كلمتان خفيفتان على اللسان.. 5 وقفات تكشف سر عظمة الذِّكْر
في موازين
البشر، غالباً ما تُرتبط قيمة الشيء بحجم المشقة المبذولة لأجله، أو بالوقت والمال
المستغرقين في تحقيقه، غير أن الميزان الإلهي يخضع لمنطق آخر؛ منطق الرحمة التي
جعلت العطاء العظيم مقترناً بأيسر الأعمال وأخفها على النفس.
في زوايا الحياة
اليومية، وبين تفاصيل الروتين الشاق؛ أثناء الانتظار، أو بين أروقة العمل، أو خلال
إعداد الطعام للمنزل، تكمن فرصة إيمانية هائلة لا تتطلب جهداً ولا تفريغاً كاملاً
للوقت، بل تحتاج فقط شفة تتحرك بقلب حاضر.
ومن هذا
المنطلق، يأتي الحديث النبوي الشريف ليفتح لنا آفاقاً واسعة لفهم قيمة العمل عند
الله، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ عَلَى اللِّسَانِ،
ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ: سُبْحَانَ اللَّهِ
الْعَظِيمِ، سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ» (رواه البخاري، ومسلم).
فما الذي تجسده
هذه الكلمات؟ وكيف جمعت بين سهولة الأداء، وعِظم الأجر، ومحبة الله تعالى؟
1- كلمتان خفيفتان على اللسان:
من صور الرحمة الربانية بالعباد أن شُرعت لهم عبادات لا تُعجز الضعيف، ولا تُرهق الفقير، ولا
تتطلب الانتقال إلى مكان محدد، وعبادة الذكر النموذج الأبرز لهذا التيسير؛ فهي
ملازمة للمؤمن في مختلف أحواله، كما وصفهم الله تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا
وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) (آل عمران: 191).
إن خفة هذه
الكلمات على اللسان دعوة مفتوحة لكل مسلم كي لا يشغله شاغل عن الاستمرار في وصل
قلبه بالله، دون أن يقتطع ذلك من مهامه الحياتية أو التزاماته اليومية.
2- ثقل الميزان.. حين تُقاس الأعمال بالفضل لا بالمظاهر:
حين يُخبرنا النبي
صلى الله عليه وسلم بأن هاتين الكلمتين «ثقيلتان في الميزان»، فهو يُصحح مفهوماً
شائعاً يُقيّم الأعمال بحجم مظاهرها أو مدى صعوبتها، فالعبرة في الآخرة ليست بطول
الوقت واستنزاف الجهد فحسب، بل بالقدر والمكانة التي جعلها الله لهذا العمل؛ «مَنْ
قَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ، حُطَّتْ
خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ» (رواه البخاري، ومسلم).
ولكن، لا يعني عِظم أجر الأذكار الاستهانة بالفرائض والواجبات؛ فالذكر لا يُسقط فرضاً ولا يبيح
محظوراً، وإنما المغزى ألا يزهد المسلم في القليل المتاح لمجرد أنه يراه يسيراً.
3- «حبيبتان إلى الرحمن».. الانتقال من مقام الأجر إلى مقام المحبة:
تتجاوز الوقفة
هنا فكرة تحصيل الحسنات أو استسهال العمل، لترتقي بالعبد إلى أرفع المقامات؛ مقام
المحبة الإلهية، فالنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: مقبولتان فقط، بل قال: «حبيبتان»؛
ما يعني أن هذا الذكر يقع بموقع المحبة من الله عز وجل.
والعبد الصادق
لا يكتفي بأداء ما يُسقط عنه التكليف، بل يفتش عما يُقرّبه من محبوبه؛ مصداقاً
للحديث القدسي الجليل: «وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ
حَتَّى أُحِبَّهُ» (رواه البخاري).
وهكذا يتجاوز
الذكر كونه مجرد عبادة لسانيّة، ليصبح جسراً متجدداً يستحضر به العبد مراقبة ربه،
ويُجدد من خلاله العهد كلما غلبته شواغل الحياة.
4- «سبحان الله وبحمده».. الجمع بين التنزيه والثناء:
عندما يقرن
المسلم التسبيح بالحمد فيقول: «سبحان الله وبحمده»، فهو يجمع بين أمرين؛ التنزيه
(النفي): نفي كل صفات النقص والمشابهة عن الله، والافتخار والثناء (الإثبات):
إثبات كل صفات الكمال والجلال له سبحانه.
ولهذا كانت هذه
الكلمات من أحب الكلام إلى الله، كما روى مسلم عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ
قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ
مَرَّةٍ، لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ
إِلاَّ أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ».
5- «سبحان الله العظيم».. استحضار العظمة وتأصيل التواضع:
تُختتم هذه
الجملة المباركة بوصف الله تعالى بـ«العظيم»، وهو ختام يفيض بالثنائية الكاملة؛
قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: «ووصفه بالعظيم لأنه الشامل لسلب ما لا يليق
به، وإثبات ما يليق به؛ إذ العظمة الكاملة مستلزمة لعدم النظير والمثيل».
حكمة هذا الحديث
النبوي الشريف تكمن في إحياء الأمل في نفس المسلم، وتذكيره بأن طريق القرب من الله
ليس معقداً ولا مهجوراً، كلمات قليلة الأحرف، خفيفة المحمل، لكنها ثقيلة الميزان،
حبيبة إلى الرحمن.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً