الإنصاف لا يعني ترك الرد على الباطل
عمران بن حطان.. شاعر لم تمنحه الفصاحة حصانة من الخطأ
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن عمران بن حطان(1)؛ أن قتادة قال: لقيني
عمران بن حطان، فقال: يا أعمى، احفظ عني هذه الأبيات:
حتى متى تسقى
النفوس بكأسها ريب
المنون وأنت لاه ترتع
أفـقـد رضـيت
بأن تعـلل بالمنى إلى الـمنـية
كـل يـوم تـدفــع
أحـلام نــوم أو
كــظـــل زائـــل إن الـلـبـيـب بـمـثلها لا يخدع
فـتــزودن
لـيـوم فــقــرك دائـبـاً واجمع
لنفسك لا لغيرك تجمع
وبلغنا أن
الثوري كان كثيراً ما يتمثل بأبيات عمران هذه:
أرى أشـقـيـاء
الـناس لا يسأمونها عـلى
أنهم فيها عراة وجـوع
أراها وإن
كــانــت تـحـب فـإنــها سحابة
صيف عن قليل تقشع
كـركـب قـضوا
حاجاتهم وترحلوا طريقهم
بادي العلامة مهـيع
قال عبدالباقي
بن قانع الحافظ: توفي عمران بن حطان سنة أربع وثمانين(2).
تقدم هذه
الروايات صورة شديدة العمق لشخصية عمران بن حطان؛ فهي لا تعرض لنا شاعرًا فقط، ولا
محدثًا فقط، ولا رجلًا منسوبًا إلى فرقة فحسب، بل تكشف عن نموذج إنساني مركب
اجتمعت فيه جوانب متعددة؛ علم ورواية، وبلاغة وشعر، وحكمة وزهد، مع انحراف عقدي
شديد، وبعض المواقف التي تكشف نقصًا في الأدب والسلوك.
وهنا تظهر قيمة
المنهج الإسلامي في قراءة الرجال؛ فلم يكن علماء المسلمين يتعاملون مع الشخصيات
بمنطق التقديس المطلق أو الإلغاء الكلي، وإنما بمنطق الميزان المتزن، فما وافق
الحق قبلوه، وما خالفه ردوه، وما كان من حسن القول أثنوا عليه، وما كان من خلل
نبّهوا إليه، وهذا هو سر بقاء تراجم العلماء حية؛ لأنها لم تكن صناعة مدائح ولا
سجلات خصومات، بل كانت محاولة لرؤية الإنسان كما هو.
تناقضات الشخصية المركبة في التاريخ الإسلامي
كان عمران بن
حطان من رجال الحديث، وقد روى عنه أئمة من التابعين كابن سيرين وقتادة، وكان صاحب
قدرة شعرية واضحة شهد له بها أهل الأدب، لكنه في الوقت نفسه كان من رؤوس الخوارج
الصفرية، وبلغ به الانحراف أن مدح عبد الرحمن بن ملجم قاتل أمير المؤمنين علي بن
أبي طالب رضي الله عنه.
فلا يمكن قراءة
شخصية عمران قراءة سطحية؛ لأن فيها اجتماعًا بين جوانب متباينة، وتلك إحدى خصائص
المنهج الإسلامي في النقد؛ فالإنسان ليس كتلة واحدة صماء من الفضائل أو الرذائل،
فقد يكون عنده علم وضبط في باب، وخطأ وزلل في باب آخر، وقد يقول كلمة حكمة في
موضع، ثم يضل في موضع آخر.
وقد أصل العلماء
الميزان المنصف في تقييم الشخصيات وإعطاء كل ذي حق حقه دون جور؛ كما قال الإمام
سعيد بن المسيب: «لَيْسَ مِنْ عَالِمٍ وَلَا شَرِيفٍ وَلَا ذِي فَضْلٍ إِلَّا
وَفِيهِ عَيْبٌ وَلَكِنْ مَنْ كَانَ فَضْلُهُ أَكْثَرَ مِنْ نَقْصِهِ ذَهَبَ
نَقْصُهُ لِفَضْلِهِ كَمَا أَنَّ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ نُقْصَانُهُ ذَهَبَ
فَضْلُهُ»(3).
ولهذا لم يجعل
العلماء وجود البدعة عند عمران سببًا لإلغاء كل ما ينقله من الحديث إذا ثبت ضبطه
وصدقه، كما لم يجعلوا وجود العلم والبلاغة سببًا لقبول كل ما صدر عنه من الآراء
والأشعار.
لماذا تمثل سفيان الثوري بشعر عمران؟
من أعظم ما
تكشفه قصة عمران بن حطان أن العلماء لم ينظروا إلى الشعر بمنظار قائله، بل بمنظار
معناه ومطابقته للحق؛ فحين يذكر بالمرور السريع للدنيا والموت، فإن ذلك يوقظ النفس
من الغفلة ويذكرها بأن العمر زائل.
وهذا المعنى
يتفق تماماً مع هدي القرآن الكريم في بيان قصر الدنيا وزوالها، قال الله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) (آل عمران: 185).
ولم يرفض
العلماء هذا الشعر الزهدي لأن قائله خارجي؛ لأن القضية عندهم ليست قضية أشخاص
وإنما قضية حقائق ومعانٍ، ولهذا نُقل أن الإمام سفيان الثوري كان يتمثل بأبياته في
موعظة أصحابه، فلم يكن الثوري يزكي مذهب عمران، ولم يكن يغض الطرف عن انحرافه
العقدي، وإنما أخذ الحكمة التي وافقت الحق والوحي.
وقد دلت السُّنة
النبوية على إقرار الحكمة والاستشهاد بالصواب وإن صدر عن مخالف؛ فيذكر إسحاق في
مسنده يقول محدثاً عن روح بن عبادة حديثاً مرفوعاً بسنده إلى النبي صلى الله عليه
وسلم قَالَ: «مِنْ أَصْدَقِ بَيْتٍ قَالَتْهُ الْعَرَبُ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا
خَلَا اللَّهَ بَاطِلٌ»(4).
وهنا يظهر الفرق
بين منهج علمي ناضج ومنهج عاطفي؛ فالعاطفة قد تجعل الإنسان يرفض كل شيء من مخالفه،
وقد تجعله يقبل كل شيء من موافقه، أما ميزان العلم فيسأل بإنصاف: ما قيمة هذا
القول في ذاته؟
كيف انحرف شعر عمران بن حطان بمدح ابن ملجم؟
لكن المنهج نفسه
الذي قبل شعر عمران الزهدي هو الذي وقف بشدة أمام شعره في مدح ابن ملجم، فالقضية
هنا لم تعد حكمة عن الدنيا ولا تذكيرًا بالموت، بل أصبحت دفاعًا عن جريمة عظيمة
وقلبًا للموازين الشرعية؛ إذ قال:
يَا ضَرْبَةً
مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ
رِضْوَانَا
إن القاتل الذي
قتل عليًا رضي الله عنه لم يكن عند أهل السنة صاحباً لتقوى، بل صاحب جريمة عظيمة
بحق إمام المسلمين ورابع الخلفاء الراشدين وأحد العشرة المبشرين بالجنة، ولهذا كان
بيت عمران مظهرًا صارخًا للانحراف؛ لأنه لم يبرر فعلًا خاطئًا فحسب، بل أعاد تعريف
الجريمة حتى ظهرت في صورة عبادة وقربة.
وهنا تظهر خطورة
الغلو والتأويل المنحرف؛ فالإنسان حين يفسد ميزان الحكم عنده قد لا يرى نفسه
منحرفًا، بل قد يظن أنه أكثر الناس تمسكًا بالدين ورعاية للحرمات.
قال الله تعالى:
(قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ
أَعْمَالاً {103} الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ
يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً) (الكهف103-104).
كيف ناقض الشعراءُ قصيدةَ عمران بن حطان؟
لم يقف شعراء
الإسلام أمام هذا الشعر المنحرف صامتين؛ لأن قوة الأسلوب لا تمنح الحماية للمعنى
الفاسد، فكما استخدم عمران الشعر للدفاع عن موقفه، استخدم غيره من أهل العدل الشعر
للرد عليه وبيان خطئه الشنيع.
ومما رُدَّ به
عليه قاطباً لميزان الحق والجزاء الأُخروي ما قاله أبو المعالي بقوله:
يَا ضَرْبَةً
مِنْ شَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا لِيُصْلِيَهُ رَبُّ الْعَرْشِ نِيرَانَا
فَهُوَ
اللَّعِينُ بِلَا شَكٍّ يُرَدِّدُهُ وَيَلْعَنُ
اللَّهُ عِمْرَانَ بْنَ حَطَّانَا(5)
وقال غيره:
قُلْ لِابْنِ
مُلْجِمِ وَالْأَقْدَارُ غَالِبَةٌ هَدَمْتَ وَيْلَكَ لِلْإِسْلَامِ أَرْكَانَا
قَتَلْتَ
أَفْضَلَ مَنْ يَمْشِي عَلَى قَدَمٍ وَأَوَّلَ النَّاسِ إسْلَامًا وَإِيمَانَا
إلى أن قال:
فَلَا عَفَا
اللَّهُ عَنْهُ مَا تَحَمَّلَهُ وَلَا سَقَى قَبْرَ عِمْرَانَ بْنِ حِطَّانَا
لِقَوْلِهِ فِي
شَقِيٍّ ظَلَّ مُجْتَرِمًا وَنَالَ
مَا نَالَهُ ظُلْمًا وَعُدْوَانَا
يَا ضَرْبَةً
مِنْ تَقِيٍّ مَا أَرَادَ بِهَا إِلَّا
لَيَبْلُغَ مِنْ ذِي الْعَرْشِ رِضْوَانَا
بَلْ ضَرْبَةٌ
مِنْ غَوِيٍّ أَوْرَثَتْهُ لَظًى فَسَوْفَ يَلْقَى بِهَا الرَّحْمَنَ غَضْبَانَا
كَأَنَّهُ لَمْ
يُرِدْ قَصْدًا بِضَرْبَتِهِ إِلَّا
لِيَصْلَى عَذَابَ الْخُلْدِ نِيرَانَا(6)
فجاء الرد ليقلب
المعنى الباطل الذي أراد عمران تثبيته؛ فبدل «التقي» جاء «الشقي»، وبدل «الرضوان»
جاء «النيران والخسران».
وهكذا واجه
الشعراء البلاغة بالبلاغة، ولم يروا أن الرد يكون بإسقاط اللغة، وإنما بتصحيح
المعنى والدفاع عن الحق والعدل؛ كما كان الهدي النبوي يوجه أصحاب البيان لنصرة
الحق، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لشاعره حسان بن ثابت رضي الله عنه:
«اهْجُهُمْ وَجِبْرِيلُ مَعَكَ».
قصة خطاب عمران للإمام قتادة بن دعامة
ومن أكثر
المواضع دلالة في الرواية قول عمران لقتادة بن دعامة السدوسي: «يَا أَعْمَى،
احْفَظْ عَنِّي هَذِهِ الْأَبْيَاتِ».
وهذه العبارة
تكشف جانبًا آخر من الشخصية؛ جانب الأخلاق والسلوك في الخطاب، فقتادة لم يكن شخصًا
عاديًا، بل كان من كبار علماء البصرة وإمامًا حجة في التفسير والحديث، ولم يكن فقد
البصر مانعًا له من ريادة العلم، ولهذا فإن مخاطبته بهذه الطريقة تكشف عن خلل
وجفاء في الأدب، لأن الشريعة نهت عن استحقار المسلمين أو تعييرهم بآفاتهم
وجوارحهم.
قال النبي صلى
الله عليه وسلم في حظر التعيير والاستخفاف بالمسلم: «المُسْلِمُ أَخُو المُسْلِمِ
لَا يَخُونُهُ وَلَا يَكْذِبُهُ وَلَا يَخْذُلُهُ كُلُّ المُسْلِمِ عَلَى
المُسْلِمِ حَرَامٌ عِرْضُهُ وَمَالُهُ وَدَمُهُ التَّقْوَى هاهُنَا -وَأَشَارَ
إلى القلب- بحسب امرئ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ المُسْلِمَ»(7).
وهنا تظهر دقة
المنهج مرة أخرى؛ فالعلماء لم يقولوا: عمران قال شعرًا حكيمًا إذن هو كامل
الأخلاق، ولم يقولوا: صدر منه خلل في الخطاب إذن نرفض كل حكمته، بل جمعوا بين
الأمرين: نقلوا الحكمة الصائبة، وسجلوا الخلل السلوكي، فقبلوا الصواب وردوا الخطأ،
وهذا هو جوهر الإنصاف.
كيف يفرق المنهج بين القول وصاحبه؟
تكشف سيرة عمران
بن حطان عن واحدة من أجمل خصائص التراث الإسلامي: القدرة على التفريق بين ذات
الإنسان وأقواله المتباينة، فلو كان المنهج قائمًا على الإلغاء المطلق، لما نُقلت
أحاديث عمران الضابطة في كتب السنن، ولو كان قائمًا على التساهل المطلق، لما رُد
شعره في ابن ملجم وتحذير الأمة منه، ولو كان قائمًا على التعصب، لما تمثل سفيان
الثوري بشعره الزهدي.
لكن المنهج كان
قائمًا على الميزان الشرعي؛ يُقبل الحق ولو جاء من مخالف، ويُرد الباطل ولو جاء من
فصيح بليغ.
قال الله تعالى:
(وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ
شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا ۚ اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ)
(المائدة: 8).
وقد طبق أئمة
الجرح والتعديل هذا المبدأ بصرامة نقدية رفيعة؛ فكانوا يوثقون الصادق الضابط في
الرواية وإن كان يرى رأي الخوارج، ويردون بدعته ولا يقبلون ما يرويه نصرةً لمذهبه،
لتظل قواعد النقد لديهم منزهة عن الهوى والعاطفة.
كيف جمع النقاد بين العدل والتبيين؟
تبقى سيرة عمران
بن حطان شاهدًا مزدوجًا في التاريخ الإسلامي؛ فهي تكشف من جهة خطورة الفكر الخارجي
حين يصل إلى مدح قاتل عليّ رضي الله عنه ويحول الجريمة العظمى إلى فضيلة وتقوى،
وتكشف من جهة أخرى عظمة التراث الإسلامي ونضج منهجه النقدي؛ فلم يمنع العلماءَ
انحرافُ عمران المذهبي من قبول الحكمة التي قالها في الزهد، ولم يمنعهم جمالُ شعره
وفصاحته من رد باطله وضلاله، ولم يمنعهم علمُه بالحديث من تسجيل نقصه الأخلاقي.
وهكذا بقي عمران بن حطان في كتب المسلمين لا بصورة الرجل المبرأ من العيوب، ولا بصورة الرجل الملغى كلياً، بل بصورة إنسان له ما له وعليه ما عليه؛ استقراراً على الميزان الذي لا يمنع النقد، والنقد الذي لا يحيف على العدل.
الهوامش
- 1 عمران بن حطان بن ظبيان السدوسي الشيباني: تابعي، كان في أول أمره من أهل الحديث والسُّنة ثم صار من أئمة الخوارج القعدية وشعرائهم، واشتهر بالفصاحة والشعر والجهاد ورواية الحديث عن جمع من الصحابة كعائشة، وابن عباس، سكن البصرة وتنقل في البلاد فاراً من الحجاج حتى توفي سنة 84هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (4/ 214).
- 3 جامع بيان العلم وفضله (2/ 820/ 1539).
- 4 مسند إسحاق بن رهاويه (1/ 362/ 369).
- 5 قلائد الجمان في فرائد شعراء هذا الزمان (2/ 133).
- 6 لوامع الأنوار البهية (2/ 351).
- 7 الجامع الصغير وزيادته (11652)، وأورده البخاري في الجامع (6706).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً