العلم حين يصنع الثقة..
كيف صنع العلم والصلاح مكانة كثير بن مرة الحضرمي؟
أورد الذهبي عن
أَبي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيّ قَالَ: قُلْتُ لِدُحَيْمٍ: مَنْ يَكُوْنُ مَعَ
جُبَيْرِ بنِ نُفَيْرٍ، وَأَبِي إِدْرِيْسَ الخَوْلَانِيِّ فِي طَبَقَتِهِمَا؟
قَالَ: كَثِيرُ بنُ مُرَّةَ، فَذَاكَرْتُهُ سِنَّهُ، وَمُنَاظَرَةَ أَبِي
الدَّرْدَاءِ إِيَّاهُ فِي القِرَاءةِ خَلْفَ الإِمَامِ وَقَوْلَ عَوْفٍ فِيْهِ:
إِنِّي لأَرْجُو أَنْ تَكُوْنَ صَالِحاً، فَرَآهُ مَعَهُمَا فِي طَبَقَةٍ(1).
يكشف هذا النص
من تراجم العلماء جانبًا مهمًا من طريقة بناء المكانة العلمية في صدر الإسلام؛ فلم
تكن منزلة العالم تُقاس بكثرة الكلام ولا بمجرد التقدم في السن، وإنما بتداخل
عناصر متعددة؛ العلم، والصحبة، وحسن السيرة، والقدرة على البحث والمناقشة، وكثير بن مرة الحضرمي يظهر في هذا السياق بوصفه أحد التابعين الذين جمعوا بين التلقي عن
كبار الصحابة وبين الاستقلال العلمي الذي أهله لأن يُذكر مع كبار أهل العلم
بالشام.
كيف صنعت البيئة الشامية جيلًا من العلماء الراسخين؟
كانت الشام في
عصر الصحابة والتابعين من المراكز العلمية الكبرى، حيث أرسل عمر بن الخطاب رضي الله عنه كبار الفُقهاء والعلماء إلى أرض الشام لتعليم أهلها القرآن والتفقّه في
الدين؛ وذلك استجابة لطلب يزيد بن أبي سفيان.
حيث كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن أهل الشام قد كثروا وملؤوا المدن واحتاجوا إلى من
يعلمهم القرآن ويفقههم، فدعا عمر خمسة ممن جمعوا القرآن في زمن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهم: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وأبي بن كعب، وأبو
أيوب، وبعث منهم ثلاثة إلى الشام، وهم: معاذ بن جبل، وعبادة بن الصامت، وأبو
الدرداء(2).
وبعد أن اجتمع
فيها عدد من الصحابة الذين نقلوا العلم إلى من بعدهم، نشأت حلقات علمية تقوم على
الرواية، والفهم، والمناقشة، والتثبت.
وفي هذا المناخ
ظهر كثير بن مرة، فكان قريبًا من مدرسة الصحابة في الشام، ولا سيما من أمثال أبي
الدرداء رضي الله عنه، وهو ما يفسر اجتماع عنصرين في شخصيته؛ قوة الصلة بالمصدر
الأول للعلم، والقدرة على التعامل مع المسائل العلمية بروح البحث.
إن وجود العالم
داخل طبقة علمية لا يعني مجرد اشتراك زمني مع غيره، بل يعني اشتراكًا في مستوى
التأثير والكفاءة، ولذلك كان سؤال أبي زرعة عن نظير جبير بن نفير وأبي إدريس
الخولاني سؤالًا عن المكانة العلمية، لا مجرد سؤال عن العمر أو الرواية.
أدب البحث والمناظرة.. بين أبي الدرداء وكثير بن مرة
من أبرز ما يلفت
في النص ذكر مناظرة كثير بن مرة لأبي الدرداء رضي الله عنه في مسألة القراءة خلف
الإمام، والمناظرة هنا لا تحمل معنى الخصومة، بل تعكس صورة من صور الحياة العلمية
التي كان فيها السؤال والمراجعة طريقًا للوصول إلى الحق.
فالطالب الذي
ينشأ في مدرسة الإسلام لا يتعلم المعلومات فقط، بل يتعلم أدب البحث؛ يعرف قدر
شيخه، لكنه لا يجعل الهيبة مانعًا من السؤال، وهذه معادلة دقيقة؛ احترام العالم لا
يعني تعطيل العقل، كما أن إعمال النظر لا يعني إسقاط مكانة أهل العلم والشأن.
ومن الأمثلة
المعبرة عن هذه الحالة الوضيئة ما كان من أمر النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة
الكرام في غزوة «بدر» الكبرى، حيث نزل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه عند بئر
بدر، ثم عسكروا، فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزل
أنزلكه الله فليس لنا أن نتقدمه ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟
قال صلى الله
عليه وسلم: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة»، قال: فإن هذا ليس بمنزل! انطلق بنا إلى
أدنى ماء القوم، فإني عالم بها وبقلبها، بها قليب قد عرفت عذوبة مائه، وماء كثير
لا ينزح، ثم نبني عليها حوضاً ونقذف فيه الآنية، فنشرب ونقاتل، ونغور ما سواها من
القُلُب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا حباب، أشرت بالرأي»، فنهض رسول
الله صلى الله عليه وسلم ففعل كل ذلك(3).
وهذا مثال آخر
في غزوة «الخندق»، حيث حاصر الأحزاب المدينة، قال ابن إسحاق: فلما اشتد على الناس
البلاء، بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، وإلى
الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري، وهما قائدا غطفان، فأعطاهما ثلث ثمار المدينة
على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهما الصلح، حتى كتبوا
الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح، إلا المراوضة في ذلك، فلما أراد رسول
الله صلى الله عليه وسلم أن يفعل، بعث إلى سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فذكر ذلك
لهما، واستشارهما فيه.
فقالا له: يا رسول
الله، أمراً نحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به، أم شيئاً
تصنعه لنا؟ قال: «بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد
رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر
ما».
فقال له سعد بن
معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا
نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قرى أو بيعاً، أفحين
أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه، نعطيهم أموالنا! والله، ما لنا
بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم.
قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: «فأنت وذاك»، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة، فمحا ما فيها من
الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا(4).
إنه احترام
للقرار، ومع ذلك تقدير للمناقشة والمحاورة حتى يصل الجميع إلى أفضل قرار.
وفي واقع
التعليم اليوم، تحتاج المؤسسات العلمية والتربوية إلى استعادة هذا النموذج؛
فالمتعلم الناجح ليس من يكرر ما يسمع بلا فهم، ولا من يعارض بلا علم، وإنما من
يجمع بين حسن الأدب وقوة السؤال.
دلالات شهادة عوف بن مالك في صلاح كثير بن مرة
لم تكن مكانة
كثير بن مرة قائمة على الجانب العلمي وحده، بل جاءت معها شهادة عوف بن مالك فيه:
«إني لأرجو أن تكون صالحًا»، وهذه الشهادة تكشف أن المجتمع العلمي في ذلك العصر
كان ينظر إلى العالم باعتباره صاحب رسالة وسلوك، لا مجرد ناقل للمعلومات.
فالعلم إذا
انفصل عن تزكية النفس قد يتحول إلى أداة جدل، أما حين يقترن بالصلاح فإنه يصبح
مصدر ثقة وتأثير، ولهذا قرن القرآن بين العلم والخشية فقال تعالى: (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ
عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ) (فاطر: 28).
وقَالَ عَبْدُاللَّهِ
بن مسعود: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَلَكِنَّ الْعِلْمَ الْخَشْيَةُ(5)،
وقال معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه: اعلموا ما شئتم أن تعلموا فلن يؤجركم الله
بعلم حتى تعملوا(6)؛ والمعنى أن من خشي الله كان هو العالم حقاً، حيث
يظهر أثر العلم في قلب المؤمن وحياته، فيثمر صلاحاً وفلاحاً.
وهذا الصلاح
الناتج عن العمل هو الذي يؤدي إلى التأثير في الآخرين، فكم من محيط بكثير من
المعلومات، لكنه لا يتأثر بها ولا تظهر في حياته، وهذا لا يؤثر في غيره، أما من
ظهر أثر العلم فيه صلاحاً وعملاً فإنه يأسر غيره ويؤثر فيه.
ويؤكد الصحابي
الجليل سلمان الفارسي هذا المعنى في حكايته عن مسيرة بحثه عن الحق، حيث أوضح أنه
التقى بأُسْقُف فِي الكَنِيسَةِ، فَكَانَ رَجُلَ سَوْءٍ، يَأْمُرُهُمْ
بِالصَّدَقَةِ وَيُرَغِّبُهُمْ فِيهَا، فَإِذَا جَمْعُوا إِلَيْهِ مِنْهَا
أَشْيَاءَ، اكْتَنَزَهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُعْطِهِ المَسَاكِينَ، قَالَ
سَلْمَانُ: وَأَبْغَضْتُهُ بُغْضًا شَدِيدًا لِمَا رَأَيْتُهُ يَصْنَعُ، ثُمَّ
مَاتَ، فجَاؤوا بِرَجُلٍ آخَرَ، فَجَعَلُوهُ بِمَكَانِهِ، قَالَ سَلْمَانُ: فَمَا
رَأَيْتُ رَجُلًا أَفْضَلَ مِنْهُ، أَزْهَدَ فِي الدُّنْيَا وَلَا أَرْغَبَ فِي
الآخِرَةِ، وَلَا أَدْأَبَ لَيْلًا وَنَهَارًا مِنْهُ، قَالَ سَلْمَانُ:
فَأَحْبَبْتُهُ حُبًا لَمْ أُحِبَّهُ مِنْ قَبْلِهِ(7).
إن اجتماع
المعرفة والأخلاق هو الذي يصنع العالم المؤثر؛ فالمجتمع لا يثق فقط بمن يعرف، بل
بمن يرى في معرفته أثرًا على سلوكه.
لماذا وضع النقاد كثير بن مرة مع كبار الأئمة؟
تُظهر ترجمة
كثير بن مرة أن صناعة الرمزية العلمية تقوم على تراكم طويل؛ صحبة الصالحين، وحفظ
العلم، وحسن الخلق، والمشاركة في النقاش العلمي.
وهذا يفسر منهج المحدثين في تصنيف الطبقات؛ فلم تكن الطبقة مجرد ترتيب تاريخي، بل كانت تقييمًا
مركبًا يراعي قرب العالم من مصادر العلم، وقوة حفظه، ومكانته بين أقرانه.
ويدل على ذلك ما
ذكره العلماء في ترجمة كبار أئمة النقد والطبقات كالإمام البخاري، ومحمد بن جرير
الطبري، وابن أبي حاتم الرازي في تقديم أهل العلم وتصنيفهم للطبقات بناءً على قوة
الحفظ وسعة الرواية وحسن السمت والعدالة(8).
ومن هنا، نفهم
لماذا وضعه دحيم مع جبير بن نفير، وأبي إدريس الخولاني؛ لأن التقدير العلمي عند
النقاد لم يكن مبنيًا على عامل واحد، بل على مجموع القرائن.
كيف توازن المؤسسات الحديثة بين الكفاءة والنزاهة؟
تقدم شخصية كثير بن مرة نموذجًا يمكن الإفادة منه في مجالات متعددة،
- ففي الأسرة يظهر معنى تربية الأبناء على الجمع بين الثقة والأدب،
- وفي التعليم يظهر أهمية بناء شخصية الطالب الباحث لا الحافظ فقط،
- وفي العمل تظهر قيمة الجمع بين الكفاءة المهنية والنزاهة
الشخصية.
فالمؤسسات
الناجحة لا تحتاج أصحاب مهارة فقط، بل تحتاج أصحاب ثقة، ممن يستطيعون النقاش دون
صدام، والتعبير عن الرأي دون تجاوز، والتعلم المستمر دون غرور.
إن شخصية كثير
بن مرة تذكرنا بأن المكانة الحقيقية لا تُمنح بالصوت الأعلى، بل تُبنى عبر العلم
المتين، والخلق الرفيع، والقدرة على أن يكون الإنسان حاضرًا في ميادين المعرفة دون
أن يفقد تواضعه.
ويبقى كثير بن
مرة مثالًا على عالم تابعي جمع بين قربه من منابع العلم الأولى وبين شخصيته
العلمية المستقلة، فقد اجتمع فيه احترام السابقين، وشجاعة البحث، وشهادة الصالحين،
فاستحق أن يُذكر في طبقة كبار علماء الشام.
وفي زمن تتعدد فيه مصادر المعرفة وتكثر فيه الأصوات، تظل القاعدة التي تكشفها سيرته ثابتة: أن العلم الذي يصنع الأثر هو العلم الذي يسكن العقل والقلب معًا.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً