قيمة ما مضى
عائشة كوروجو نموذجاً لـ«صدمة العمر».. طلاق وانفصال وحياة جديدة بعد الستين!
من القصص
التي طالعتها على الإنترنت وتوقفت عندها زمنًا قصة امرأة تركية اسمها عائشة
كوروجو، عُرفت لاحقًا بلقب «الخالة السيّاحة» أو «الخالة الرحّالة»، لم تبدأ قصتها
من مطار، ولا من حلم تحقق في سن مبكرة، وإنما من منعطف يمكن أن يكون عند كثير من
الناس نقطة انكسار يصعب تجاوزها: انتهى زواجها، ثم تزوج أبناؤها واستقلوا بحياتهم،
فوجدت نفسها أمام شكل جديد تمامًا من العيش بعد سنوات قضتها في إطار الأسرة
والبيت.
عائشة كوروجو والحياة الجديدة
تروي عائشة كوروجو أن زوجها كان شديد الغيرة، حتى إنها كانت تقول إنها لم تكن تكاد تخرج من باب البيت، وبعد انفصالها عنه، ثم زواج أبنائها، لم تجد نفسها قادرة على الاستمرار في الجلوس بين أربعة جدران، لكنها لم تبحث عن حياة مصطنعة لتعويض ما فقدته، بل عادت إلى رغبة قديمة ظلت كامنة فيها منذ طفولتها:
كانت تحلم بأن ترى العالم وتسافر، كانت تتمنى
الحج ولم تكن تملك المال الكافي، ثم جاءت فرصة مكّنتها من الذهاب، وكانت تلك
الرحلة بداية طريق لم تكن تعرف إلى أين سيقودها، وبعد الحج واصلت السفر، مستفيدة
من علاقاتها بشركات السياحة وتسهيلات الدفع، حتى زارت نحو 25 دولة، من سوريا إلى
سنغافورة، ومن إيطاليا إلى روسيا، مرورًا بالتبت والهند وغيرها، وجمعت خلال تلك
السنوات آلاف الذكريات والصور والتجارب.
ثم جاءت
المصادفة التي حولت صاحبة هذه الرحلات إلى شخصية معروفة، في إحدى الرحلات، وبينما
كانت في منطقة آيدر، التوت قدمها، فاستوقفت سيارة واستقلتها للحاق بمجموعتها، ثم
اكتشفت بعد نزولها أنها تركت كاميرتها في السيارة، كان داخل الكاميرا رصيد سنوات
من السفر والصور، وقد عثر عليها الزوجان اللذان كانا في السيارة، وفتحاها، ثم نشرا
بعض الصور عبر الإنترنت بحثًا عن صاحبتها، ومن هنا بدأت قصة الشهرة: انتشرت صور
عائشة، وعُثر عليها، وعادت إليها كاميرتها، لكن قصتها لم تعد مجهولة بعد ذلك، ظهرت
في وسائل الإعلام، وأجرت لقاءات مع طلاب الجامعات، وناقشت إمكان تقديم برامج عن
السفر، ثم ظهرت على منصة «TEDxIstanbul».
أكثر ما دفعني
للتأمل في القصة ليس منعطف الشهرة، بل ما حدث بين الصدمة وبين الرحلة، فالطلاق بعد
حياة زوجية طويلة، خصوصًا حين لا يكون هو اختيارنا، ليس مجرد تغير في الوضع
الاجتماعي؛ إنه قد يكون «صدمة عمر» بالمعنى الحقيقي، إنه يهدم صورة كاملة
للمستقبل: البيت الذي ظنناه بيت العمر، والشخص الذي تصورنا أنه سيرافقنا إلى آخر
الطريق، والسنوات التي بنينا عليها إحساسنا بالأمان والاستقرار، وربما كان الأشد
إيلامًا أن الإنسان لا يشعر أحيانًا أنه فقد علاقة فحسب، بل يشعر أنه فقد عمرًا
كان قد استثمره في هذه العلاقة.
ولهذا قد يقضي
بعض الناس ما تبقى من أعمارهم داخل الحادثة نفسها، يعيدون تحليلها مرة بعد مرة:
لماذا تغير الآخر؟ أين أخطأت؟ ما الذي كان ينبغي أن أفعله؟ كيف حدث ذلك بعد كل هذه
السنوات؟ ومن كان الغادر؟ ومن الذي فرّط؟ وهكذا تنتهي العلاقة في الخارج، لكنها لا
تنتهي في الداخل، يظل الشخص يشتغل على الماضي كأنه يريد أن يستخرج منه حكمًا
نهائيًا يفسر له حياته كلها.
وقد يتحول الألم
عندئذ إلى نوع من الإقامة النفسية في الماضي، لا يعود السؤال كيف نمضي، بل كيف نظل
أوفياء للجرح: نعيد تحليل موقف الآخر، ونعدّ ما بذلناه، ونستحضر ما نراه غدرًا
وخيانة، وربما نحمّل أنفسنا كذلك مسؤولية تغير قلب لم نكن نملك أمره أصلًا، ومن
أصدق الأشياء التي سمعتها من عائشة في حديثها على «TEDx» أنها قالت:
إنها، حين بقيت وحدها، بدأت تحكم على نفسها وتلومها على بعض أخطائها، ثم أدركت
أنها هي التي تؤذي نفسها أكثر، هذه الجملة، في بساطتها، تفتح بابًا مهمًا جدًا
للتأمل في الطريقة التي يمكن أن يتحول بها الفقد الخارجي إلى أذى داخلي مستمر.
ومما أعجبني في
قصة عائشة كذلك أنها لم تتحول قصتها العامة إلى شكوى مستمرة من الزوج السابق، ولا
إلى محاكمة مفتوحة للماضي؛ لم تجعل هذا الاشتغال مشروع حياتها الجديد، نعم، تحدثت
عن غيرته وعن انفصالها، لكنها سرعان ما انتقلت إلى الكلام عن الحياة نفسها: السفر،
والناس، والأماكن، والتجارب، وما يمكن أن يفعله الإنسان بما بقي له من عمر، بل
قالت للنساء بوضوح: «لا تقلن: ماذا سيحدث بعد هذا العمر، وماذا يمكنني أن أفعل؟ ثم
ينسحبن من الحياة».
وهذا لا يعني
اختزال معنى النضج في أن نتصالح سريعًا مع كل تقلب، قد يكون الفقد موجعًا حقًا،
وقد يحمل تصرف الطرف الآخر معنى الغدر في وجدان من بقي، لكنني أتساءل: هل الوفاء
معناه أن نضمن لأنفسنا عشرة خالدة؟ و هل الوفاء وعدٌ بأن تستمر العِشرة إلى الأبد،
أم هو أن يدخل الإنسان العلاقة بالمعروف، وأن يؤدي ما عليه فيها ما استطاع، فإذا
تعذر استمرارها كان الخروج منها أيضًا بالمعروف؟
الحقيقة أنه لا
أحد يملك هذا الضمان؛ فالإنسان لا يملك قلب غيره ليمنعه من التقلب، ولا يملك عهدًا
على الزمن ألا تتغير الأيام، وإنما الوفاء أن تبدأ العِشرة بالمعروف، وأن تُعاش
بالمعروف، فإذا تعذر استمرارها فتنتهي كذلك بالمعروف، ولهذا فإن وصف موقف الزوج في
هذا النموذج بأنه "غدر" قد يكون أقرب إلى الدمغة المختصرة التي نضعها
على مشهد معقد، بينما تفاصيل العلائق والدوافع والسنوات التي عاشها طرفان معًا
تبقى أكبر من أن يحيط بها الجمهور من خارج القصة، والأهم من كل ذلك أن صاحبة القصة
نفسها لم تجعل هذه النهاية قضية العمر كله.
وهنا يظهر معنى
التقبل النفسي كما رأيته في قصتها، التقبل ليس أن أنكر وجعي، ولا أن أعفي أحدًا من
مسؤوليته الأخلاقية إن كانت عليه مسؤولية، وإنما هو أن أعترف بأن قلوب البشر
ونفوسهم تتغير، وأن الحياة لا تمنحنا دائمًا استمرارًا يوازي ما بذلناه، وقد يكون
من أكثر ما يؤلم الإنسان أن يكتشف أن شيئًا عظيمًا بالنسبة إليه لم يعد كذلك
بالنسبة إلى الطرف الآخر، لكن الاستمرار في السؤال: لماذا؟ قد لا يغير شيئًا،
بينما يستنزف ما تبقى من العمر.
ومن هنا أصل إلى
المعنى الذي ربما بقي معي أكثر من غيره: ليست قيمة المرحلة في ضمان خلودها، السنوات
التي عاشتها عائشة في بيتها وأسرتها لا تصبح بلا قيمة لأنها انتهت، والحياة التي
بنتها بعد ذلك لا تصبح ذات معنى فقط لأنها جاءت لاحقًا، لكل مرحلة حقيقتها وقيمتها
في زمانها، وما عشته أمس لا يُلغى لأنه لم يستمر إلى اليوم، كما أن ما أعيشه اليوم
لا يحتاج إلى أن يضمن لي الغد حتى يكون جديرًا بأن أعيشه.
ربما نُخطئ حين
نطلب من كل علاقة أن تكون «إلى الأبد» حتى نطمئن إليها، ومن كل مرحلة أن تَعِدنا
بما بعدها حتى نستثمر فيها قلوبنا، الحياة بطبيعتها لا تقدم هذه الضمانات، ولذلك
فإن الاستمداد من الماضي وحده يحولنا إلى أسرى له، والتعلق بالمستقبل وحده يجعل
حاضرنا مجرد غرفة انتظار، بينما الحكمة في أن تعيش كل مرحلة حقها من الحضور، لا أن
تجعل قيمتها رهينةً ببقائها.
ولذلك، فإن أجمل
ما في قصة عائشة، بالنسبة إليّ، ليس أنها سافرت في الستين، بل أنها لم تعتبر
الستين موعدًا متأخرًا للحياة، لم تنكر ما انتهى، ولم تجعل ما انتهى تعريفًا لها، وحين
فتحت الكاميرا التي فقدتها، لم يكن العالم أمامها قد بدأ يوم انتشرت صورها؛ كان قد
بدأ قبل ذلك بسنوات، يوم قررت أن تتحرك، ولذلك لا أقرأ قصة «الخالة عائشة» بوصفها
حكاية عن امرأة «بدأت من الصفر»، فليس الإنسان بعد الستين صفرًا، ولا ما عاشه
قبلها صفرًا، أقرأها بوصفها حكاية امرأة لم تسمح لنهاية مرحلة أن تنتزع منها حقها
في بقية المراحل.
ربما لا نستطيع
أن نمنع «صدمة العمر» حين تأتي، قد تهدم لنا صورةً كاملة للمستقبل، وقد تترك في
النفس سؤالًا مؤلمًا عن العمر الذي مضى، لكن ربما نستطيع أن نمنع الصدمة من أن
تصبح مصيرًا نفسيًا دائمًا: ألا نحول ما حدث إلى مهنة نفسية دائمة، فنقضي ما بقي
من العمر في اجترار الخيانة أو الغدر أو حساب ما فات، بل الحكمة أن نقبل الواقع
بوصفه قد وقع، ونسمي الألم باسمه، ثم نترك للماضي حدوده ونعطي للحاضر حقه، فلا
نقضي ما بقي من العمر في محاكمة من رحل، ولا في معاقبة أنفسنا على تغير قلب غيرنا.
خلاصة هذه القصة التي وقرت في نفسي هي: كيف يمكن للإنسان أن يتقبل تغير الحياة من غير أن يجعل مهمته الجديدة البحث عن متهم أو اجترار الماضي، وهذا، في ظني، هو المعنى الأهدأ والأعمق في قصة الخالة عائشة، فختام مرحلة لا يعني ختام العمر، ولا نهاية العِشرة تعني نهاية الوفاء، ولا قيمة ما عشناه مرهونة بخلودة، وإنما النضج أن نعيش كل مرحلة بالمعروف حين تكون لنا، وأن نختتمها بالمعروف حين تنتهي، ثم نمضي.
الهوامش
- 1 وكالة الأناضول، 60 yaşındaki "hür kadın"dan "durmayın gezin" önerisi، 14 ديسمبر 2016. يتضمن مقابلة مع عائشة كوروجو عن انفصالها عن زوجها، وبداية سفرها، وأدائها الحج، وزياراتها لنحو 25 دولة، وقصة الكاميرا التي أسهمت في انتشار قصتها.
- 2 وكالة الأناضول، "Özgür kız" Ayşe Teyze'nin hayatı 60'ından sonra değişti، 25 يناير 2017. يتناول التحول الذي طرأ على حياتها بعد الستين، ووصفها نفسها بأنها مطلقة ووحيدة ومحدودة الدخل، مع تأكيدها أنها لم تشفق على نفسها، بل ازداد تعلقها بالحياة، إلى جانب نصائحها للنساء.
- 3 TEDxIstanbul، Bana Bakıp Bu Teyze mi Gezmiş Diyorlar? | Gezgin Teyze Ayşe Kurucu، 10 مايو 2017. يتضمن حديث عائشة عن حلم السفر منذ طفولتها، وما تغير في حياتها بعد زواج أبنائها، وتأملها في لوم النفس، ونظرتها إلى الحياة والناس وكيفية التعامل مع تقلباتها.
- 4 İndigo Dergisi، Hür kız Ayşe Teyze: Bekarlık imparatorluktur، 15 ديسمبر 2016. ينقل عن عائشة وصفها لزوجها بأنه كان شديد الغيرة، وقولها إنها أصبحت بعد الانفصال «فتاة حرة»، مع تفاصيل عن انتقالها إلى حياة السفر وبداية انتشار قصتها إعلاميًا.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً