حكمة النصيحة وقت الاضطراب..
كيف تهدي الحكمة السلطة إلى العدل والعفو؟ درس الأحنف بن قيس
أوْرَدَ
الذَّهَبِيُّ أَنَّهُ قِيلَ عَنِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: إِنَّهُ كَلَّمَ
مُصْعَبًا فِي مَحْبُوسَيْنِ، وَقَالَ: «أَصْلَحَ اللهُ الأَمِيرَ، إِنْ كَانُوا
حُبِسُوا فِي بَاطِلٍ، فَالْعَدْلُ يَسَعُهُمْ، وَإِنْ كَانُوا حُبِسُوا فِي
حَقٍّ، فَالْعَفْوُ يَسَعُهُمْ»(1).
قد تبدو هذه
الكلمات مجرد شفاعة رجل ذي مكانة في محبوسين، لكن تأملها يكشف عقلًا يعرف كيف ينصح
صاحب السلطة دون أن يهدر هيبته، وينتصر للمحبوس من غير صدام، ويحيل المسألة إلى
طريقين كلاهما يفضي إلى فضيلة: عدل يرفع الظلم، أو عفو يتجاوز عن المستحق.
كيف يحمي حلم القائد المجتمع وقت الاضطراب؟
جاءت هذه
الحكاية في زمن كان العراق فيه مسرحًا لصراعات سياسية شديدة، وتولى مصعب بن الزبير
أمره في ظل دولة أخيه عبدالله بن الزبير، وسط اضطراب الولاءات والصدام مع المختار
الثقفي ثم التهديد الأموي.
وفي مثل هذه
البيئة تصبح قضايا الحبس والعقوبة شديدة الحساسية؛ إذ قد تراها السلطة ضرورة
أمنية، بينما تراها الجماعات المتأثرة بها ظلمًا أو استهدافًا، فتتحول القضية
الفردية إلى توتر اجتماعي أوسع، ومن ثم لا يكون التعامل مع مثل هذه المواقف
محتاجًا إلى قوة القرار فحسب، بل إلى كلمة حكيمة تضبط الموقف، وتحول دون أن يزيد
الانفعال من اتساع دائرة الخصومة.
وفي مثل هذا
السياق المضطرب تظهر أهمية حزم صاحب القرار مع ضبط انفعاله وحسن تدبيره؛ فقد جاء
في وصية أبي بكر الصديق رضي الله عنه لعمرو بن العاص حين وجهه أميرًا إلى الشام:
«يا عمرو، اتق الله في سر أمرك وعلانيته.. وكن والدًا لمن معك، ولا تكشفن الناس عن
أستارهم واكتفِ بعلانيتهم، وكن مجدًا في أمرك.. وإذا وعظت أصحابك فأوجز»(2)،
وتكشف هذه الوصية أن القيادة في أوقات الاضطراب لا تحتاج إلى كثرة الكلام، وإنما
إلى كلمة موجزة تجمع بين الحزم ومراعاة الناس، وتكون أداة لضبط الموقف لا لتأجيجه.
ومن هنا تتضح
قيمة الأحنف بن قيس، سيد بني تميم وأحد أشهر من ضُرب بهم المثل في الحلم والسؤدد؛
وقد جاء في وصفه الذهبي بقوله: «الأمير الكبير، العالم النبيل، أحد من يضرب بحلمه
وسؤدده المثل»(3)، فلم تكن مكانة الأحنف بن قيس مجرد جاه اجتماعي،
وإنما كانت ثمرة شخصية عُرفت بالحلم والرزانة وحسن تقدير المواقف؛ ولذلك، حين تدخل
في قضية تتصل بصاحب سلطة، لم يستخدم مكانته في تهديد الأمير، ولم يجعل الشفاعة
مواجهة بين سلطة وقبيلة، وإنما نقل القضية إلى ميدان الأخلاق والعقل، فجاءت كلمته
في صورة تحفظ للموقف هدوءه ولصاحب القرار مكانته.
وقد نُقل عنه
قوله: «لا ينبغي للأمير الغضب؛ لأن الغضب في القدرة لقاح السيف والندامة»(4)،
وتكتسب هذه الكلمة أهميتها من طبيعة البيئة التي كان يتعامل معها الأحنف؛ فغضب
الإنسان العادي قد ينتهي بكلمة، أما غضب صاحب السلطة فقد يتحول إلى حبس أو عقوبة
أو دم، ومن هنا كانت قيمة الكلمة الحكيمة في أن تعيد الموقف من الانفعال إلى ميزان
العقل، ويؤيد هذا المعنى توجيه النبي صلى الله عليه وسلم لمن استنصحه فقال: «لا
تغضب»(5).
فإذا كان ضبط
الغضب مطلوبًا من عامة الناس، كان أحوج ما يكون إليه من يملك سلطة القرار؛ لأن أثر
الانفعال عنده لا يقف عند نفسه، بل قد يمتد إلى من يقع تحت حكمه، فتغدو الكلمة
الحكيمة في مثل هذه الظروف وسيلة لحماية القرار من الانفعال، وحماية الناس من
آثاره.
حين تصبح النصيحة مخرجًا آمنًا لصاحب القرار
لم يبدأ الأحنف
بن قيس بقوله: ظلمتَ، أو أخطأتَ، أو أطلقهما، وإنما بدأ بالدعاء: «أصلح الله
الأمير»، وهذه البداية تحمل رسالة دقيقة؛ أن المقصود إصلاح القرار لا إهانة صاحبه،
وهو باب مهم في النصيحة؛ فكثير من الناس يرفضون الحق عندما يشعرون أن قبوله
سيظهرهم بمظهر المهزوم.
وقد أرشد القرآن
إلى أصل مهم في خطاب صاحب السلطة، فقال تعالى في خطاب موسى، وهارون، عليهما السلام،
حين أرسلهما إلى فرعون: (فَقُولَا
لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى) (طه: 44)، فاللين
هنا ليس تنازلًا عن مضمون الرسالة، وإنما اختيار للطريقة التي تجعل سماع الحق
واستقباله ممكنين.
أما الأحنف بن
قيس فصنع للأمير مخرجًا يحفظ مكانته، فإذا غيّر قراره لم يظهر منكسِرًا أمام خصمه،
بل ظهر إما عادلًا وإما عافيًا كريمًا، وهذه براعة في النصيحة؛ لأن الناصح لا
يكتفي بأن يعرف الصواب، بل يحتاج كذلك إلى أن يعرف كيف يقدمه بحيث يصبح الرجوع
إليه ممكنًا.
ويظهر أثر حسن
صياغة النصيحة في موقف أبي مسلم الخولاني مع معاوية، إذ خاطبه محذرًا من الجور
فقال: «يا معاوية إنا لا نبالي بكدر الأنهار وما صفت لنا رأس عيننا وإنك رأس
أعيننا، يا معاوية إنك إن تحف على قبيلة من قبائل العرب يذهب حيفك بعدلك»(6)،
فقد حملت عبارته تحذيرًا واضحًا من الظلم، لكنه صاغه في إطار يحفظ مكانة المخاطَب
ويستبقي باب الاستجابة مفتوحًا؛ فلم يجعل النصيحة اتهامًا مباشرًا، وإنما وضع أمام
صاحب السلطة معيارًا يخشى أن يختل؛ أن يذهب الجور بعدله، وهذه هي براعة الناصح في
اختيار العبارة التي تبلغ مقصدها من غير أن تحاصر المخاطَب.
لكن حسن الأسلوب
لا يعني إخفاء الحق أو مجاملة صاحب السلطة؛ ويؤكد ذلك موقف الإمام الحسن البصري مع
عمر بن هبيرة، حين واجهه بالنصيحة الصريحة، فقال له: «يا عمر بن هبيرة، يوشك أن
ينزل بك ملك من ملائكة الله تعالى فظ غليظ.. إن تتق الله يعصمك من يزيد بن عبدالملك،
ولا يعصمك يزيد من الله عز وجل»(7)، فالنصيحة هنا بلغت درجة عالية من
الصراحة، لكنها ظلت موجهة إلى تقويم صاحب السلطة وتحذيره من عاقبة موقفه، لا إلى
التشهير به أو الانتقاص من مقامه، وبذلك يتضح أن الحكمة في النصيحة لا تقوم على
اللين وحده، ولا على الصراحة وحدها، وإنما على الجمع بين وضوح الحق وحسن الطريقة
التي يُعرض بها.
وهذه مهارة
تتجاوز السياسة إلى الأسرة والعمل والتعليم والدعوة؛ فالناصح الحكيم لا يكتفي
بإثبات خطأ الطرف الآخر، بل يساعده على الوصول إلى الصواب من غير أن يحول الرجوع
إليه إلى إذلال.
لماذا يعتبر الرجوع للعدل قوة لا هزيمة؟
ينتقل الأحنف بن
قيس بعد ذلك مباشرة إلى أصل القضية: «إن كانوا حبسوا في باطل، فالعدل يسعهم»، فإذا
ثبت أن الحبس بغير حق، لم يعد استمرار العقوبة حفظًا لهيبة السلطة؛ لأن هيبة الحكم
العادل إنما تقوى بتصحيح الخطأ لا بالإصرار عليه.
وقد جعل القرآن
العدل أصلًا في بناء التعامل والحكم، فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ)
(النحل: 90)، فالعدل هنا ليس قيمة إضافية يمكن تجاوزها عند الحرج، وإنما هو
أصل تقوم عليه سلامة الحكم وصيانة الحقوق.
وقد جسّد القاضي
شريح هذا الأصل في موقفه مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، حين قضى بالدرع
للنصراني لعدم اكتمال البينة، فقبل عليّ رضي الله عنه الحكم، فقال النصراني: «أما
أنا فأشهد أن هذه أحكام الأنبياء، أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي
عليه!»(8)، فالموقف يبين أن العدل لا يستثني صاحب السلطة، وأن قوة
الحكم تظهر حين يخضع الجميع لمعيار واحد، حتى يكون صاحب القرار نفسه قابلًا لحكم
العدل إذا جاء على خلاف مصلحته.
والتعبير بقوله:
«العدل يسعهم» بليغ؛ فكأن العدل مساحة واسعة يأوي إليها من ضاقت به قرارات البشر.
وهذا المعنى
حاضر في المؤسسات والأسر والمدارس اليوم؛ أن القرار الخاطئ لا يصبح صحيحًا لطول
بقائه، والعقوبة المجحفة لا تكتسب مشروعيتها لأن التراجع عنها محرج، وقوة المسؤول
تظهر عندما يستطيع مراجعة قراره إذا ظهر له الخطأ؛ فالرجوع إلى العدل ليس هزيمة،
وإنما تصحيح للمسار وصيانة للحق.
وقد لخّص عمر بن
الخطاب رضي الله عنه هذا المعنى في قوله: «ولا يمنعنّك قضاءٌ قضيته بالأمس، فراجعت
فيه نفسك وهُديت فيه لرشدك، أن ترجع عنه إلى الحق؛ فإن الحق قديم، ومراجعة الحق
خير من التمادي في الباطل»(9)، فصاحب القرار لا يُقاس بقلة أخطائه
فحسب، وإنما كذلك بقدرته على مراجعتها حين يظهر له وجه الصواب.
وهنا تتضح دلالة
عبارة الأحنف بن قيس: لم يقل للأمير: إن الرجوع عن الحبس سيضعف سلطانه، وإنما فتح
له بابًا أرفع؛ أن يكون الرجوع إلى العدل هو عين القوة.
حين ترتقي القيادة من العدل إلى العفو
ثم يأتي
الاحتمال الثاني: «وإن كانوا حبسوا في حق، فالعفو يسعهم».
هنا ينتقل
الأحنف بن قيس من مرتبة العدل إلى مرتبة الفضل، فإن لم يكن للمحبوسين طريق من جهة
براءتهما، فقد يكون لهما طريق من جهة عفو صاحب السلطة، إذا كان الأمر من المواضع
التي يملك فيها العفو.
ويؤسس القرآن
لهذا المعنى بقوله تعالى: (فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) (الشورى: 40)، فالعفو في موضعه
ليس مجرد إسقاط للعقوبة، بل يمكن أن يكون طريقًا إلى الإصلاح، ولذلك قرنه القرآن
بالإصلاح وجعل أجره على الله.
ويأتي الشاهد
النبوي مؤكدًا للبعد المتعلق بعزة صاحب القدرة، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «وَمَا
زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلَّا عِزًّا»(10)، فالعفو في
موضعه ليس ضعفًا ولا تنازلًا عن الهيبة، وإنما قد يكون صورة من صور القوة التي
يملك صاحبها تجاوز مقتضى الانتقام إلى الإحسان والإصلاح.
ويقدم موقف
المأمون مع إبراهيم بن المهدي شاهدًا تطبيقيًا بالغ الدلالة على العفو عند القدرة؛
فقد قال إبراهيم للمأمون: «يا أمير المؤمنين، أنت ولي الثأر، والمحكم في القصاص،
والعفو أقرب للتقوى.. وإن عفوت عفوت بفضل»، ثم ذكّره بفضل العافين من الخلفاء،
فقال المأمون: «قد قبلت بقبوله الحديث وعفوت عنك»(11)، فالشاهد يجسد
المعنى الذي قصده الأحنف: أن صاحب السلطة قد يملك العقوبة، لكنه يستطيع أن يختار
العفو، فيتحول ما يملكه من قدرة على القصاص إلى فضل يضاف إلى مروءته.
ولا يعني ذلك أن
كل حق أو عقوبة يملك الحاكم إسقاطها؛ فالخبر لم يحدد طبيعة الحق المتعلق
بالمحبوسين، وثمة حقوق للعباد وأحكام لها ضوابطها الشرعية، وإنما تظهر حكمة الأحنف
في فتح باب العفو حيث يكون العفو مشروعًا وممكنًا، فالقوة ليست في القدرة على
العقوبة وحدها، بل في معرفة متى تكون العقوبة إصلاحًا، ومتى يكون الصفح أصلح.
براعة التفاوض.. التركيز على الغاية لا الغلبة
من أجمل ما في
العبارة بناؤها العقلي المحكم؛ فالأحنف بن قيس لا يدخل في جدل طويل حول تفاصيل
القضية، وإنما يقسمها إلى احتمالين؛ إما أن يكون الحبس باطلًا، وإما أن يكون بحق؛
فإن كان باطلًا، فالعدل يقتضي رفعه، وإن كان بحق في موضع يقبل العفو، فالفضل يفتح
باب الصفح.
وهكذا لم يجعل
القضية معركة بينه وبين مصعب، بل جعل الأمير أمام خصلتين يحب كل صاحب مروءة أن
يُنسب إليهما؛ العدل والعفو.
وهذه من أنفع
مهارات التفاوض؛ ألا تجعل الطرف الآخر يختار بين الاستجابة لك والمحافظة على
كرامته، بل تصنع حلًا يستطيع من خلاله تصحيح موقفه وهو محتفظ بصورة إيجابية أمام
نفسه والناس.
ويقدم عمرو بن
العاص مثالًا تطبيقيًا على إعادة صياغة النزاع بطريقة تجعل الوصول إلى الحل
ممكنًا؛ إذ قال لبطريق الروم في مسألة القسمة: «أما القسمة فكانت شططًا علينا فنحن
نريد أن نتراد فتكون قسمة معتدلة؛ نأخذ نصف ما في أيديكم من الأنهار والعمارة
ونعطيكم نصف ما في أيدينا من الشوك والحجارة..»، فقال البطريق: «صدقوا»(12)،
فالحجة لم تُبنَ على مجرد رفض موقف الطرف الآخر، وإنما على تقديم معيار يمكن قبوله
عقليًا؛ وهي طريقة تقارب أسلوب الأحنف في نقل القضية من طلب مباشر إلى خيارات تقوم
على أصول واضحة.
ويتأكد هذا
المعنى في موقف النبي صلى الله عليه وسلم حين سأل قيصر عن الجنة التي عرضها
السماوات والأرض وأين النار، فقال له: «إذا جاء الليل فأين النهار؟»(13)،
فالإجابة لم تدخل في استطراد، وإنما واجهت السؤال بحجة موجزة تنقل الذهن مباشرة
إلى وجه الجواب، ومن هنا تظهر قيمة الاختصار حين يكون مبنيًا على إحكام الفكرة، لا
على مجرد قلة الكلام.
ومن هذه الزاوية
تظهر براعة الأحنف بن قيس؛ فلم تكن بلاغته في قلة الألفاظ وحدها، بل في ترتيبها
بحيث تقود المخاطَب إلى نتيجة يمكنه قبولها.
وفي الإدارة
المعاصرة مثلًا، قد تفشل النصيحة حين يقال للمسؤول: «قرارك فاشل فتراجع عنه»،
بينما يمكن الوصول إلى النتيجة نفسها بلغة تجعل المراجعة دليلًا على الحكمة
والمرونة والاستجابة للمعطيات الجديدة.
الأحنف بن قيس
لم يكن يبحث عن إثبات أنه انتصر في النقاش، بل عن تحرير المحبوسين، وهنا تكمن
براعة المصلح؛ أن تكون عينه على الغاية لا على لذة الغلبة.
كيف تتحول المكانة الاجتماعية إلى مسؤولية أخلاقية؟
تكشف القصة كذلك
عن المعنى الأخلاقي للمكانة الاجتماعية، فالأحنف بن قيس لم يستخدم جاهه ليحصل
لنفسه على امتياز، وإنما جعله طريقًا لقضاء حاجة غيره.
وقد جاء في السُّنة
ما يؤصل لهذا الاستخدام الإيجابي للمكانة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اشفعوا
تؤجروا، ويقضي الله على لسان نبيه ما شاء»(14)، فالشفاعة الحسنة ليست
مجرد تدخل اجتماعي، وإنما باب من أبواب الأجر وقضاء حوائج الناس.
ويُعبَّر عن هذا
المعنى بصورة أعمق فيما نُقل عن الْحَسَن بن سهل: «إن للجاه زكاة كما أن للمال
زكاة، ثم أنشأ الْحَسَن، يَقُولُ: فرضت عَلِيّ زكاة ما ملكت يدي وزكاة جاهي أن
أعين وأشفعا»(15)، فالمكانة هنا لا تُفهم بوصفها امتيازًا لصاحبها،
وإنما بوصفها مسؤولية يُطالب بأن يؤدي حقها، كما يؤدي صاحب المال حق ماله.
وقد جسّد صفوان
بن محرز هذا المعنى عمليًا حين سعى بجاهه ومكانته لدى الوالي عبيد الله بن زياد في
تخليص ابن أخيه من السجن وقضاء حاجته(16)، فهنا انتقل معنى زكاة الجاه
من المبدأ إلى الممارسة؛ أن قدرة الإنسان على الوصول إلى صاحب القرار تصبح نافعة
حين يستخدمها لقضاء حاجة من لا يملك مثل هذا الوصول.
وهكذا ينبغي أن
يُفهم النفوذ؛ أنه كلما اتسعت قدرة الإنسان على الوصول إلى أصحاب القرار؛ زادت
مسؤوليته تجاه من لا يستطيعون الوصول إليهم.
وقد يكون الجاه
اليوم منصبًا، أو علمًا، أو حضورًا إعلاميًا، أو علاقة بصاحب قرار، وقيمته
الحقيقية تظهر عندما يتحول إلى حماية للضعيف وإصلاح بين الناس، لا إلى وسيلة
للاستعلاء عليهم.
معادلة القيادة الرشيدة.. حكمة الكلمة وعدالة القرار
على قلة كلمات
هذه الحكاية، فإنها تختصر فلسفة كاملة في التعامل مع السلطة والأزمات؛ لا تجعل
النصيحة إهانة، ولا تحول القوة إلى غضب، ولا تستخدم مكانتك للاستعراض، وابحث عن
المخرج الذي يحفظ الحق ويقلل الخصومة.
ومع الاحتراز في
ثبوت تفاصيل الخبر، تبقى الحكمة التي حملها جديرة بالتأمل؛ إن وقع الظلم فالعدل
باب الرجوع، وإن ثبت الحق وكان للعفو موضع فالعفو باب الفضل.
وهكذا يصبح
الحلم قوة لا سكونًا، والنصيحة إصلاحًا لا فضيحة، والبلاغة طريقًا إلى حل الأزمات
لا استعراضًا للكلمات.
فالعدل يسع
المظلوم، والعفو يسع من كان للصفح عنه موضعًا، والحكمة تسع صاحب القرار حين يعرف
متى يأخذ بهذا ومتى يأخذ بذاك.
وهذه هي خلاصة الموقف كله؛ قوة تعرف حدود العقوبة، وقدرة تعرف قيمة العفو، وحكمة تعرف أن أقصر الكلمات قد تكون أبعدها أثرًا.
الهوامش
- 1 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 94).
- 2 فتوح الشام: الواقدي (1/ 14).
- 3 سير أعلام النبلاء: الذهبي (4/ 86).
- 4 المرجع السابق (4/ 94).
- 5 أخرجه البخاري (6116).
- 6 الزهد: أحمد بن حنبل (317).
- 7 مُخْتَصَرُ مِنْهَاجِ القَاصِدِينْ: ابن قدامة المقدسي (141).
- 8 أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (20465).
- 9 البيان والتبيين: الجاحظ (2/ 33).
- 10 أخرجه مسلم (2588).
- 11 شعب الإيمان: البيهقي (9/ 524).
- 12 تاريخ مدينة دمشق: ابن عساكر (2/ 82).
- 13 أخرجه أحمد في مسنده (16693)، وأورده الهيثمي في «مجمع الزوائد» (8/234-236)، وقال: رواه عبدالله بن أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى ثقات، ورجال عبدالله بن أحمد كذلك.
- 14 أخرجه البخاري (1432) واللفظ له، ومسلم (2627).
- 15 تاريخ بغداد: الخطيب البغدادي (8/ 284).
- 16 حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: أبو نعيم (2/ 109).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً