دراسات قرآنية
أبعاد التربية الاجتماعية في القرآن
نزل القرآن لإصلاح الحياة الاجتماعية للناس، بعدما
امتلأت بمظاهر الفساد التي اقترفتها يد الإنسان، والقرآن بطبعه كتاب لا يمكن
ممارسته إلا في سياق اجتماعي؛ فهو ليس كتابا للعزلة أو الرياضة الروحية المجردة،
ولكنه منظومة متكاملة من الحياة الاجتماعية الطيبة.
وهذه بعض جوانب التربية الاجتماعية
في القرآن العظيم.
القرآن وفن
المشاركة
المبدأ الاجتماعي الأول الذي ينحاز إليه القرآن، ويدفع إليه الإنسان هو
الترابط الاجتماعي الإنساني الفعال والحقيقي بين كل أفراد المجتمع الخاص من
ناحيةٍ، وبين أسرة المجتمع الإنساني العام من ناحيةٍ أخرى. وفي سبيل تحقيق ذلك يجب
علينا إعادة اكتشاف مباني القرآن الاجتماعية من جديدٍ وهي التي تؤسس لفن المشاركة
المجتمعية داخل مجتمع المؤمنين، كنموذجٍ يُقدَّم للإنسانية الحائرة المتخبطة من مس
الرأسمالية الـمعولمة.
ومن قواعد القرآن وأصوله الاجتماعية لفن المشاركة نشير إلى ما يلي:
أولًا: العبادات وشعائرها وأبعادها الاجتماعية ومنها:
· العبادات اليومية (صلاة الجماعات)، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا
الصَّلاةَ﴾ [مواضع عديدة]، ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ﴾
[المعارج: 23]، ﴿وَالَّذِينَ
هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:9].
· العبادات الأسبوعية (صلاة الجمعة)، ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا
إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة:9].
· العبادات السنوية:
-الصوم، قال جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة:183].
-والزكاة. ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [مواضع عديدة].
- والحج، يوجه جل شأنه إلى الترغيب في الحج بقوله: ﴿وَلِلَّهِ
عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل
عمران:97].
ثانيًا: الأوامر الشرعية والأخلاقية الاجتماعية:
لاتباع تعليمات التكاليف الشرعية دور رئيس في تحقيق التعاضد الاجتماعي
والتواصل المباشر بين أعضاء المجتمع، ومن وجوه ذلك:
1-واجبات
الوالدية الصالحة تجاه الأبناء: يحدد القرآن عدة واجبات أساسية تقوم بها "الوالدية
الصالحة" تجاه الأبناء، أهمها:
أ. واجب
الحماية الوجودية، أي المحافظة على حياتهم فنهى قتلهم لأي سبب: )وَلَا
تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ( [الأنعام:
151]. )وَلَا
تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ ( [الإسراء:
31]. )وَلَا
يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ([الممتحنة:
12].
ب. واجب الحماية
الأخلاقية، أوجبت منظومة
القيم القرآنية "الزواج" كطريق وحيد للولد، وللنسل الإنساني، ومن هنا
فقد حرمت كل أشكال مجيء النسل غير هذا الطريق، فحرمت "الزنا"، وأوصت
بعدم الاقتراب من كل ما يؤدي إليه، ووضعت سياجًا أخلاقيًا مانعًا لكل ما يُقرب منه.
﴿ وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء:
32]، ﴿وَلَا يَزْنِينَ﴾ [الممتحنة: 12].
ومن وجوه
الحماية الأخلاقية أيضًا: المساواة الكاملة في الرعاية الاجتماعية بين المولود سواء
كان ذكرًا أم أنثى. يقوم هذا الوجه
على مبدئية تقدير النفس القادمة إلى الحياة مهما كان نوعها (ذكرًا أم أنثى)، ومن
ثم نعي الوحي وندد بأولئك الذين يكظمون بوجوههم من شدة الحزن إذ سمعوا بأن مولودهم
أنثى [النحل: 85]. إن تقرير مبدأ المساواة – كما أشرنا إليه من قبل- هو مبدأ عام
لكل بني الإنسان الذين صدروا في خلقهم الأول من "نفس واحدة" وما زلوا
يتناسلون حتى اليوم -من هذه النفس- عبر (الذكر والأنثى). ويجعل الوحي "التقوى"
هي سمة التفضيل البشري بين الذكور بعضهم البعض أو الإناث بعضهم وبعض، أو بين
الذكور والإناث [الحجرات: 13].
ج. واجب البناء الجسدي، وفي ذلك حدد القرآن مدة الرضاعة بحولين كاملين:) وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ( [البقرة: 233]. وأوجب على الأب الإنفاق على غذاء الطفل وكسوته: )وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ([البقرة: 233]. ويضع القرآن قانونـــًا مفاده أن الفطام في أقل من حولين لا يجوز إلا عند رضا الوالدين وعند المشاورة مع أرباب التجارب) فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ ([البقرة: 233].
د. واجب التربية
العقدية، تفصيل ذلك في حث
(الأسرة) جميعها على التزام النهج الإلهي عن طريق التقوى، من أجل الوقاية من سوء
المصير، ﴿قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6] وهذه التقوى تكون
من الوالدين للأبناء، وذلك بتوجيههم نحو الهدى وصوب الحق وناحية الإسلام. قال قتادة ومجاهد في كيفية هذه الوقاية
"...على الرجل أن يُصلح نفسه بالطاعة، ويصلح أهله إصلاح الراعي للرعية،
يأمرهم وينهاهم. وقال بعض العلماء (قُوا أَنفُسَكُمْ) دخل فيه الأولاد لأن الولد
بعض منه، فيعلمه الحلال والحرام، ويجنبه المعاصي والآثام، إلى غير ذلك من الأحكام.
وقيل: نقي أهلينا: نُعلم أولادنا وأهلينا الدين والخير"[1].
ه. واجب الإنفاق
المادي، إن مسئولية الإنفاق هي مسئولية الأب في المقام الأول:
قال تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 233]. ﴿الرِّجَالُ
قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ
وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]، ﴿لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِّن
سَعَتِهِ ۖ وَمَن قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾
[الطلاق:7].
و. واجب تنمية
القابليات العقلية، من واجبات الوالدية الصالحية التهيئة
العقلية لأبنائها-لاسيما في السنوات الأولى- وذلك عن طريقين: الأول: اكتشاف احتياجات
المعرفة عند الطفل في مراحل نموه، والثاني: تلبية الاحتياجات العقلية لكل مرحلة من
مراحل نموه من خلال المحيط الأسري الخاص بالطفل وكذلك البيئة الاجتماعية. والبيئة
القرآنية في ذلك تشير إلى أن الطفل يولد وعقله (المعرفي) صفحة بيضاء، بينما يمتلك
الوسائل اللازمة لتحصيل المعارف بشقيها الاستقرائية والاستنباطية )وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ
أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ
وَالْأَفْئِدَةَ ( [النحل: 78].
ز. واجب التربية الجنسية، ومن التعاليم الواجبة التي ينبغي أن
تقوم الوالدية الصالحة بأدائها نحو الأبناء في ميدان التربية الجنسية تعليم سورة
النور.
من ضروريات التربية الجنسية تعليم سورة "النور" لكل أفراد الأسرة، نظرًا لما تتضمنه هذه السورة من تعليمات وإرشادات بالغة الأهمية في المجالين الديني – الاجتماعي للمسلم، ولا توجد سورة في القرآن تبدأ بذكر فرضية ما فيها وفرضية تعلمها إلا سورة النور.
2-الرعاية الاجتماعية من أسفل إلى أعلى (من الأبناء إلى الوالدين)، قال جل وعلا: وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:23]. ومن وجوه الإحسان إلى الوالدين: معاشرتهما بالمعروف. وامتثال أمرهما...إن أحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزام البر والطاعة له / والإذعان من قرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره هما الوالدان[2].
من
وجوه البرّ بهما إذا لم يتعين الجهاد، ألا يجاهد إلا بإذنهما، ومن تمام برهما صلة
أهل ودهما، وإكرام صديقهما[3].
ومن
حقوق الوالدين أيضا: خفض الجناح: )وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ
الرَّحْمَةِ( [الإسراء: 24]، الدعاء بالغيب الرحمة: ) وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا
كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا( [الإسراء:
24]، واجب الشكـر: ) أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ
الْمَصِيرُ ([لقمان: 14] ولم يذكر الشكر في القرآن إلا
لله، ولم يقترن بين الله وبين غيره إلا بالوالدين، وهذا اقتران آخر للمنعمين على
الابن، الله والوالدين، وهو تذكير بعظم هذه المكانة والدور الذي قام به الوالدين
نحو الابن، وفي ذلك حث على الإحسان والبر والشكر والحمد لهما بكل الصور غير
المحدودة، والمصاحبة بالمعروف: )وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا( [لقمان: 15] ، والقول الكريم: )وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا( [الإسراء: 23]الكرم: هو اسم للأخلاق
والأفعال المحمودة التي تظهر من الإنسان. ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه.
3-الوالدية
الاجتماعية لليتيم (الرعاية الاجتماعية لليتيم حتى تتبدد وَحشة شعوره
بالعزلة والوحدة):
وجه
آخر في منظومة قيم الوالدية في القرآن، هو الوالدية الاجتماعية والتي تتعلق
بالمجتمع عندما يقوم بدور الأبوين تجاه لطفولة التي لها وضع خاص في الواقع
الاجتماعي، هذه الوالدية خاصة بحالة "اليتامى" أي الذين فقدوا عناصر
الوالدية الحقيقية والأصلية، فيُستبدل بالوالدية المجتمعية، حيث يتحول المجتمع، أو
بالأحرى من ينوب عنه في القيام بمهمة الوالدية الاجتماعية.
يمثل واجب "الرعاية الاجتماعية"
لليتيم إطارًا للحماية المادية والمعنوية معًا، من خلال مواجهة احتياجات اليتيم
اليومية من توفير "الطعام" واعتبار ذلك أحد القربات المهمة للوالدية
الاجتماعية ) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِ
مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا( [الإنسان 8]،)يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ( [البلد : 15]، ثم المعاونة المادية – كما
يظهر في إقامة الجدار – لأمورهم حتى يرشدوا إلى حسن التصرف والحماية لأنفسهم
والرشد )وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ
لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ( [الكهف : 82]، "فاليتامى" في
حماية المجتمع كله حتى يرشدوا. كما أنهم مكون رئيس في مصادر إنفاق الدولة والنظام
الاقتصادي فيها، حيث يجب أن يوجه إليهم ما يكفيهم من ميزانية الدولة، كما في مثال
الفئ والغنائم) وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ
فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ ( [الأنفال: 41]، [الحشر:7]. وهم – أيضًا –
ضمن تشكل المنظومة الاجتماعية التي تقاسم – الوارثين – حتى لا تنفك أواصر
"اليتامى" الفقراء الاجتماعية مع عناصر المجتمع ) وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو
الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُوا
لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا( [النساء: 8].
4-المشاركة الاجتماعية
المادية: ومن وجوه هذه المشاركة:
أ. القروض الحسنة المتبادَلة بين أعضاء المجتمع من
الموسِرين إلى المعسِرين، قال سبحانه وتعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: 11]، ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ
أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245]. وفي إنظار المعسر قال تعالى: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ ۚ وَأَن تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ إِن كُنتُمْ
تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة:280]. وفي العفو عن المقترض الذي لا يستطيع رد الدين أوصى
سبحانه وتعالى بوضع الدين: أي التصدق بالدين عند إعسار المدِين: ﴿وَأَن
تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 280]. يقول
القرطبي: ندب الله بهذه الألفاظ إلى الصدقة على المعسر وجعل ذلك خيرًا من
إنظاره.
ب. الصدقات
العامة: يقول تعالى ﴿لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ
أَمَرَ بِصَدَقَةٍ﴾ [النساء:114].
ج. التعاون العام
على كل ما يزيل الوَحشة ويحقق السعادة والطمأنينة للفرد والمجتمع: اقرأ قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا
عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾
[المائدة:2].
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً