; مدرسة تربية التابعين | مجلة المجتمع

العنوان مدرسة تربية التابعين

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

مشاهدات 125

نشر في العدد 1029

نشر في الصفحة 46

الثلاثاء 15-ديسمبر-1992

الربيع بن خُثَيم

تلميذ الصحابي الجليل عبدالله بن مسعود وأورع أصحابه. قال له ابن مسعود: «يا أبا يزيد لو رآك رسول الله صلى الله عليه وسلم لأحبك، وما رأيتك إلا ذكرت المخبتين»(1)، وكان إذا رآه ابن مسعود قال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾.

حفظه للجوارح

ولأن الجوارح هي بريد القلب، كان التابعون أشد حرصًا على حفظها وتربية أنفسهم من خلال مراقبتها، خوفًا من تأثيرها على قلوبهم. وهكذا كان الربيع رضي الله عنه حريصًا على حفظ جوارحه، فقد «دخل المسجد نساء فلم يطرف الربيع حتى خرجن»(2). هكذا يبالغ بالغض حتى يصون الحالة الإيمانية التي اكتسبها من خلال تهذيبه لنفسه، ولكيلا يدخل صورة في نفسه، تزاحم صور وقيم الآخرة.

إن الكثير من الناس لا تعرف عنهم عيوبهم حتى تخالطهم وتصحبهم وتسافر معهم، ولابد من استدراك بعض النواقص والعيوب عليهم، هذا إن كان في سفر لا يتعدى الأسابيع ولا يتجاوز في أقصى حالاته عددًا من الشهور، ولكننا عندما نسمع عن هذا العلم من أعلام التابعين أن أحدًا يصحبه عددًا من السنين فلا يسمع منه شيئًا يُعاب، فهذا حقًا ما يبعث على الدهشة والإكبار. فقد روى إبراهيم التيمي: قال: أخبرني من صحب الربيع بن خثيم عشرين عامًا ما سمع منه كلمة تُعاب(3).

فأي تربية هذه التي كان ينتهجها الربيع مع نفسه حتى كانت هذه السيطرة على لسانه، فلا تُسمع منه كلمة تُعاب مع طول مدة الصحبة. ومع ذلك لم يكن من النوع الذي تخفى عليه عيوب نفسه التي لا يراها الآخرون، فيقول: «إن الذنوب ذنوب السرائر اللاتي يخفين على الناس وهُنَّ على الله بَوادٍ»(4).

انشغاله بتزكية نفسه

لقد انشغل الربيع بتزكية نفسه عن ملاحظة عيوب الآخرين، وصدق قول القائل: «لو نظر الناس إلى عيوبهم لما عاب إنسان على الثاني». وهكذا كان الربيع- رحمه الله.

قيل له: يا أبا يزيد ألا تذم الناس؟ فقال الربيع: والله ما أنا عن نفسي براض فأذمَّ الناس.. إن الناس خافوا الله على ذنوب الناس وأمنوه على ذنوبهم(5).

تربيتها على التدبر

كان يستشعر أن القرآن يخاطبه مباشرة، وبهذا الشعور كان يقرأ القرآن. كان يتهجد في سواد الليل فمر بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَّحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ ۚ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ (الجاثية: 21)، فلم يزل يرددها ليله حتى أصبح(6). ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد(7).

تربيتها على عدم الثأر للنفس

هكذا هي قواعد التربية عندهم دائمًا، لا يتجاوزونها قيد أنملة، فلا غضب إلا لله تعالى؛ لأنهم قد جردوا النفوس التي بين أضلعهم، فما كان لغير الله أخرجوه ولم يبق إلا ما صفا له سبحانه. ونفوس كهذه لا يوجد فيها غضب لذاتها عندما تُهان. فمما جاء في ترجمته أنه كان في المسجد ورجل خلفه، فلما ساروا إلى الصلاة جعل الرجل يقول له: تقدم، ولا يجد ربيع مساغًا بين يديه، فرفع الرجل يده فوَجأ بها عنق الربيع، ولا يعرف ربيعًا، فالتفت ربيع إليه، فقال له: «رحمك الله.. رحمك الله!»، فأرسل الرجل عينيه فبكى حين عرف ربيعًا(8).

ولعل نفسه في تلك اللحظات تدعوه للانتقام أمام هذه الإهانة أمام الناس، ومن غير حق، وهو المشهور بين الناس، ولكنه يدوس على هذه النوازع، ويقابلها بعكس ما تريد، فيدعو للمعتدي بالرحمة مرتين مما يجعل المعتدي يتفاجأ بهذا الخلق العظيم فيبكي.

ويُسرق له فرس- والذي يعتبر في ذلك الزمان الدابة المفضلة الغالية. فقال أهل مجلسه: ادعُ الله عز وجل عليه. فقال: بل أدعو الله عز وجل له: اللهم إن كان غنيًا فأقبل بقلبه، وإن كان فقيرًا فأغنه(9).

لا يشغل هؤلاء قلوبهم بألم أو همّ أو غمّ سوى ما يتصل بأمور الآخرة؛ ولأنها هي التي غلبت على نفوسهم، فكل ما دونها هيِّن في أعينهم، ليس له اعتبار مادام دنيويًا. وهذا كان واضحًا في رده عندما يُسأل: "كيف أصبحتم؟" يقول: "ضعفاء مذنبين نأكل أرزاقنا، وننتظر آجالنا"(10)، فهي نفوس متعلقة بالآخرة، ولا وقت لديها لإضاعته بغير ذلك. ومما يرويه أبو حيان عن أبيه قال: «ما سمعت الربيع بن خُثَيم ذكر شيئًا من أمر الدنيا إلا أني سمعته مرة يقول: كم لكم مسجدًا؟»(11).

شدة الخوف من الله

وترِقُّ له أمه عندما كان غلامًا ولم يبلغ الحلم بعد، وقد انشغل بكثرة قيام الليل فتقول له: «يا ربيع ألا تنام؟ فيقول: يا أمه، من جنَّ عليه الليل وهو يخاف السيئات، حُقَّ له ألا ينام». فلما بلغ ورأت ما يلقى من البكاء والسهر نادته فقالت: «يا بني لعلك قتلت قتيلًا؟ قال: نعم يا والدة، قد قتلت قتيلًا. فقالت: ومن هذا القتيل يا بني حتى نتحمل إلى أهله فيغتفروا لك؟ والله لو يعلمون ما تلقى من السهر والبكاء بعد، لقد رحموك! فقال: يا والدة هي نفسي»(12).

وهكذا هم طلاب الآخرة، في صراع دائم مع أنفسهم التي تدعوهم إلى السوء، ويدعونها للصلاح، تجذبهم بقوة خارج الصراط ويجذبونها بقوة نحو الصراط، فهو في ممارسة دائمة لقتل هذه النفس التي تأمره بالسوء أو تحويلها إلى نفس ذات خصائص أخرى تدعوه إلى الخير، ولم يُخف بكاءه عن أهل بيته، ولم تكن أمه هي الوحيدة الملاحظة لذلك السهر والبكاء لشدة الخوف من الله، بل هذه ابنته تلحظ ذلك وتقول قولة المحبة المشفقة على أبيها: «يا أبتاه، الناس ينامون ولا أراك تنام! قال: يا بُنية إن أباك يخاف السيئات»(13).

عجائب المحاسبة للنفس

وعندما يصل المرء إلى هذا المستوى من التقرب إلى الله، وهذه الحالة الإيمانية لكثرة الاتصال والصفاء، قد تحثه النفس على العُجْب لما وصل إليه واحتقار ما يقدم الآخرون، والشعور بالتميز عنهم لما وفقه الله من ذلك الخير، ولكن الربيع ينتبه إلى هذا الأمر الدقيق ولا يترك لها مجالًا لتحرق ما قدم، فكان وهو يبكي والدموع تبل لحيته يقول: «أدركنا قومًا كنا في جنوبهم لُصُوصًا»(14).

هذه المحاسبة الدقيقة إنما هي نتاج ذلك الخوف من الله تعالى، خوف يبعثه على التحري الدقيق لكل ما يقول وكل ما يفعل، إن كان خالصًا لله أم غير ذلك. وها هو يعظ أصحابه بقوله: «لا تقل اللهم إني أتوب إليك ثم لا تتوب، فتكون كذبة وتكون ذنبًا، ولكن قل: اللهم تُب علي»(15).

وتأتي ابنته الصغيرة وهو مجتمع بأصحابه تستأذنه باللعب فيرد عليها: «اذهبي فقولي خيرًا». فلما أكثرت عليه قال له بعض القوم: «اتركها تذهب تلعب». قال: «لا أحب أن يكتب عليَّ اليوم أني أمرت باللعب»(16).

ترك الترخص والتزام العزيمة

لا يترخص مع نفسه، خوفًا من التجرؤ عليه في أمور أخرى، والتزام العزيمة في الأمور ليقوى على نفسه من غير شطط أو خروج عما أمر به الله تعالى وجاءت به السنة. فقد أصابه في آخر حياته الفالج فكان يُحمَلُ إلى الصلاة، فقيل له: إنه قد رُخص لك. قال: «قد علمت ولكني أسمع النداء بالفلاح»(17).

واقرأ أيضًا:

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل