حين تتحول القوة إلى إصلاح
العفو عند المقدرة.. حكمة المهلب بن أبي صفرة في بقاء الحكم
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن روح بن قبيصة، عن أبيه، أن المهلب بن أبي صفرة قال: «ما
شيء أبقى للملك من العفو، خير مناقب الملك العفو»(1).
يمثل هذا القول
الموجز للمهلب بن أبي صفرة خلاصة تجربة قائد عاش في زمن كثرت فيه الفتن، واضطربت
فيه موازين القوة، وكانت الدولة الإسلامية في القرن الأول الهجري تواجه تحديات
سياسية وعسكرية عميقة، فالحديث عن العفو هنا لا يأتي بوصفه خلقًا فرديًا مجردًا،
بل بوصفه رؤية في إدارة السلطة، وفهمًا لطبيعة الإنسان، وإدراكًا لسنن الاجتماع
البشري.
والقراءة التاريخية لهذا الأثر تكشف أن المهلب بن أبي صفرة لم يكن قائد
معارك فحسب، بل كان رجل تدبير يعرف أن الانتصار العسكري لا يكتمل بمجرد هزيمة
الخصم في الميدان، وإنما يتحقق حين تتحول القوة إلى استقرار، والغلبة إلى ولاء،
والانتصار إلى بناء طويل الأمد.
العفو عند المقدرة.. رؤية لبناء ولاء سياسي دائم
عاش المهلب بن
أبي صفرة الأزدي في مرحلة سياسية اتسمت بالصراعات الداخلية ومواجهة حركات الخوارج،
وكان من أبرز القادة الذين عُرفوا بالحزم والخبرة العسكرية، وقد ارتبط اسمه
بالقدرة على إدارة المعارك الطويلة، والصبر على الأزمات، وحسن قراءة موازين القوى.
ومن خلال قوله: «ما
شيء أبقى للملك من العفو» يظهر أن تجربته لم تكن قائمة على منطق القوة الصلبة
وحدها؛ فقد أدرك أن السيف قد ينهي تمردًا ظاهرًا، لكنه لا يضمن إزالة دوافع العداء
من النفوس، أما العفو عند القدرة فإنه يعيد تشكيل العلاقة بين الحاكم والمحكوم،
وينقل الخصم من دائرة المقاومة إلى دائرة الاحترام أو القبول.
ومن هنا لا
تقتصر الحكمة في إدارة الاضطراب على معرفة متى يُعفى، بل تمتد إلى معرفة مقدار
القوة التي يقتضيها الموقف؛ وهو ما عبّر عنه معاوية بن أبي سفيان بقوله: «إني لا
أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس
شعرة ما انقطعت، فقيل له: وكيف ذلك؟ قال: كنت إذا مدوها أرخيتها، وإذا أرخوها
مددتها»(2)، فالقائد لا يحتاج في كل موقف إلى أقصى درجات القوة، وإنما
يختار من وسائلها ما يحقق المقصود ويحفظ استقرار العلاقة مع الناس.
وبهذا يلتقي
تقدير القوة مع قيمة العفو في بناء الاستقرار، ليأتي التوجيه القرآني مؤصِّلًا
لمعنى حسن التعامل مع الناس، قال تعالى: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)
(الأعراف: 199)، وقد فسّر الطبري «خذ العفو» بأنه الأخذ من أخلاق الناس بما
لا يجهدهم، وذكر أن قوله تعالى: «وأعرض عن الجاهلين» يتضمن التأديب باحتمال من ظلم
أو اعتدى(3)؛ وهو ما يبرز أن إدارة الناس لا تقوم على القوة وحدها، بل
يدخل فيها العفو، وحسن المعاملة، وضبط الاستجابة
حين يفضل القائد استقرار الدولة على ثأره الخاص
يفرق القائد
الحكيم بين إشباع رغبة النفس وبين تحقيق مصلحة الدولة، فالانتقام قد يمنح الإنسان
شعورًا سريعًا بالانتصار، لكنه قد يترك خلفه جروحًا اجتماعية ورغبات متجددة في
الثأر، أما العفو حين يصدر من موضع القدرة فإنه يحمل رسالة مختلفة؛ أنت لا تُبقي
خصمك لأنك عاجز عنه، بل لأنك تملك من القوة ما يجعلك قادرًا على تجاوز لحظة
الانتقام.
ويتضح معنى
العفو عند القدرة في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع الأعرابي غورث بن الحارث،
حين انتزع سيف النبي صلى الله عليه وسلم وهو نائم تحت الشجرة وقال: مَنْ يَمْنَعُكَ
مِنِّي؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم بكل ثبات: «اللهُ»، فَسَقَطَ السَّيْفُ
مِنْ يَدِهِ، فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ:
«مَنْ يَمْنَعُكَ مِنِّي؟» قَالَ: كُنْ كَخَيْرِ آخِذٍ، فَخَلَّى سَبِيلَهُ، ثم
رجع إلى أصحابه وقال: قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ خَيْرِ النَّاسِ(4)،
وهذا الموقف يكشف أن القدرة على العقوبة لا تستلزم ممارستها، وأن القائد قد يبلغ
من القوة ما يمكنه من الانتقام ثم يختار العفو؛ وهو ما ينسجم مع ما تقرره العبارة
من أن تجاوز لحظة الانتقام قد يكون أبلغ من إشباعها.
وهنا تظهر قوة المهلب
بن أبي صفرة النفسية؛ فالعفو ليس دائمًا أسهل من العقوبة، لأن النفس البشرية تميل
إلى مقابلة الإساءة بالإساءة، خصوصًا عند امتلاك القدرة، ولذلك كان ضبط الغضب
وتحويل القوة من أداة انتقام إلى أداة إصلاح علامة على نضج القيادة.
وإذا كان العفو
يكشف عن قوة النفس حين يكون الدافع إليه تجاوز الرغبة في الانتقام، فإنه في مقام
القيادة قد يتجاوز تهذيب النفس إلى معالجة الخصومة بما يحفظ استقرار الدولة؛ ويظهر
ذلك في عفو المأمون عن إبراهيم بن المهدي بعد خروجه عليه، حين قال إبراهيم: «فإن
تعاقب فبحقك، وإن تعف فبفضلك، فتبسم المأمون، ثم قال: أطلقوا عن عمي حديده، وردوه
إلي مكرما»(5).
فالعفو هنا لا
يظهر مجرد ترك للعقوبة، بل يتحول إلى وسيلة لإنهاء الخصومة السياسية واستيعاب
آثارها، بما يجعل العفو جزءًا من تدبير الحكم لا مجرد استجابة لنزعة الرحمة.
كيف يحول العفو خصوم الأمس إلى حلفاء؟
من أعظم ما
يكشفه قول المهلب بن أبي صفرة أنه فهم طبيعة الولاء الإنساني، فالناس لا يجتمعون
حول السلطة بالقوة وحدها؛ فالخوف قد يصنع طاعة مؤقتة، لكنه لا يصنع انتماءً
حقيقيًا.
أما العفو فإنه
يخاطب جانبًا آخر في الإنسان؛ جانب الوفاء والامتنان والشعور بالإنصاف، ولذلك كان
القائد الذي يحسن الجمع بين الحزم والرحمة أقدر على كسب القلوب وتحويل الخصومة إلى
علاقة من الثقة والولاء.
ويظهر أثر هذا
المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم مع صفوان بن أمية، حين أعطاه يوم حنين
مائة من النَّعَم، ثم مائة، ثم مائة، حتى قال صفوان: «وَاللهِ لَقَدْ أَعْطَانِي
رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَعْطَانِي وَإِنَّهُ
لَأَبْغَضُ النَّاسِ إِلَيَّ، فَمَا بَرِحَ يُعْطِينِي حَتَّى إِنَّهُ لَأَحَبُّ
النَّاسِ إِلَيَّ»(6)، فهنا لا يظهر أثر الإحسان في تجاوز الخصومة
فحسب، بل في قدرته على تغيير المشاعر نفسها؛ إذ انتقل صفوان من البغض إلى المحبة،
بما يكشف أن حسن معاملة الخصم قد يفتح بابًا للولاء لا تصنعه القوة وحدها.
ولا يقف أثر هذا
التحول الوجداني عند المشاعر وحدها، بل قد يمتد إلى علاقة الإنسان بالجماعة ودوره
فيها؛ فقد وعد النبي صلى الله عليه وسلم مالك بن عوف النصري، وكان من قادة هوازن
يوم حنين، أن يرد إليه أهله وماله ويعطيه مائة من الإبل إن أتاه مسلمًا، فلما جاءه
مسلمًا رد عليه أهله وماله وأعطاه مائة من الإبل، وذكرت بعض المصادر أنه استعمله
على من أسلم من هوازن(7)، فلم يعد الرجل مجرد خصم انتهت خصومته، بل
أصبح عنصرًا مشاركًا في بناء الجماعة وقيادتها، وهو انتقال يكشف أن الإحسان قد
يستعيد الإنسان من دائرة المواجهة، ثم يفتح له مجالًا للإسهام فيما كان يقف في
مواجهته.
ومن هنا يظهر أن
العفو ليس مجرد تنازل عن حق، بل قد يكون وسيلة لإعادة ترتيب العلاقات وصناعة
المستقبل.
حكمة القيادة في إغلاق أبواب الانتقام القبلي
كانت البيئة
العربية في صدر الإسلام تقوم على روابط قبلية قوية، وكانت الخصومات قد تمتد
أجيالًا بسبب الثأر والانتقام، وفي مثل هذه البيئة يصبح العفو السياسي والاجتماعي
أداة مهمة لقطع سلسلة الصراعات القبلية.
ولم يكن قطع هذه
السلسلة ممكنًا بمجرد معالجة خصومة هنا أو ثأر هناك، بل كان يحتاج أولًا إلى إبطال
المنطق الذي يجعل دماء الماضي سببًا لاستمرار النزاع في المستقبل، ومن هنا جاء
إعلان النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة إسقاط ما كان للجاهلية من مطالبات
بالدماء والأموال؛ إذ قال في خطبته: «أَلَا إِنَّ كُلَّ مَأْثَرَةٍ كَانَتْ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ تُذْكَرُ وَتُدْعَى مِنْ دَمٍ، أَوْ مَالٍ، تَحْتَ قَدَمَيَّ،
إِلَّا مَا كَانَ مِنْ سِقَايَةِ الْحَاجِّ، وَسِدَانَةِ الْبَيْتِ»(8)،
فلم يترك صلى الله عليه وسلم للثأر الموروث مجالًا ليظل أساسًا لمطالبات جديدة،
وإنما أغلق بابه من أصله، لتتحرر العلاقات بين الناس من إلزام الماضي باستمرار
الخصومة.
غير أن إبطال
أصل الثأر لا يغني عن الحكمة في التعامل مع الوقائع التي قد تقع بعد ذلك؛ إذ تظل
حادثة القتل نفسها قادرة على إشعال خصومة جديدة إذا قوبلت بالانتقام، وهنا تظهر
قيمة الموقف الفردي الذي يحول دون انتقال الدم من قتيل إلى قتيل، ويتجلى ذلك في
موقف قيس بن عاصم المنقري؛ فقد جيء إليه بابن أخيه وقد قتل ابنًا لقيس، فما غضب،
بل التفت إلى ابن أخيه القاتل وقال له: «بئس مَا فعلت! أثمت بربك، وقطعت رحمك،
وقتلت ابْن عمك، ورميت نفسك بسهمك»، ثم أمر ابنه أن يواري أخاه، وأن يسوق إلى أمه
مائة ناقة دية ابنها(9).
فلم يجعل قيس من
مقتل ابنه بداية لثأر جديد، بل واجه الواقعة بما يمنع انتقال الدم إلى بقية
العشيرة، مع حفظ حق أهل المقتول، فتحولت الحادثة من سبب محتمل لاستمرار الخصومة
إلى مناسبة لإغلاقها.
وبذلك يلتقي الموقفان في الغاية، ويفترقان في الوظيفة: فإعلان النبي صلى الله عليه وسلم قطعٌ لأصل الثأر الموروث وإبطالٌ لمرجعيته، أما موقف قيس بن عاصم فهو نموذج عملي لكيفية منع حادثة جديدة من إعادة إنتاج الدائرة، وهذا يبين عمق النظرة الاجتماعية في كلام المهلب بن أبي صفرة؛ فهو لم يكن ينظر إلى الحادثة المنفردة، بل إلى آثارها الممتدة في شبكة العلاقات الإنسانية، فحين يعفو القائد عن خصمه بعد القدرة عليه، فإنه لا يعفو عن فرد فقط، بل يرسل رسالة إلى جماعته ومحيطه بأن باب العودة مفتوح، وأن الدولة لا تبني وجودها على الإقصاء المستمر.
كيف تُبنى هيبة القائد بضبط القوة والرحمة؟
ليست كل رحمة
فضيلة في موضعها، كما أن كل عقوبة ليست قوة، فالحكمة القيادية تقوم على معرفة متى
يكون الحزم لازمًا، ومتى يكون العفو أبلغ أثرًا.
ولهذا ارتبط
العفو في نص المهلب بن أبي صفرة بالملك؛ لأن المقصود ليس عفو الضعيف الذي يعجز عن
الرد، وإنما عفو القادر الذي يختار ما يحقق المصلحة الكبرى، فهيبة القائد لا تُبنى
بالقوة وحدها، كما لا تُبنى بالرحمة وحدها، وإنما تنشأ من قدرته على الموازنة
بينهما؛ فيكون حازمًا حين تقتضي المصلحة الحزم، رحيمًا حين يكون العفو أبلغ في
تحقيقها.
ومن أبلغ ما
يوضح هذا التوازن قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «ما عاقبتَ من عصى الله فيك
بمثل أن تطيع الله فيه»(10)، فالقوة هنا لا تُلغى، ولكنها لا تُترك
للغضب؛ إذ يظل القائد قادرًا على الرد، ومع ذلك يختار من صور الرد ما يجمع بين حفظ
الحق والابتعاد عن الظلم، وبذلك تتحول الرحمة من ضعف إلى مظهر من مظاهر القوة
المنضبطة.
ولا يقف هذا
التوازن عند مستوى الحكمة، بل يظهر في ممارسة القائد حين يمتلك القدرة الفعلية على
العقوبة؛ فهنا تُختبر الهيبة الحقيقية: هل تتحول القوة إلى انتقام، أم تبقى محكومة
بالرحمة والعدل؟
ويتجلى ذلك في
موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه يوم الجمل؛ فقد نادى مناديه: «لا يقتل مدبر،
ولا يذفف على جريح»(11)، كما أحسن إلى عائشة رضي الله عنها، وجهزها بما
تحتاجه وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر(12)، فقد امتلك عليّ رضي الله
عنه أسباب القوة والغلبة، لكنه لم يجعل الغلبة مبررًا لإهدار الرحمة؛ فجمع في
موقفه بين قوة تحسم النزاع، ورحمة تمنع التعدي بعد حسمه، وهو التوازن الذي يحفظ
للقائد هيبته دون أن يحولها إلى بطش.
وقد مدح القرآن
خلق العفو مقرونًا بالصبر فقال تعالى: (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)
(الشورى: 43)، فالعفو هنا ليس موقفًا عاطفيًا عابرًا، بل منزلة تحتاج إلى
قوة داخلية وإرادة واعية، وقد بيّن الطبري أن الصبر والعفو في الآية يكونان مع
القدرة على الانتصار، فقال: «فلم ينتصر منه، وهو على الانتصار منه قادر»(13)،
وهكذا لا تكون هيبة القائد في أن يخشاه الناس لقوته، ولا في أن يستميلهم برحمته
وحدها، وإنما في أن يروا فيه قوةً تمنع الظلم، ورحمةً تمنع البطش؛ فيعرفون أن
قدرته على العقوبة لا تمنعه من العفو، وأن رحمته لا تمنعه من الحزم.
أثر العفو الإداري في حفظ كفاءة العاملين
تتجاوز حكمة المهلب
بن أبي صفرة حدود السياسة القديمة إلى مجالات الإدارة والتربية والعمل، فالقائد في
المؤسسة أو المدرسة أو الأسرة يواجه أخطاء من حوله، وقد يملك القدرة على العقوبة،
لكن السؤال الأهم: هل تحقق العقوبة مصلحة البناء أم تحقق فقط راحة الانفعال؟
إن معالجة الخطأ
بالحكمة قد تحول الشخص المخطئ إلى عنصر أكثر التزامًا، بينما الإفراط في العقوبة
قد يدفعه إلى الانغلاق أو المقاومة، ولهذا فإن القائد الناجح لا يفصل بين محاسبة
الخطأ وحفظ كرامة الإنسان، وتظهر قيمة هذا المنهج حين لا يُنظر إلى الخطأ بوصفه
نهاية لدور الإنسان، وإنما باعتباره موقفًا يمكن أن يعقبه التصحيح وإعادة البناء
واستثمار ما يملكه من قدرات.
ويجسد ذلك ما
وقع لطليحة بن خويلد الأسدي؛ فقد أخطأ خطأً عظيمًا بادعاء النبوة، ثم تاب ورجع إلى
الإسلام، ثم عاد إلى ميادين القتال، فشهد اليرموك والقادسية ونهاوند، وحفظ له عمر
بن الخطاب رضي الله عنه مكانته وخبرته في الحرب(14)، ولا تكمن دلالة
الموقف في مجرد قبول التوبة، وإنما في أن التصحيح أتاح انتقال الرجل من مرحلة
الخطأ إلى مرحلة النفع، فأصبح ما يملكه من قدرة وخبرة قابلًا للتوجيه في البناء
بدل أن يبقى أسيرًا للماضي.
وإذا كان موقف
طليحة يوضح كيف يمكن للإنسان المخطئ أن يستعيد دوره بعد تصحيح خطئه، فإن الإدارة
الحكيمة لا تكتفي بمعالجة الخطأ بعد وقوعه، بل تهيئ كذلك بيئة تساعد العامل على
الرجوع والتعلم دون أن يتحول التردد أو الخوف من الخطأ إلى سبب للإقصاء.
ويتضح هذا
المعنى في تعامل عمر بن عبد العزيز مع ميمون بن مهران حين كتب إليه ميمون يشكو أنه
شيخ رقيق، وأنه كُلِّف القضاء، وكان عليه خراج الجزيرة وقضاؤها، فكتب إليه عمر: «إني
لم أكلفك ما يعنيك أجب الطيب من الخراج واقض بما استبان لك فإذا لبس عليك
فارفعه إلي فإن الناس لو كانوا إذا كبر عليهم أمر تركوه لم يقم دين ولا دنيا»(15)،
فبدل أن يصبح ما يعتري صاحب الكفاءة من مشقة أو تردد سببًا لخسارة الكفاءة، وجّه
عمر ميمونًا إلى ما يستطيع، وفتح له باب الرجوع إليه عند الاشتباه؛ فاجتمع في ذلك
حفظ الكفاءة مع توفير الدعم الذي يعين صاحبها على أداء مهمته.
وفي بيئات العمل
الحديثة، تظهر قيمة العفو الرشيد في بناء الأمان النفسي، وتشجيع التعلم من
الأخطاء، وصناعة فرق أكثر قدرة على الابتكار، وهنا تلتقي الدلالة التاريخية مع
الإدارة المعاصرة: فالعفو الرشيد لا يعني إلغاء المسؤولية عن الخطأ، وإنما يعني
معالجة الخطأ بطريقة تحفظ كرامة الإنسان، وتفتح أمامه طريق التصحيح، وتمنح المؤسسة
فرصة للاستفادة من خبراته بدل أن تخسره بسبب زلة يمكن إصلاحها.
هندسة الاستقرار.. قراءة في دلالة كلمة «أبقى»
اختيار المهلب
بن أبي صفرة لكلمة «أبقى» يحمل دلالة عميقة؛ فهو لم يقل إن العفو أجمل فقط، أو
أكرم فقط، بل ربطه بالبقاء والاستمرار، وهذه كلمة تدل على نظر بعيد يتجاوز اللحظة
إلى الزمن.
فلفظ «أبقى» هنا
لا يصف العفو في ذاته، وإنما يصف أثره الممتد؛ أي إن المهلب بن أبي صفرة نقل معيار
النظر في العفو من أثره الآني إلى قدرته على حفظ ما يترتب عليه من استقرار في
المستقبل، وهذا المعنى لا يحتاج إلى شاهد بعيد عن سياق الحكمة؛ فقد بيّن المهلب بن
أبي صفرة نفسه وجه هذا البقاء في تتمة كلامه، فقال: «لا شيء أبقى للملك من العفو،
فإن الملك إذا وثقت رعيته منه بحسن العفو لم يوحشها الذنب وإن عظم، وإن خشيت منه
العقوبة أوحشها الذنب وإن صغر، حتى يضطرها ذلك إلى المعصية»(16).
فهو يفسر بقاء
العفو من خلال أثره في العلاقة بين الملك ورعيته؛ إذ يحفظ الثقة ويمنع الخوف من
العقوبة من أن يتحول إلى وحشة واضطراب، وبذلك يصبح العفو وسيلة لحماية الاستقرار
من آثاره البعيدة، لا مجرد معالجة لموقف عابر، ومن هنا يتضح أن اختيار المهلب لهذه
الكلمة لم يكن مجرد تعبير عن فضل العفو، بل عن قدرته على ترك أثر يتجاوز لحظة
اتخاذ القرار ويحفظ استقرار العلاقة في المستقبل.
فهو يقارن بين
أثرين؛ أثر القوة التي تنهي موقفًا معينًا، وأثر العفو الذي يحفظ العلاقة من أن
تتحول الخصومة العابرة إلى خوف دائم واضطراب متراكم.
ومن هنا تتضح
دقة المقارنة التي أقامها المهلب بن أبي صفرة؛ فالقوة قد تنجح في إنهاء الموقف في
لحظته، لكن أثرها لا يقف عند حدود ذلك الموقف إذا أورثت الخوف والوحشة، بينما
يتجاوز أثر العفو لحظة القرار حين يحفظ الثقة ويمنع تراكم أسباب الاضطراب.
وهنا تتجلى
بلاغة الحكمة؛ إذ جمعت بين الأخلاق والسياسة، وبين الفضيلة والمصلحة، حتى أصبح
الخلق الكريم جزءًا من هندسة الاستقرار.
ومن ثم جاءت
كلمة «أبقى» في موضعها بدقة؛ لأنها تختصر نظرة تتجاوز لحظة الخصومة إلى ما بعدها،
فتجعل قيمة الخُلُق مرتبطة بما يتركه من أثر مستمر في الملك والنفوس معًا، لا
بمجرد أثره في إنهاء موقف عابر.
العفو الرشيد.. من سياسة الدول لصناعة الإنسان
إن رسالة المهلب
بن أبي صفرة ليست دعوة إلى إلغاء الحزم أو ترك المحاسبة، وإنما دعوة إلى أن تكون
القوة محكومة بالبصيرة، وأن يكون القرار القيادي مبنيًا على معرفة آثار الأفعال في
النفوس والمجتمعات، فالقيمة الحقيقية لهذه الحكمة لا تقف عند الموقف الذي قيلت
فيه، وإنما تظهر في قدرتها على الانتقال من سياق القيادة القديمة إلى واقع الإنسان
وعلاقاته اليوم.
ففي الأسرة يكون
الصفح الحكيم وسيلة للتربية، وفي التعليم يكون احتواء الخطأ طريقًا للإصلاح، وفي
الإدارة يكون تجاوز بعض الزلات وسيلة لحفظ الكفاءات، وفي المجتمع يكون العفو سببًا
في تقليل الخصومات وتعزيز الثقة، وهكذا تتعدد صور تطبيق الحكمة، بينما يبقى أصلها
واحدًا: أن القائد لا ينظر إلى الخطأ أو الخصومة باعتبارهما موقفًا ينبغي إنهاؤه
فحسب، بل ينظر كذلك إلى ما سيتركه أسلوب تعامله معهما في الإنسان والعلاقة
والمجتمع.
ولهذا، يبقى قول المهلب بن أبي صفرة شاهدًا على أن قيمة القيادة لا تظهر فقط في القدرة على مواجهة الخصوم، بل في حسن توجيه ما تملكه من قوة نحو تحقيق الاستقرار والبناء، فالقوة حين تنفصل عن البصيرة قد تنهي موقفًا، لكنها لا تضمن بناء إنسان أو استقرار علاقة؛ أما حين تُحكم بالحكمة، فإنها تصبح وسيلة لحفظ ما هو أبقى وأعمق أثرًا.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 385).
- 2 العقد الفريد: ابن عبد ربه الأندلسي (1/ 25).
- 3 جامع البيان عن تأويل آي القرآن: الطبري (13/ 326 - 332).
- 4 أخرجه أحمد في مسنده (14929)، وقال محققه: حديث صحيح.
- 5 أمالي بن المزرع (7).
- 6 أخرجه مسلم (2313).
- 7 السيرة النبوية: ابن هشام (2/ 491).
- 8 أخرجه أبو داود في سننه (4547)، وقال محققه: إسناده صحيح.
- 9 الاستيعاب في معرفة الأصحاب: ابن الأثير (3/ 1295).
- 10 مشيخة ابن البخاري: ابن الظاهري الحنفي (1/ 631).
- 11 حياة الصحابة: الكاندهلوي (3/ 199).
- 12 الكامل في التاريخ: ابن الأثير (2/ 614).
- 13 جامع البيان عن تأويل آي القرآن: ابن جرير الطبري (20/ 529).
- 14 البداية والنهاية: ابن كثير (7/ 118).
- 15 تاريخ دمشق: ابن عساكر (61/ 351).
- 16 سراج الملوك: أبو بكر الطرطوشي المالكي، ص77.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً