الشريعة وحماية المدنيين
حين شرع الإسلام
القتال وضع له مبادئ وقواعد يمكنها أن تضبطه بحيث لا يتحول إلى قتل محض لا تحكمه
غاية دينية أو أخلاقية، ومنها مبدأ التمييز بين المدنيين وغير المدنيين، وقد توسع
الفقهاء في شرحه ولهم في ذلك نقاشات تستبق النقاشات القانونية والحقوقية المعاصرة،
فمن هو المدني في المفهوم الشرعي؟ وما الفئات التي تندرج تحته؟ وما الحقوق التي
يتمتعون بها؟
المدنيون وأصنافهم في الشريعة
كان مفهوم «المدنيين»
في العصور السابقة يستخدم للإشارة إلى قاطني المدن دون البوادي والقفار وغيرها،
ولذلك لم يرد المصطلح في المدونة الفقهية، وإنما صاغ الفقهاء مصطلحات بديلة أخرى
من قبيل: «غير المقاتلة»، أو «من ليس من أهل القتال»، أو «من لم يكن من أهل
الممانعة والمقاتلة»، أو «من لا يحل قتله من الكفرة»، أو «من لم ينصب الحرب منهم».
وقد فصل الفقهاء
في أصناف غير المقاتلين ممن لا يجوز قتلهم، ويجمل أ. أبو غدة آراءهم واختلافاتهم
في قسمين:
الأول: جعل كلَّ
من لا يقاتل يدخل ضمن من لا يحل قتله من الكفار، وهو قول الجمهور.
الثاني: تخصيص
من لا يحل قتله من الكفار في النساء والصبيان والرسل، وهو قول الشافعية، مستدلين
بحديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله..».
والراجح في هذه
المسألة -كما يقول عماد الغامدي- هو رأي الجمهور؛ لأن القتال لمن قاتل وليس لمجرد
الكفر، واستناداً إلى هذا الرأي فصل الفقهاء في الفئات التي لا تقاتل فذكروا من
بينها:
1- النساء
والأطفال (الذرية): وهما محل اتفاق الفقهاء في عدم جواز قتلهم، يقول ابن عبدالبر: وأجمع
العلماء على القول بذلك ولا يجوز عندهم قتل نساء الحربيين ولا أطفالهم، والله عز
وجل يقول: (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ
يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ) (البقرة: 190).
وقال ابن جزي: ولا
يُقتل النساء ولا الصبيان اتفاقاً.
وعلل الفقهاء
النهي عن قتلهما بأنهما ليسا من أهل القتال، فلا يجوز قتلهم، فالنفس مصونة فلا
تقتل إلا بحق، وذهب بعضهم إلى أن النساء والأطفال لا يعرفون التشبث في الكفر فيرجى
إجابتهم الدعوة إلى الإسلام.
2- رجال الدين
أو الرهبان: يرى جمهور الفقهاء أنه لا يجوز قتل الرهبان استناداً إلى قول النبي
صلى الله عليه وسلم: «لا تقتلوا أصحاب الصوامع»، وقول الصِّدِّيق لأسامة: «إنك
ستلقى أقواماً قد فرغوا أنفسهم في الصوامع فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له»، واستدلوا
بذلك على عدم جواز قتلهم، جاء المدونة: سمعت مالكاً يقول: لا يقتل الراهب، قال
مالك: وأرى أن يترك لهم من أموالهم ما يعيشون به.
3- كبار السن
وذوو الأمراض: يذهب الجمهور إلى عدم جواز قتلهم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ولا
تقتلوا شيخاً فانياً».
ويبين الإمام
السرخسي حجتهم في ذلك بقوله: فأما الشيخ الفاني الذي لا يكون منه القتال، ولا يعين
المقاتلين بالرأي، ولا يرجى له نسل فإنه لا يقتل.
ولذلك، استظهر
ابن عبدالبر: إن كان الشيخ ذا رأي ومكر ومكيدة يؤلب بذلك على المسلمين جاز قتله.
وأما ذوو المرض -لا
سيما المزمن- الذين يعبر عنهم فقهياً باسم «الزمن» فهؤلاء أيضاً لا يجوز قتلهم إذ
لا مصلحة في قتلهم.
4- العمال
والزراع: وهي الفئة التي يطلق عليها فيها اسم الأجير أو العسيف، وهذه الفئة تتسع
لتشمل العاملين في القطاع الطبي والقطاعات الحيوية للدولة، والأصل فيها حديثه صلى
الله عليه وسلم: «انطلق إلى خالد بن الوليد فقل له: إن رسول الله يأمرك يقول لك:
لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً»، وهؤلاء العمال إن كانوا من أهل الصنائع غير المتعلقة
بالحرب لا يجوز قتلهم أو التعرض لهم.
قال اللخمي، قال
مالك: لا يُقتل الصناع ولا الفلاحون؛ وعلة ذلك يبينها ابن حبيب بأنهم لا ينصبون
حرباً ولا يخشى منهم غورة ولا كيد.
5- رسل الأعداء:
وهم المبعوثون من قبل العدو لأجل التفاوض، فهؤلاء لا يجوز قتلهم بحال، حرصاً على
أن تظل قنوات التواصل مفتوحة مع الخصوم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يؤمّن رسل
المشركين، وقال لما جاءه رسل مسيلمة: «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم».
حقوق المدنيين في الشريعة
وإذا كانت
الشريعة تحظر قتل المدنيين، فليس هذا هو الحق الوحيد الذي يتمتع به هؤلاء، فقد
أشار الفقهاء إلى جملة من الحقوق التي يتمتع بها هؤلاء، ومنها:
1- حماية
أموالهم وممتلكاتهم، ووردت في ذلك نصوص منها قول السرخسي: لا يحل للمسلمين أن
يفعلوا شيئاً مما يرجع إلى التخريب في دار الحرب؛ لأن ذلك فساد، والله لا يحب
الفساد.
وذهبوا إلى عدم
جواز الاستيلاء عليها، إن لم تقتض الضرورة العسكرية ذلك، فإن احتيج إليها كان بقدر
الضرورة، وحول هذا يقول ابن حزم: ولا يحل عقر شيء من حيواناتهم البتة لا إبل ولا
بقر ولا غنم ولا خيل ولا دجاج ولا حمام ولا أوز ولا برك ولا غير ذلك إلا للأكل فقط..
وقاسوا على الأكل الماء، فأجازوا شرب الماء وما عدا ذلك لا يحل.
2- ومنها عدم
ترويعهم بالأسلحة الفتاكة، إذ ذهب الفقهاء أن الأسلحة الفتاكة مثل المنجنيق التي
لا تميز بين المقاتلين وغير تستخدم بقدرها، فقيل: إن تحصن العدو في حصن فلا يرموا
بالنار إن كان فيهم نساء أو أطفال ما لم يبادروا هم بذلك، كما قال صاحب «النوادر
والزيادات».
3- ومنها حماية
معتقداتهم، فلا يجيز الإسلام حملهم كرهاً بالسيف على اعتناق الإسلام، ويجيز لهم
الاحتفاظ بعقائدهم، كما سمح لهم بإقامة شعائرهم الدينية من غير تضييق بعد أن حقن
دماء رهبانهم وزعمائهم الدينيين.
الأضرار الجانبية.. القتل تحت مظلة القانون
يفهم مما سبق أن
فقهاء المسلمين قدموا رؤية يمكن نعتها بأنها تقدمية -بمعايير زمانهم- إذ قدموا
تعريفاً دقيقاً لمن هو المدني والفئات التي تندرج تحته، وصاغوا الحقوق الواجبة لهم.
وهذه الرؤية لا
تشذ كثيراً عن الرؤية القانونية المعاصرة بل إنها تتفوق عليها إذ لا تسمح بخلق
ثغرات قانونية يفيد منها الأقوياء كما هي الحال في الحروب المعاصرة حين اخترع
مفهوم «الأضرار الجانبية» إبان حرب فيتنام، ثم صار مصطلحاً رئيساً تستخدمه القوات
الأمريكية في كل حروبها ليسوغ قتل المدنيين الأبرياء باعتبارهم من الأضرار غير
المقصودة اللازمة لأي حرب، وفي هذا التفاف على قواعد القانون، الأمر الذي يضفي
مشروعية على عملية قتل المدنيين بأعداد كبيرة قد تصل إلى عشرات الآلاف، ويحول دون
مساءلة الجناة عن جرائمهم.
اقرأ
أيضاً:
حين يفقد
الصراع إنسانيته.. مَن يدافع عن المدنيين؟
أخلاقيات
السياسة الشرعية في التعامل مع العدو المحارب
فقه الحرب في
الإسلام.. قراءة بيانية في دستور الأخلاق النبوية
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً