المبعوث الأمريكي يفتح «طريق المصالحة مع المسلمين»..

هل بدأت التحولات الكبرى في الشرق الأوسط باعتراف واشنطن؟

في السياسة، لا تُقال الكلمات عبثاً، ولا تُطلَق التصريحات دون حسابات دقيقة، وعندما يصدر تصريح رسمي على مستوى مبعوث خاص للرئيس الأمريكي، فإن العالم يتعامل معه باعتباره اعترافاً، أو على الأقل إشارة إلى تغيّر في المنهج السياسي، ومن هذا الباب تحديداً اكتسبت تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سورية، توم باراك، أهميتها حين قال بوضوح غير مسبوق: «كل قرارات الغرب بشأن الشرق الأوسط منذ سايكس–بيكو كانت خاطئة».

لم يأتِ هذا الاعتراف في لحظة عابرة، بل جاء بينما تتغيّر ملامح الشرق الأوسط بسرعة لافتة منذ سقوط النظام السوري السابق، في ديسمبر 2024م، وفي ظلّ احتدام الصراع الدولي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين، بدا المشهد كأنّه صحوة متأخرة من الإدارة الأمريكية أمام قرن كامل من الأخطاء التي صنعت معظم أزمات المنطقة.

من «سايكس–بيكو» إلى «وعد بلفور».. جذور الخطأ الذي اعترف به باراك

إن استعادة قرن من السياسات الغربية في المنطقة تكشف سلسلة طويلة من القرارات التي صدمت البنية الاجتماعية والسياسية للعالم العربي، فمن اتفاقية «سايكس–بيكو» التي رسمت حدوداً بلا روح ولا مراعاة لهويات الشعوب، إلى وضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني تمهيداً لتنفيذ «وعد بلفور»، بدأ مسلسل التغييرات الذي لم تتوقف آثاره عند حدود تلك المرحلة.

ومع الدعم الغربي المطلق للمشروع الصهيوني، واعتبار الأنظمة الدكتاتورية حلفاء موثوقين ضد تطلعات الشعوب، تشكّلت منظومة سياسية هشة ومتضاربة، ولم تكن تلك الأخطاء مجرد مشاهد تاريخية، بل تحوّلت إلى بنية صلبة من التوترات أنتجت عداءً مطلقاً بين شعوب المنطقة والغرب، ولا يزال ثمنه يُدفع حتى اليوم.

أمريكا.. بين قوتها العظمى وضرورة البحث عن شريك جديد

رغم أن الولايات المتحدة ما تزال تتصدر قائمة القوى العظمى، فإن التنافس مع روسيا والصين دفعها لإعادة تقييم منظومة تحالفاتها، لم تعد واشنطن قادرة على خوض صراعات متعددة من دون حلفاء يمتلكون الثقل السكاني والجغرافي والشرعية الشعبية الحقيقية.

ومن هنا، أخذت تتشكل قناعة متنامية داخل المؤسسات الأمريكية بأن الشرق الأوسط يحتاج إلى مقاربة مغايرة، تقوم على الشراكة مع قوى تمثّل الأغلبية المسلمة، وقادرة على الانتقال بالشعوب من مربع العداء المطلق إلى مساحة الحوار والتعاون.

وفي هذا السياق، تعود كلمات الرئيس السوري أحمد الشرع، حين قال قبل أعوام: «أمريكا هي أكبر قوة في العالم الآن، وليس لديهم خيار سوى المصالحة مع المسلمين والتفاهم معهم، وإذا فعلوا ذلك سيحصلون على الأمان الذي يبحثون عنه».

ومع التحركات الأخيرة لواشنطن، يبدو أن ما كان يوماً رؤية تحليلية للشرع يتحوّل اليوم إلى مسار سياسي يتشكّل ببطء.


سورية الجديدة.. من ركام الحرب إلى لاعب إقليمي محتمل

منذ انتصار الثورة السورية وصعود الرئيس الشرع إلى قيادة المرحلة الانتقالية، بدأت موجة من التحولات المتسارعة التي تجاوزت كل التوقعات، فخلال أقل من عام، عُقدت 5 جولات تفاوضية مع «إسرائيل»، بالتزامن مع فتح قنوات تعاون أمني واسع مع كل من تركيا والأردن.

كما انضمّت سورية رسمياً إلى التحالف الدولي ضد «تنظيم الدولة»، وبدأت مؤسساتها تتعافى تدريجياً، لتتحوّل من ساحة حرب مفتوحة إلى دولة قادرة على ممارسة دور ضمن نظام إقليمي جديد يتشكّل أمام أنظار الجميع.

هذا النظام الناشئ -كما تراه واشنطن- يقوم على معادلة واضحة؛ تركيا قوية، وسورية موحدة ومستقرة، في ظل تفاهم محدود يمنع الانفجار مع «إسرائيل»؛ ما يسمح للولايات المتحدة بالتركيز على التحدي الأكبر الذي تراه في الصين.

انعكاسات إدانة توم باراك لأخطاء «سايكس–بيكو»

يمكن تتبع ترجمة هذا الاعتراف الأمريكي إلى سياسات عملية عبر عدة ملفات بارزة:

1- علاقة مميزة مع تركيا: الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفسه صرح أكثر من مرة باحترامه للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، ودور تركيا في إسقاط نظام بشار الأسد، في لغة غير معتادة في الخطاب الأمريكي.

2- دعم كامل للرئيس أحمد الشرع: رفعت واشنطن جميع العقوبات عن سورية بما فيها عقوبات «قيصر»، وأعلنت دعمها لوحدة واستقرار سورية الجديدة بشكل كامل.

3- اعتبار لبنان دولة فاشلة: لم يتردد باراك في توصيف لبنان بهذا المصطلح، مؤكداً أن «سورية تُظهر الطريق»، وأن لبنان سيكون وحيداً إذا لم يبدأ مسار الإصلاح، كما أشار إلى فكرة «جمع سورية ولبنان» تحت إطار حضاري فينيقي، بما يفتح الباب أمام رؤية أمريكية جديدة للمنطقة.

4- تفاهمات متوازنة مع «إسرائيل»: للمرة الأولى تتّخذ إدارة أمريكية موقفاً أكثر توازناً بين سورية و«إسرائيل»، فرعت 5 جولات تفاوضية بينهما، مع احترام الموقف السوري الرافض لأي سلام كامل في ظل استمرار الاحتلال «الإسرائيلي» للجولان.

هل تتراجع الولايات المتحدة عن مركزية «إسرائيل»؟

هذا السؤال، رغم حساسيته، بات مطروحاً بقوة، فقد عاش العالم عقوداً على افتراض أن «إسرائيل» هي محور السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لكن التطورات الأخيرة تكشف تحوّلاً تدريجياً نحو نهج أكثر توازناً بين حلفاء متساوين في الأهمية.

«إسرائيل» نفسها لم تعد تلك القوة التي لا تهتز، بل تواجه أزمات داخلية وأمنية عميقة؛ ما يدفع واشنطن إلى إعادة النظر في موقعها داخل المعادلة الإقليمية، دون التخلي عنها بطبيعة الحال.

ورغم استمرار ترتيبات «صفقة القرن» التي تهدف لتحقيق استقرار داخلي للكيان الصهيوني، ربما يأتي يوم يجتمع فيه العرب مع مسؤول أمريكي ليقولوا: «مصالحكم معنا نحن شعوب المنطقة، لا مع النظام الصهيوني».

وقد تجد واشنطن نفسها مضطرة لقبول ذلك إذا تسارع الانهيار الداخلي أو العسكري للكيان.

المنطقة تدخل مرحلة إعادة تشكيل كبرى

اعتراف توم باراك لم يكن مجرد مراجعة تاريخية، بل كان بمثابة إعلان افتتاح لمرحلة جديدة تتبدّل فيها قواعد اللعبة في الشرق الأوسط، فمع ولادة سورية جديدة، وتصاعد التنافس الدولي، وانكشاف هشاشة البُنى القديمة، تعمل واشنطن على إعادة هندسة تحالفات ستترك آثاراً قد تكون أعمق مما فعلته «سايكس–بيكو» قبل مائة عام.

ويبقى السؤال الحائر: هل ستنجز هذه التحولات استقراراً حقيقياً؟ أم أننا أمام فصل جديد من صراع القوى الكبرى في أرض الشرق؟

الجواب ما يزال مفتوحاً، لكن المؤكد أن المنطقة دخلت بالفعل التسارع الثالث الذي يحمل تحوّلات كبرى في الشرق الأوسط والعالم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة