في رثاء أمي
واريتك الثرى يا
أماه، وواريت معك نور عيني وفؤادي، فقد رحلت من كانت تحميني بدعائها، وتكرمني
بعطائها، وتظللني بحنانها، والله إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا لفراقك يا
أماه لمحزونون، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون.
لقد اشترت
مدفنها وكفنها منذ نحو عشرين عاماً، وتصدقت بجميع ذهبها، اعتمرت وحجت، وصلت وصامت،
وقامت الثلث الأخير من الليل، وصلت فجرها، وحافظت على صلواتها، وأطاعت زوجها،
وحفظت بيتها، ورعت أسرتها، صانت حجابها وحياءها، وربت أبناءها على كتاب الله.
أمي، لم تكن
تعلم شيئاً من فنون القراءة والكتابة، فلم تنل نصيباً من التعليم، فقط كانت تربي
بفطرتها النقية، وقلبها الطيب، واحدة من أمهات الزمن الجميل، أنبتت خمس سنابل، هم:
ربة منزل، ممرضة، معلمة، شرطي، صحفي، وبفضل الله، نحو نصف أبنائها وأحفادها من
حفظة كتاب الله.
مسيرة عطاء
أمي، مسيرة
طويلة من العطاء والكفاح والصبر، صبرت على فقدان زوجها، واحتسبت عند الله ابنها ناصراً
مرتين؛ الأولى: كان طفلاً في الثانية من عمره، فلما رزقت بآخر أسمته ناصراً، فقبضه
الله إليه في الثانية والثلاثين من عمره، فرضيت وصبرت واحتسبت، وهي تطمئن قلبها
بقوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ
الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ
وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ {155} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ
إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ {156} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ
صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة).
كوفئت من الله
عز وجل، على صبرها ورضاها، برحلة ربانية لأداء مناسك الحج، فحجت إلى بيت الله، الكعبة
المشرفة، ملبية: «لبَّيكَ اللهمَّ لبَّيكَ، لبَّيكَ لا شريكَ لك لبَّيكَ؛ إنَّ
الحمدَ والنِّعمةَ لك والمُلْك، لا شريكَ لك».
والذي نفسي
بيده، لقد تصدقت من حر مالها بسقي الماء، وإطعام الطعام، وزرع الشجر، وإعمار
المساجد، وإغاثة غزة، وفي كثير من الأحيان، لم تجد ما تتصدق به، حينما كان المال
قليلاً، فكانت تبرد الماء في أوان صغيرة حتى يصير ثلجاً، ثم تخرج بعد الظهيرة، في
أيام الحر الشديد، فتوزعه على جيرانها، حتى يرتوي الظمآن بماء بارد.
مدينة الرضا
لقد فقدنا أماً
عظيمة، ليس لكونها أمي، فشهادتي بحقها قد تكون مجروحة بعض الشيء، لكنها كانت مدينة
للرضا، واحة للقناعة، أوتيت قدراً من الرضا يعجب له البشر، كنت أستغرب كثيراً من
زواجها بأبي، كيف تقبلين بزوج كان مطلقاً ولديه 4 أبناء، وأنت البكر الرشيد، فترد:
لقد أرضاني الله، ورزقني بأبناء طيبين.
كانت تربي
الماشية في بيت أبيها، وتزرع القمح، وتحيك غطاء الرأس، وتبيع الأرز لتساعد زوجها،
وتصنع الطوب اللبن، وتحمل الخشب والطين؛ لبناء السقف، فتصير الغرفة الواحدة التي
تزوجت بين جدرانها بيتاً من دورين، يستأنس بذكرها ورضاها وكفاحها.
يوم دؤوب من
العمل المنزلي وأعمال النظافة والطهي وصناعة الخبز، ورعاية الصغير والكبير، مصحوباً
بالصلاة والذكر، لا تفارقها مسبحتها، غير ناسية حق الأهل والجار والطير، وهي تحمل
قلباً كبيراً، ووجهاً بشوشاً، ويداً سخية، تعطي ولا تمنع، تؤْثر غيرها على نفسها،
ولو كان بها خصاصة.
كانت تصل الرحم،
وتزور المريض، وتحسن إلى الجار، وتكرم الضيف، وتعين المحتاج، وتعطي الفقير، وتطعم
الطير، وترفق بالحيوان، أحسبها على خير ولا أزكيها على الله.
قال لي أحدهم،
وهو يشهد لها، فأنتم شهود الله في الأرض: أحسبها كما قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «أفضلُ النَّاسِ كلُّ مخمومِ القلبِ، صدوق اللِّسانِ»، قالوا: صدوقُ
اللِّسانِ نعرِفُه فما مخمومُ القلبِ؟ قال: «التَّقيُّ النَّقيُّ، لا إثمَ فيه،
ولا بغْيَ، ولا غِلَّ، ولا حسَدَ» (رواه ابن ماجه).
في رحاب الله
آخر كلماتها
حينما سألتها: يا أمي، أين أنت الآن؟ ردت: «عند الله»، فعلمت أن الرحيل اقترب، وقد
حان الأجل، مخلفة لنا سيرة عطرة من حسن الخلق، وصدق اللسان، وطيب المعشر، ونقاء
السريرة.
قضت أيامها
الأخيرة في رحاب مجلس ذكر، تحفه الملائكة، بين قراءة القرآن، والدعاء، والذكر،
والتسبيح، والتحميد، والتهليل، وهو ما كان دأبها خلال أعوامها الأخيرة، لتنهض فجأة
من مرضها، وتنصت إلى آي سورة «البقرة»، كأنها بالفعل في رحاب الله، وبين يدي
الله.
أرثيك يا أمي
وقلمي يقطر دمعاً، والألم يعتصر أضلعي، لكن عزائي أنك -بإذن الله- «مستريحة» لا
مستراح منها، نفس مطمئنة، راضية مرضية، فاللهم ارض عنها واعف عنها وثقل موازينها
وارفع درجاتها وبيض وجهها يا كريم، آمين.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً