

وَالضَّمِّ شَخْصٌ مَا دَرَى    شَيْئاً وَلَمْ يُجَرِّبِ

البَرّ والبِرّ والبُرّ

ومن المثلثات المعروفة: البَرِّ، والبِرّ، والبُرِّ؛ بفتح الباء وكسرها وضمها.

وقد رد في القرآن الكريم منها: الفتح والكسر، وأما الضم أي (البُر) فلم يرد في القرآن، وفيما يأتي بيان ذلك:

أما الفتح أعني البَرّ فقد ورد بمعنيين:

1 – اسم من أسماء الله سبحانه ورد في القرآن الكريم مرة واحدة، في قوله تعالى: (إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ) (الطور: 28).

ومعنى هذا الاسم البَرّ: المحسن فهو البَرّ المطلق الذي منه كل مبرَّة وإحسان، وهو يحسن إلى الخلق جميعًا، ويغمرهم بإحسانه، ويصلح أحوالهم(2).

وجاء في حديث أبي هريرة عند الترمذي وأجمعت عليه الأئمة، ويجوز إجراؤه على العبد، فقد ورد في التنزيل في قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا) (مريم: 32)، وفي قوله تعالى: (وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا) (مريم: 14).

2  والبَرُّ ما انبسط من سطح الأرض ولم يغطِّه ماء، عكس البَحْر، يقول جل وعلا: (هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ) (يونس: 22)، ويقول جل وعلا: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت: 65).

وأما البِرُّ بكسر الباء فهو العمل الصالح.

وقد ورد في مواضع كثيرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) (البقرة: 177) إلى آخر الآيات.

ومنه قول الشاعر:

البِرُّ يا بُنَيَّ شيءٌ هيِّنْ       وجهٌ طليقٌ ولسانٌ ليِّنْ

وأما اللفظ الثالث الذي لم يرد في القرآن فهو البُرُّ بضم الباء، ومعناه الحِنطة، بل هو أجود أنواع الحنطة، ومنه قول الشاعر:

لا دَرَّ درِّي إن أطعمتُ نازلَكمْ   قِرْفَ الحِتِيِّ وعندي البُرُّ مكنوزُ

أي إذا أطعمتكم هذا الشعير أو ما سقط من أنواع الحبوب، وعندي الحنطة الكريمة، فلا درَّ درِّي.

الجَنَّة والجُنَّة والجِنَّة

ومن المثلثات: الجَنَّة، والجِنَّة، والجُنَّة، وقد ورد في القرآن الكريم منها الفتح والكسر، وأما الضم فلم يرد، وفيما يأتي بيان ذلك:

أما الجَنَّة بفتح الجيم، فهي معروفة، وهي التي وعد بها ربنا جل وعلا عباده المتقين، جعلنا الله منهم، كما في قوله تعالى: (وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا) (الزمر: 73).

وأما الجِنَّة بالكسر فتأتي بمعنيين: الأول بمعنى الجنون، كما في قوله تعالى: (أَمْ بِهِ جِنَّةٌ) (سبأ: 8)، والثاني: بمعنى الجن، كما في قوله تعالى: (مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ) (الناس: 6).

وأما الجُنَّة بضم الجيم فإنها بمعنى الستر والوقاية، وهي لم ترد في القرآن الكريم، إلا أنها جاءت في الحديث الشريف في قوله صلى الله عليه وسلم: "الصَّوْمُ جُنَّة" أي وقاية من عذاب الله.

نَعمة ونِعمة ونُعمة

ومن ذلك: نَعمة ونِعمة ونُعمة، وهي كسابقتيها ورد منها في القرآن الفتح والكسر، ولم يرد منها الضم.

أما النَّعمة بالفتح فهي رفاهية العيش، وقد وردت في موضعين في القرآن الكريم هما:

1- في قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ {25} وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ {26} وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) (الدخان).

فالنَّعمة ما كانوا فيه من نعيم ورفاهية وغضارة عيش.

2- في سورة «المزمل»: (وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا) (المزمل: 11)؛ إشارة إلى ما يتنعمون به في هذه الدنيا، هذه الدنيا التي تغرهم، فيظنون أنهم خالدون فيها، قال علماء التفسير واللغة: النَّعمة بفتح النون رفاهية العيش، التنعُّمُ بالعيش.

وأما الثانية وهي النِّعمة بكسر النون فقد وردت في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى: 11)، وقوله: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا) (إبراهيم: 34)؛ ومعناها ما ينعم به الله سبحانه على عباده من نعم وآلاء.

ففرق إذًا بين نِعمةٍ ينعمها المولى على عباده، ونِعم المولى كثيرة لا تعد ولا تحصى، وبين النَّعمة التي هي ما يلقى الإنسان من رفاهية العيش.

وأما الثالثة وهي النُّعمة فلم ترد في القرآن الكريم، ولكنها وردت في بعض المعجمات، قال صاحب التاج: «والنّعمة من المثلثات، فالنِّعمة بكسر النون هي ما ينعم المولى به علينا، والنَّعمة هي الرفاهية، والنُّعمة بضم النون هي المسرَّة»(3).

خلْف وخلَف

ولا يقتصر أمر اختلاف الحركة على المثلثات اللغوية، بل قد يكون التغيير في حركتين، لا في ثلاث.

فمن ذلك ما وقع في لفظي: خلْف، وخلَف؛ فالأولى تعني الطالح والأخرى تعني الصالح، قال ابن الأعرابي: الخلَف بالفتح الصالح، وبالجزم الطالح(4).

وقد وردت كلمة خلْف بسكون اللام مرتين في القرآن:

أولاهما: في قوله تعالى في سورة «مريم»: (أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّداً وَبُكِيّاً {58} فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيّاً) (مريم).

فهؤلاء الذين تركوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، عُبِّر عنهم بالخلْف، فهم خلْف جاء بعد الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَى اللهُ واجتباه.

وثانيتهما في قوله تعالى في سورة الأعراف: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ وَدَرَسُوا ما فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) (الأعراف: 169).

جاء في الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد: قوله عز وجل: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ) (ورثوا) في محل الرفع على النعت لـ (خَلْفٌ)، والخلْفُ: القرن بعد القرن، وأكثر ما يستعمل بإسكان اللام في الذمّ، وفتحها في المدح، يقال: هذا خَلَفٌ صالحٌ، وهذا خَلْفُ سَوءٍ، عن ابن السكيت(5).

والخلْف أينما وردت إنما تدل على الشيء المرذول، غير المحبوب، يقال: سكت ألفًا، ونطق خلْفًا، لمن يتكلم بعد سكوت طويل بكلام سيئ، وقال لبيد:

ذهب الذين يُعاشُ في أكنافهم    وبقيتُ في خَلْفٍ كجِلْدِ الأجربِ

لم يقل: في خلَف، بل قال: في خلْف.

إذًا فالخلْفُ غير الخلَف، لأن الخلَف هم الخلَف الصالح.

والحق أنه لم يرد ذكر الخلَف في القرآن الكريم، وإنما ورد في قول رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم: «يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِين» (رواه البيهقي)(6).

فالخَلَف هنا: العلماء العُدُولُ الذين يَنْفُونَ عَن العلم تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالَ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلَ الْجَاهِلِين.

الغُرور والغَرور

ومن أمثلة اختلاف المعنى لاختلاف الحركة الغَرور والغُرور؛ فالغُرور مصدر غرَّ، وأما الغَرور فهو الشيطان والعياذ بالله، وهي صيغة مبالغة من الفعل غرَّ.

وقد ردت كلمة الغُرور في تسعة مواضع من كتاب الله، في مثل قوله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (الحديد: 20).

أما الغَرور فقد وردت في ثلاثة مواضع هي:

1- قوله تعالى: (وَلا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (لقمان: 33)؛ أي الشيطان.

2- (وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (فاطر: 5).

3- وكذلك في قوله تعالى: (وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ) (الحديد: 14).

إن ما سبق بيانه يقتصر على تغير الحركة في بِنية الكلمة، أما تغيرها في آخر الكلمة فله حديث مستقل يأتي لاحقًا.

الهوامش
  • 1 المصباح المنير (صبع).
  • 2 صيد الأفكار في الأدب والأخلاق والحكم والأمثال، حسين بن محمد المهدي (2/ 304).
  • 3 تاج العروس (نعم).
  • 4 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي (7/ 310).
  • 5 الكتاب الفريد في إعراب القرآن المجيد، المنتجب الهمذاني (3/ 156).
  • 6 مشكاة المصابيح، الخطيب التبريزي (1/ 82).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة