أ.د. محمد أحمد الدالي.. سيرة عالِم ووفاء صديق (1 - 2)
عشرون عاماً من صداقة العلامة الدالي
إلْفُ هذا
الهَواءِ أوْقَعَ في الأنْـ ** ـفُسِ أنّ الحِمامَ مُرُّ المَذاقِ
والأسَى قبلَ
فُرْقَةِ الرّوحِ عجزٌ ** والأسَى لا يكونُ بَعدَ الفِراقِ
لله در أبي
الطيب المتنبي؛ حقاً إن حبَّ الإنسان الفطريَّ للحياة، وإلفَه هذا الهواءَ الرقيق
العذب، واعتيادَه على هذا النعيم، كثيرا ما يحمله على الخوف والجبن والجزع عند
وقوع المصائب والابتلاءات، وربما تجده رافضا وغير راض عن هذه الصدمات، وليس من
السهولة أن يتقبل رحيل الأحبة، رغم أن ذلك هو قدر الإنسان على مر العصور؛ فما
خُلقنا إلا للموت والرحيل ومكابدة الآلام والأحزان، وقد اقتضت حكمة الله حين خلق
البشر أن يفارقوا ما يحبون مهما طال مكثه في هذه الحياة، حتى يتطلعوا إلى تلك
الحياة الأبدية والسرمدية في الدار الآخرة، فلماذا إذًا ندهش ونذهل عندما نُرزأ
بفقد الأحبة ورحيل الأصدقاء ومفارقة ما نحب؟ إنه الضعف والانكسار والعجز أمام
الأقدار!
اعتدتُ كل صباح
أن أتلقى رسائله اليومية التي تُشعرني بالأنس والبهجة، وتؤكد لي أن الحياة لا تزال
بخيرٍ بوجود الأصدقاء والأحبة – لا خلتْ حياتُنا منهم أبدا -، ولرسائل الأصدقاء
وقع كبير جدا على نفسي، خاصة حين تكون هذه الرسائل خالصة لوجه الصداقة وليس وراءها
أي غرض؛ باقةُ ورد تصلك منهم صباحا تُذكّرك بأنهم بجوارك يشاركونك لحظات الشروق
والغروب ويعلنون لك أن مكانك محفوظ في قلوبهم، تلاوةٌ مميزة تُحلِّق معها وتسمو
روحك عالية وتهيم عشقا في كلام الله المعجز، خاصة حين تشدو به أصوات كبار القراء
الذين لا تُخطئ أذنُ هذا الصديق المدربة انتقاءها بمهارة وذوق، كتابٌ جديد أو ندوة
علمية تقام هنا أو هناك تُعلن عن استمرارية الحياة وحيويتها وتجددها، وقدرةِ
الإنسان الهائلة على مقاومة العدم ووضع بذور شجرة في صحراء هذه الحياة القاحلة،
خبرٌ جديد مُبهج يتعلق بقرب صدور كتاب أو دراسة لهذا الصديق تطير طربا له، وتود لو
أنك كنت بجواره في تلك اللحظة لتشاركه الفرحة بنجاحه، ولتؤكد له على عظيم محبتك
وإخلاصك ووفائك لعهد الصداقة الذي جمع بينكما طوال هذا الوقت، هكذا هم الأصدقاء
بالنسبة لي، وهذا هو أثرهم الذي لا يدركه ولا يُقدِّره حق قدره إلا من عاين بعين
قلبه تأثير الصداقة الهائل والمدهش في النفس والروح. وهل كان هذا الشاعر يبالغ وهو
يصف مكانة أصدقائه عنده في هذه الأبيات؟ كلا، لقد وصف مشاعره ومشاعر خلق كثير
بمنتهى الصدق والموضوعية.
العلامة الدالي .. على مثله تذرف الدموع
أنتم وإن بعدت
عنا منازلكم ** نوازل بين أسراري وتذكاري
فإن تكلمتُ لم
ألفظ بغيركمُ ** وإن سكتُّ فأنتم عقد إضماري
الله جاركمُ مما
أحاذره ** فيكمْ، وحبي لكمْ من هجركم جاري
هكذا كانت
علاقتي بالأستاذ الكبير والصديق العزيز الأستاذ الدكتور محمد أحمد الدالي رحمة
الله عليه مذ عرفته وحتى فارق دنيانا مُخَلِّفا لنا غصة وأحزانا كبيرة وفراغا
حقيقيا؛ فعلى مثله تُذرَف الدموع وتأسى القلوب، فقد كان وجوده على قيد الحياة
مبعثا للبهجة والسرور، وبرحيله ورحيل الأحبة تباعا ترحل أبعاضنا وتموت أجزاء منا،
وصدق حكيم المعرة إذ يقول:
أَيُّها الدُنيا
لَحاكِ اللَهُ ** مِــــــــن رَبَّـــــــــــــــــــــةِ دَلِّ
ما تَسَلّى
خَلَدي عَنــــ ** ـــــكِ وَإِن ظَنَّ التَسَلّي
إِنَّما
أَبقَيتِ مِنّــــــــــــــي ** لِلأَخِـــــــــــــــــــــلّاءِ أَقَلّي
أَمسِ أَودَيتِ
بِبَعضي ** وَغَداً يَذهَبُ كُلّــــــــــي
عرفت أ.د. محمد
أحمد الدالي منذ أكثر من عشرين عاما في جامعة الكويت، ومنذ التقينا وتعارفنا
تقاربت قلوبنا وربطت بين أرواحنا محبة كبيرة واحترام وتقدير متبادل؛ مبعثه حب
العلم والعلماء والإخلاص في أداء رسالته تجاه الطلاب؛ فقد كان الفقيد نموذجا يُحتذى
في العطاء والعمل الصادق والمخلص، حتى في أصعب الظروف وأحلك الأوقات؛ فعندما داهمه
المرض واعترته بعض العوارض الصحية، كان رحمه الله يحرص كل الحرص على حضور محاضراته
في وقتها دون تأخير، يناقش طلابه ويمنحهم من وقته وعلمه الغزير ورؤيته الثاقبة
ويتابعهم في صبر ودأب، وكان يفتح باب مكتبه دوما لاستقبال طلاب العلم والدراسات
العليا، خاصة إذا لمس فيهم الجدية والرغبة في التعلم والمعرفة، وأن لديهم ما
يسألون عنه مما أشكل عليهم من المسائل المعقدة والغامضة، وأنهم لا يريدون إضاعة
الوقت في القيل والقال، والتحدث في أمور سطحية ليس وراءها طائل؛ كاستجداء لدرجات
لا يستحقونها، أو طلب شفاعة في غير محلها، أو غير ذلك من الأمور التي يعرفها
المشتغلون بالتعليم، عندها لا ينشرح صدره للحديث ولا يُقبل باهتمام على محدثه، ضنا
بوقته الثمين الذي كان يقضيه دوما إما في البحث والقراءة، أو مجالسة الزملاء في
القسم، أو حضور الاجتماعات المهمة والضرورية، ولأنني كنت من العارفين بقدره وبرسوخ
قدمه في العلم، خاصة في ميدان اللغة والنحو والمدونات التراثية، فقد كنت حريصا أشد
الحرص على اقتناص بعض الدقائق بين المحاضرات أو في الساعة المكتبية، للجلوس إليه
والإفادة من علمه الغزير؛ فهو في نظري واحد من أهم المحققين والدراسين للتراث
وتحقيق المخطوطات باعتراف أساطين هذه الصنعة، ولا يمكن أن أنسى فضله في إرشادي إلى
أمات الكتب في اللغة والنحو والسيرة النبوية وغيرها مما كنت أحتاجه في أبحاثي
ودراساتي.
منزلة الدالي في فن التحقيق
إن منزلة الدالي في فن تحقيق النصوص التراثية لا يرقى إليها شك؛ فقد كان الراحل الكريم محل تقدير وثناء كبيرين من أهل هذه الصنعة الكبار، الذين تعلَّم على أيديهم ونهل من علمهم؛ من أمثال الشيخ محمود شاكر والدكتور شاكر الفحام والأستاذ أحمد راتب النفاخ وغيرهم من أكابر هذه الصنعة، ويكفي لمعرفة منزلته ومكانته بين أرباب هذه الصناعة، أن تقرأ ما كتبه عنه أستاذه الكبير علامّة الشام الدكتور شاكر الفحام في مقدمة كتاب "سفر السعادة وسفير الإفادة" للسخاوي، وهو أول كتاب يقوم الدكتور محمد الدالي رحمة الله عليه بتحقيقه، حيث يقول الفحام: لقد انتُدب الشابُّ محمَّد الدالي، وهو المكتهلُ في شَبيبته جِدًّا ورصانة، وانصرافًا إلى العلم، وحبًّا لآثار السلف، لتحقيق هذا الأثر الغالي من آثار السَّخاوي، فشمَّر عن ساعد الجِدِّ، وأخذ نفسَه أخذًا غيرَ رفيق بقواعد تحقيق المخطوطات، غيرَ مُتناسٍ الأصولَ التي خلَّفها لنا الأجدادُ في الضبط والإتقان والأمانة في نقل النصوص، خشيةَ أن يعبثَ بها عابث، وهيَّأ لعمله كلَّ الأسباب التي تدنو به إلى النجاح، وسهِرَ ونَصِبَ لتذليل العقبات، وطاف وحوَّم ليَرِدَ الماءَ صفوًا لا كدَر فيه.
واعتمد السيد
الدالي في تحقيقه أربع نسخ من الكتاب: واحدة منها بخط المؤلف، وثلاث تحمل إجازته،
واستعان بموارد المؤلف في الكتاب، وأحسن التخريج، واستأنس في عمله بمصادر التراث
يستشيرها ويئل إليها، ولقد سعدتُ وأنا أقرأ ما صنع، وأتابع خطواته الموفقة، إنه
يتبين قبل أن يُقدِم، ويتثبت قبل أن يقطع، ثم يمضي في طريقه مروياً متأنياً، على
هدى من أمره. «يمشي رويداً ويكون أولا»، «جذع البصيرة قارح الإقدام».
لم أفاجأ بما
ألقي إلي من عمله المتقن، فقد علمتُ علمه وسبرت غوره، وشِمْت الخير في مخايله،
ولقد جلا عن نفسه حين حقق كتاب "أدب الكاتب" لابن قتيبة، ومضى على إثره
في تحقيق كتاب "الكامل" للمبرد، وإني لأرجو له وآمل أن يتابع مسيرته في
إحياء آثار السلف، وأن يقتفي خطاهم في التدقيق والحرص على سلامة النصوص، وأن يقتدي
بهداهم في تحرجهم من إقحام أنفسهم في أعمال الآخرين، وفي ابتعادهم عن التزيد،
وتوقفهم حيث يحسن التوقف، وإشارتهم حيث تطيب الإشارة، وأن يظل ماضياً على غلوائه،
متدرعاً بتواضع العلماء، سالكاً النمط الأوسط، لا يزدهيه غرور، ولا يبطره عُجْب،
بل يزداد علماً وتواضعاً، «هلك من ادعى، وردي من اقتحم، اليمين والشمال مَضَلَّة،
والوسطى الجادة»، «ومن تواضع لله رفعه». (الدكتور شاكر الفحام: مقدمة كتاب سفر
السعادة وسفير الإفادة للسخاوي، دار صادر، بيروت، الطبعة الثانية، 1995م، ص 9).
شهادات في حق الراحل الكريم
وحسبك بشهادة الفحام من شهادة في حق الراحل الكريم ومنهجه الرصين والدقيق في تحقيق المخطوط، وهي شهادة حق من معلم ومشرف وأستاذ خبُر ما عند تلميذه خلال سنوات إشرافه عليه، ومن خلال متابعته لمسيرته وما قدمه في هذا المجال بعد أن خطا خطواته المباركة في هذا الطريق الشاق وحده، ومن أراد أن يعرف المزيد عن حياة الدالي العلمية وأهم ما قدمه للمكتبة العربية فليقرأ تلك المقالة الضافية التي كتبها أحد تلاميذه والمقربين منه؛ فهي تبرز مكانته بين المحققين، وأهم ما قام بتحقيقه للمكتبة العربية، ومنهجه في التحقيق، وغير ذلك من الصفات التي لم تفارقه قَطّ في أثناء عمله؛ فهو عالم، ثَبْت، متواضع، معطاء، لا يضن بعلمه ولا بنصيحته عن طلابه، طيب المعشر، سمح النفس، يحسن اختيار الكتب التي يقوم بنشرها وتحقيقها، ولا يدخر جهدا ولا مالا ولا وقتا في سبيل صدور عمله على أكمل صورة وأحسنها. (انظر: أيمن أحمد ذو الغنى: محمد أحمد الدالي وجامع العلوم، شبكة الألوكة، 22 / 3 / 29020م).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً