الوقوع في شِبَاك حب الشهرة!
بعض الناس هدفه
في الحياة حب الظهور والشهرة ليشار إليه بالبنان، فيكون مصارعاً، أو ملاكماً، أو
نجماً، أو مغنياً، أو لاعباً مشهوراً، أو ممثلاً عالمياً، أو مدوّناً، أو صانع
محتوى، أو حتى مفتياً بغير علم، أو كذّاباً أو مضللاً أو مُهرّجاً، أو متعرياً، أو
ماجناً تحت أضواء التواصل الاجتماعي ليحصل على أعلى نسبة مشاهدة!
وقع الكثيرون
الطامعون في الشهرة والمال في شبكات المصائد العنكبوتية، فهل صار الاستعراضُ هدفَ
معظم المجتمعات، ووصل الولع بالشهرة والمال المترتب عليها درجة الهوس؟!
خطورة حب الشهرة
من أعظم ما يفسد
على المرء دينه ويهلك قلبه حبه للشهرة، والشرف في الناس، والرئاسة عليهم، قال النبي
صلى الله عليه وسلم: «مَا ذِئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلَا فِي غَنَمٍ بِأَفْسَدَ
لَهَا مِنْ حِرْصِ الْمَرْءِ عَلَى الْمَالِ وَالشَّرَفِ، لِدِينِهِ» (صحيح
الترمذي)، فحرص الإنسان على المال والرئاسة أكثر فساداً لدينه، من فساد ذئبين
جائعين لغنم أُطلق الذئبان عليهم.
ولا ننس انتحار
بعض المشهورين في العالم بعد أن حرق بريقُ الشهرة قلوبهم فلم يجدوا طعماً ولا غرضاً
للحياة!
من أسباب ذمّ الشهرة
- الغرور والعُجْب
بحب الظهور التي توقع الإنسان في فخ الإعجاب بنفسه.
- الرياء بتعلق
القلب بمدح الناس بدلاً من طلب رضا الله سبحانه.
- فقدان
الخصوصية بكثرة الضغوط النفسية وفقدان الراحة في الحياة اليومية.
- مخالفة
المألوف بالسعي للتميز الخاطئ في المظهر أو الفعل للفت الانتباه.
اللهث وراء الأرقام القياسية
تفاقمت ظاهرة حب
الشهرة منذ أن صار الإنترنت عصب الحياة الحديثة، وقبل ذلك وبعده فإن بعض الناس
يتفنن في القيام بأعمال غريبة يكسر بها الأرقام القياسية؛ كي يشتهر في العالم، ومن
أمثلة ذلك، طبقاً لموسوعة «غينيس».
- الذي لم يقص
شاربه لمدة 35 عاماً ليصل إلى 4 أمتار!
- الذي حاز
الشهرة بأطول لحية يملكها إنسان (2.5 متر)!
- التي اشتهرت
بأطول شعر لامرأة (2.7 متر)!
- الذين صنعوا
كعكة ضخمة طولها 5300 متر، ووزنها 27 طناً!
- التي تُربي في
منزلها ألف قطة!
- التي استمرت
في طهي الطعام لأكثر من 90 ساعة دون توقف!
- الذي لعب
ألعاب الفيديو لمدة 144 ساعة متواصلة!
الأسباب الدافعة إلى هذا العناء
هناك أسباب
نفسية، منها:
1- إثبات الذات
بمحاولة تعويض الشعور بالنقص والتهميش الداخلي.
2- طلب التقدير
بالبحث المستمر عن الإعجاب والثناء من الآخرين لرفع المعنويات.
3- الغرور وحب
التملك برغبة الفرد في أن يكون محط الأنظار والسيطرة الرمزية.
وهناك أسباب
اجتماعية، منها: التقليد الاجتماعي ورغبة مجاراة الآخرين والظهور بمظهر الناجحين.
ومن الأسباب التقنية: طغيان وسائل التواصل، وسهولة نشر المحتوى والوصول للجمهور والتفاعل الرقمي الفوري وحصد «الإعجابات»، والمكاسب المادية التي تجنيها شركات التواصل من خلال الإعلانات، وتدفع جزءاً منها لأصحاب المحتوى.
ضوابط الشهرة
انتشار الصيت
والاشتهار مذموم، إلا من شهره الله لنشر دينه من غير تكلف طلب الشهرة منه، قال
تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا
لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً) (القصص: 83)، جمع بين إرادة الفساد والعلو في الأرض، وبيَّن أن
الدار الآخرة للخالي عن الإرادتين جميعاً، كما دلّ ذلك أن حب الجاه، والفساد مجانب
للتقوى(1).
قال عكرمة:
العلو في الأرض التكبر وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها، والفساد، والعمل
بالمعاصي وأخذ المال بغير حقه، قال صلى الله عليه وسلم: «وإنَّ اللَّهَ أوحى إليَّ
أن تَواضَعوا حتَّى لا يَفخَرَ أحَدٌ على أحَدٍ، ولا يَبغي أحَدٌ على أحَدٍ» (رواه
مسلم).
يقول الغزالي:
ولطلب الشهرة وجه محظور، وهو أن يطلب قيام المنزلة في قلوب الناس باعتقادهم فيه
صفة هو منفك عنها مثل العلم والورع والنسب، فيظهر لهم أنه عَلوي (من أولاد عليّ،
أو من الأنساب المشهورة) أو عالم أو ورع، وهو لا يكون كذلك، فهذا حرام لأنه كذب
وتلبيس إما بالقول أو بالمعاملة.
وأما المباح،
فهو أن يطلب المنزلة بصفة هو متصف بها، كقول يوسف عليه السلام فيما أخبر عنه الرب
تعالى: (اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ
إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (يوسف: 55)؛ فإنه طلب المنزلة في قلبه بكونه حفيظاً عليماً، وكان
محتاجاً إليه؛ إذ رأى أنه يستعمله في أمره لا محالة، فآثر ما يعم فوائده، فقال ما
قال، وكان صادقاً فيه، متصفاً بالحفظ والعلم.
قال السعدي:
وليس ذلك حرصاً من يوسف على الولاية، وإنما هو رغبة منه في النفع العام، وقد عرّف
من نفسه من الكفاءة والأمانة والحفظ ما لم يكونوا يعرفونه.
الأتقياء الأخفياء
قال صلى الله
عليه وسلم: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ العَبدَ التَّقيَّ، الغَنيَّ، الخَفيَّ» (رواه مسلم)؛
الخفيّ: هو الذي لا يظهر نفسه ولا يهتم أن يظهر عند النّاس أو يشار إليه بالبنان
أو يتحدّث الناس عنه، ولكن لا يعني ذلك أن الإنسان إذا أعطاه الله علماً أن يتقوقع
في بيته ولا يُعلّم الناس، هذا يعارض التُّقى، فتعليمه للناس خير من كونه يقبع في
بيته ولا ينفع الناس بعلمه أو لا ينفع الناس بماله، لكن إذا دار الأمر بين أن
يلمّع نفسه ويظهرها ويبيّنها، وأن يخفيها، فحينئذ يختار الخفاء، أما إذا كان لا بدّ
من إظهار نفسه فلا بدّ أن يظهرها، هذا ممن يحبّه الله عزّ وجلّ(2).
العلاج
يقول ابن القيم:
لا يجتمعُ الإخلاصُ في القلبِ، ومحبةُ المدحِ والثناءِ والطمعُ فيما عِندَ الناس،
إلا كما يجتمعُ الماءُ والنارُ، والضب والحوتُ، فإذا حدثتكَ نفسُكَ بطلب الإخلاصِ
فأقبِل على الطمع أولاً فاذبحهُ بسِكين اليأسِ، وأقبِل على المدح والثناء، فازهَدْ
فيهما زُهدَ عُشاقِ الدنيَا في الآخرة.
فإن قلت: وما
الذي يسهلُ عليّ ذَبحَ الطَّمعِ، قلتُ: يُسَهِّلُه عليك عِلمُكَ يقيناً أنه ليس من
شيءٍ يُطمَعُ فيه إلا وبيد الله وحدَه خزائنُه لا يملكُهَا غيرُه، ولا يُؤتي
العبدَ منها شيئاً سواه، فاطلبه من الله.
وأما الزهدُ في
الثناء والمدح، فيسهلُه علمك أنه ليس أحدٌ ينفعُ مدحُه ويزينُ، ويضرُّ ذمُّه
وَيشِينُ، إلا الله وحدَه، كما قال أعرابي للنبيِّ صلى الله عليه وسلم: إنَّ
حَمدِي زَينٌ، وإنَّ ذَمِّي شَينٌ، فقال صلى الله عليه وسلم: «ذاكَ اللهُ عز وجل»
(صحيح الترمذي)، اعتقد الأعرابي أن من مدحه فهو الممدوح، ومن ذمه فهو المذموم.
فازهد في مدح من
لا يزينك مدحه وفي ذم من لا يشينك ذمه، وارغب في مدح من كل الزين في مدحه وكل
الشين في ذمه، الله تعالى، ولن يقدر على ذلك إلا بالصبر واليقين(3).
ويقول الغزالي: فالطريق أن يرجع الإنسان إلى عقله ويقول لنفسه: هذه الصفة التي أُمتدح بها أأنا متصف بها أم لا؟ فإن كان متصفاً بها وكانت كالثروة والجاه، فهذه لا تستحق المدح، فالفرح بها كالفرح بنبات الأرض الذي يصير قريباً هشيماً تذروه الرياح، وهذا من قلة العقل، وإن كانت كالعلم والورع، فهذه وإن استحقت المدح إلا أنه لا ينبغي الفرح بها؛ لأن الخاتمة غير معلومة، وإن كانت الصفة التي مدح بها هو خالٍ منها، ففرحه بالمدح غاية الجنون!
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً