قراءة في كتاب «مع اللسان العربي» للأستاذ الدكتور فتحي ملكاوي

عنوان الموضوع وصورة الكاتب وبجواره صورة لغلاف الكتاب ومؤلفه

ليست العربية قضية لغوية تخص النحاة والمجامع وحدهم، بل قضية هوية وفكر ومعرفة ومستقبل؛ فاللغة التي تفكر بها الأمة، وتعلّم بها أبناءها، وتصوغ بها مفاهيمها، وتنتج بها علومها، هي بعض قوتها الحضارية، ومقياس من مقاييس استقلالها الثقافي والمعرفي. ومن هذا الأفق يُقرأ كتاب "مع اللسان العربي.. حصاد عقدين في عضوية المجمع" للأكاديمي المرموق والتربوي الكبير الأستاذ الدكتور فتحي حسن ملكاوي، الصادر في عمّان سنة 2026م في 412 صفحة؛ فهو على الرغم من عنوانه التوثيقي، يتجاوز تسجيل تجربة صاحبه في مجمع اللغة العربية الأردني إلى مساءلة واقع العربية وموقعها في حياة الأمة وعلاقتها بالتعليم والفكر والحضارة والتحول الرقمي.

تنتظم هذه الرؤية في عشرة فصول تمتد من موقع العربية بين لغات العالم واليوم العالمي لها والتواصل الحضاري، إلى المجامع اللغوية وعلاقة اللغة بالفكر ودلالتي اللسان والبيان، ثم الثورة الرقمية، وواقع العربية في المشرق، والازدواجية والثنائية اللغوية، وتنتهي بتقويم النمو اللغوي في التعليم، غير أن هذه الموضوعات المتنوعة يجمعها سؤال واحد: كيف تظل العربية لسان أمة حية، قادرة على التفكير والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل؟

اللسان العربي.. هوية ومسؤولية

من أخصب أفكار الكتاب التمييز بين أن تكون العربية "لغتي" وأن تكون "هويتي"؛ فاللغة قد يرثها الإنسان بحكم الميلاد والبيئة، أما الهوية اللغوية فاختيار واعٍ، وانتماء مسؤول، وممارسة يومية، وبذلك ينتقل السؤال من عدد المتحدثين بالعربية إلى مقدار حضورها في تفكيرهم وتعليمهم وإنتاجهم للمعرفة.

ومن هنا أيضًا إيثار المؤلف مصطلح "اللسان العربي"، استلهامًا للاستعمال القرآني الذي يصل اللسان بالبيان والإفهام: (بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ) (الشعراء: 195)؛ فاللسان ليس أصواتًا وقواعدَ فحسب، وإنما حامل للمعنى، ومستودع للثقافة، وأداة لصياغة التصورات والقيم.

وهذه الرؤية تقود مباشرة إلى العلاقة بين اللغة والفكر؛ فالضعف اللغوي لا يقف عند خطأ في الإعراب أو عجز في التعبير، وإنما قد يمتد إلى اضطراب بناء الفكرة، وضيق المفاهيم، وضعف القدرة على التحليل والتمييز والمحاججة؛ ولذلك يقيم الكتاب صلة وثيقة بين جودة البيان وجودة التفكير، ويرى في التمكن اللغوي جزءًا من البناء العقلي للإنسان، لا مجرد مهارة مدرسية.

ومن هذه الزاوية يناقش الازدواجية بين الفصحى والعامية، والثنائية بين العربية واللغات الأجنبية، والمشكلة ليست في تعلم اللغات الأخرى؛ فتعدد اللغات قوة ونافذة واسعة على المعرفة، وإنما تبدأ الأزمة حين تتحول اللغة الأجنبية من جسر إلى المعرفة إلى بديل عن لغة الأمة في إنتاج المعرفة، فيتعلم الطالب العلم بلغة غيره ولا يقدر على إعادة إنتاجه بلغته.

العربية في ميزان الحضارة

يستحضر الكتابُ التاريخَ الذي كانت فيه العربية لغة للعلم والفلسفة والطب والفلك والرياضيات، استوعبت معارف الأمم، وأضافت إليها، وأسهمت في نقلها إلى أوروبا؛ لكنه لا يستدعي هذا التاريخ للتغني بالماضي، وإنما ليضع أمامه سؤال الحاضر: ماذا تُنتج العربية اليوم؟

وهنا تظهر المفارقة بين الثقل البشري والحضاري للعربية وبين حضورها المعرفي والرقمي الذي لا يزال دون منزلتها وعدد الناطقين بها؛ فاللغة لا تقوى بكثرة المتحدثين بها، وإنما بما يُكتب ويُترجم ويُدرَّس ويُبحث ويُكتشف ويُبرمج بها؛ ولذلك يجعل الكتاب من تعليم العربية لغير الناطقين بها، وحركة الترجمة في الاتجاهين، وتطوير المحتوى الرقمي، وربط المجامع بالجامعات والإعلام والمؤسسات التقنية، مداخل متكاملة لاستعادة فاعليتها الحضارية.

وتتضاعف أهمية هذا السؤال مع الثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي؛ فالمحتوى الرقمي لم يعد مجرد واجهة ثقافية للأمة، بل أصبح مادة تتعلم منها الآلات وتُبنى عليها النماذج اللغوية، ومن ثم فإن فقر المحتوى العربي أو ضعفه أو تكراره لا يعني حضورًا إلكترونيًّا باهتًا فحسب، بل قد ينعكس على قدرة التقنيات الجديدة على فهم العربية وتمثيل ثقافتها ومفاهيمها وإنتاج المعرفة بها.

ولهذا يتوقف الكتاب عند جهود حوسبة العربية ونماذج الذكاء الاصطناعي والمشروعات التقنية الحديثة، داعيًا إلى الانتقال من المبادرات المتفرقة إلى عمل مؤسسي تتكامل فيه المجامع والجامعات ومراكز البحث والمؤسسات التقنية، فالسؤال لم يعد كيف نحفظ العربية من الاندثار، بل كيف نجعلها لغة قادرة على العمل والإبداع والمنافسة في البيئة المعرفية الجديدة.

المجامع.. وصناعة الحضور اللغوي

في هذا السياق يعيد الكتاب النظر في وظيفة المجامع اللغوية؛ فلا يكفي أن تجيز لفظًا أو تعرّب مصطلحًا أو تصدر توصية، وإنما ينبغي أن تمتد وظيفتها إلى التعليم والإعلام والبحث العلمي والفضاء الرقمي، فالمصطلح لا يحيا بصدور قرار مجمعي، بل حين يدخل الكتاب والمدرسة والجامعة والإعلام ومختبر البحث ولسان المتخصص.

وكذلك لا تكفي قوانين حماية العربية ما لم تتحول إلى سياسات وممارسات ومؤسسات، فبين النص القانوني والواقع اللغوي مسافة لا تردمها العقوبات وحدها، وإنما يردمها التعليم الجيد، والإعلام المسؤول، والإدارة الواعية، والبيئة الاجتماعية التي تستشعر قيمة لغتها، وبذلك تنتقل مهمة المجامع من مجرد حراسة اللغة إلى صناعة حضورها وفاعليتها.

الكتاب بعين القارئ الناقد

اتساع الكتاب من أبرز مزاياه، وهو في الوقت نفسه موضع سؤال نقدي؛ إذ يجمع التاريخ والفكر واللسانيات والتربية والاجتماع والتقنية في خريطة واسعة لقضايا العربية المعاصرة، وهذا الثراء مفهوم في كتاب يقدم حصاد عقدين، لكنه يجعله أقرب أحيانًا إلى رؤية جامعة لمسائل اللسان العربي منه إلى نظرية متسلسلة ذات بناء واحد محكم.

وهنا يفتح الكتاب سؤالًا يتجاوز صفحاته: لقد راكم الفكر العربي قدرًا كبيرًا من تشخيص أزمة اللغة؛ فنحن نعرف مشكلات التعليم والتعريب والازدواجية وضعف المحتوى الرقمي وتراجع الفصحى والحاجة إلى الترجمة والحوسبة، فهل ما نحتاج إليه اليوم مزيد من التشخيص، أم مشروع تنفيذي جامع يحدد الأولويات والمسؤوليات والمؤشرات، وينقل المعرفة من المؤتمرات والمجامع إلى المدرسة والجامعة والإعلام والسوق والمنصة الرقمية؟

كما أن قضية الذكاء الاصطناعي تحتاج بطبيعتها إلى تحديث دائم؛ فالتقنية تتغير أسرع من الكتب، ولذلك ليست القيمة الأعمق لما يورده المؤلف في أسماء النماذج والمشروعات بقدر ما تكمن في الفكرة التي يؤسس لها: أن مستقبل العربية أصبح مرتبطًا بسيادتها المعرفية والرقمية، وبقدرتها على إنتاج بياناتها وأدواتها ومحتواها ونماذجها.

ويبقى التحدي في تحقيق معادلة دقيقة: حماية العربية من غير انغلاق، والانفتاح على لغات العالم من غير ذوبان؛ فالمشكلة ليست أن يتقن العربيُّ الإنجليزية أو غيرها، بل أن يصبح قادرًا على التفكير العلمي بلغة الآخرين عاجزًا عن إنتاج المعرفة بلغته، والأمم الواثقة لا تخشى لغات العالم؛ بل تتعلمها، وتأخذ منها، ثم تعيد ما أخذته معرفةً مضافة إلى لغتها وثقافتها.

ومن أهم رسائل الكتاب أن العربية لا تحتاج إلى من يَرثيها، بل إلى من يعمل بها ولها؛ فهي لا تُصان بحراسة الماضي وحده، وإنما بإطلاق طاقتها في العلم والتعليم والتقنية والإبداع، حتى تظل لسان أمة تفكر بلغتها، وتنتج بها، وتحاور العالم من خلالها، وتصنع بها نصيبها من المستقبل.

التعليم.. صناعة اللسان من جذوره

يختار الكتاب أن ينتهي بقضية تربوية تطبيقية هي تقويم مهارات النمو اللغوي، ولا سيما في الطفولة المبكرة والصفوف الأولى من التعليم الأساسي، وقد يبدو هذا الفصل، لأول وهلة، أبعد من سائر الفصول ذات الأفق الفكري والحضاري، غير أنه في الحقيقة يعيد القضية كلها إلى منبعها الأول؛ فكل حديث عن مكانة العربية ومستقبلها يظل معلقًا ما لم يتحول إلى إنسان يمتلك لسانه منذ سنوات التكوين الأولى.

ولهذا يدعو المؤلف إلى تقويم متكامل لنمو مهارات الاستماع والنطق والقراءة والكتابة، بأطر مرجعية تكشف مستوى المتعلم وتشخص مواطن ضعفه وتتيح معالجتها مبكرًا، وهنا يلتقي التربوي باللغوي؛ إذ لا تُبنى سلامة اللسان بقرارات فوقية وحدها، وإنما تبدأ في حجرة الدرس، وبين يدي معلم يحسن صناعة الملكة اللغوية، وداخل بيئة تجعل العربية أداة للفهم والتعبير قبل أن تجعلها مادة للامتحان.

ولعل في هذا الختام دلالة على رؤية الكتاب كله: فالقضايا الكبرى لا تعيش بالشعارات، وإنما تتحقق في التفاصيل؛ ومستقبل اللسان الذي نناقش حضوره في العالم يبدأ، في جانب كبير منه، من طفل يتعلم كيف يسمع ويقرأ ويفهم ويعبّر.

سيرة تفسر الكتاب

بعد الفراغ من كتاب "مع اللسان العربي"، تبدو سيرة مؤلفه ضرورية لفهم طبيعته؛ لا لأنها تضيف معلومات عن صاحبه فحسب، وإنما لأنها تفسر لماذا جاء الكتاب بهذه السعة والتنوع.

فالدكتور فتحي حسن فياض ملكاوي، المولود سنة 1943م، لم يتخرج في قسم للغة العربية، بل بدأ من العلوم الطبيعية؛ فدرس الكيمياء والجيولوجيا في جامعة دمشق وتخرج سنة 1966م، والمفارقة الدالة أنه درس هذه العلوم بالعربية، فعرف بالتجربة، لا بالتنظير وحده، أن العربية تستطيع أن تكون لغة للعلم والتعليم الجامعي.

ثم اتسع تكوينه من العلم إلى التربية وفلسفة العلم؛ فحصل على دبلوم عال في تدريس العلوم من جامعة ردينغ البريطانية، وماجستير في علم النفس التربوي من الجامعة الأردنية، ودكتوراه في التربية العلمية وفلسفة العلوم من جامعة ولاية ميشيغان. وبين هذه المحطات عمل معلمًا، وواضعًا للمناهج، ومؤلفًا للكتب المدرسية، ومدربًا للمعلمين، ثم أستاذًا جامعيًّا؛ فخبر اللغةَ في الصف والكتاب والمنهج والجامعة قبل أن يخبرها في المجمع.

وجاءت تجربته الطويلة في المعهد العالمي للفكر الإسلامي لتضيف إلى هذا التكوين بُعده الفكري؛ إذ عمل فيه باحثًا ومستشارًا ومسؤولًا عن النشر والتحرير والإدارة، وتولى رئاسة تحرير مجلة «إسلامية المعرفة»، كما رأس تحرير المجلة الأمريكية للعلوم الإسلامية والاجتماعية، ومن هنا اتسعت دائرةُ اشتغاله لتشمل التكامل المعرفي، والبناء الفكري، والتربية الإسلامية، والقيم المقاصدية، وأسئلة التجديد والنهوض الحضاري.

وتكشف عناوين مؤلفاته عن هذا المسار بوضوح؛ فقد كتب في "منهجية التكامل المعرفي"، و"البناء الفكري"، و"الفكر التربوي الإسلامي المعاصر"، و"منظومة القيم المقاصدية وتجلياتها التربوية"، و"التربية الفكرية في سياق النهوض الحضاري المنشود"، و"القيم الجامعية"، فضلًا عن دراساته في التجديد الفكري الإسلامي؛ ولذلك لم يكن دخوله إلى حقل اللغة انتقالًا غريبًا عن مشروعه، بل كان امتدادًا طبيعيًّا لسؤال ظل حاضرًا في أعماله: كيف تتكون المعرفة، وكيف يُبنى الإنسان الذي يحملها؟

وحين انتُخب سنة 2006م عضوًا عاملًا في مجمع اللغة العربية الأردني ممثلًا لتخصص العلوم الطبيعية وفلسفتها، التقت خيوط تجربته المتعددة في موقع واحد، ومن هنا يمكن فهم كتابه الجديد بوصفه حصيلة عالم جاء إلى المجمع من خارج التخصص اللغوي الضيق، حاملًا معه خبرة المختبر والمدرسة والجامعة ومؤسسة البحث والتحرير الفكري؛ ولذلك رأى في اللسان ما قد لا يراه من ينظر إليه من داخل علومه وحدها.

ولعل هذا هو المفتاح الأهم في شخصية الكتاب: تعدد زوايا النظر من غير أن تتبدد وحدة القضية، فالعربية عند ملكاوي ليست بابًا أضيف متأخرًا إلى اهتماماته، وإنما نقطة التقاء بين العلم الذي درسه، والتربية التي تخصص فيها، وفلسفة المعرفة التي بحثها، والفكر الإسلامي الذي انشغل بتجديده.

حصاد عقدين.. ورسالة أبعد

من هنا يصدق عنوان الكتاب من وجه، ويتجاوزه من وجه آخر؛ فهو بالفعل حصاد عقدين في عضوية المجمع، لكنه ليس سجلًّا لنشاط عضو مجمعي، ولا مجموعة أوراق متناثرة جمعها صاحُبها بين غلافين؛ بل شهادة فكرية نضجت عبر تجربة طويلة، وتحاول أن تعيد وضع اللسان العربي داخل المشهد الحضاري الأوسع.

وتنبع قيمة كتاب "مع اللسان العربي" كذلك من أنه صادر عن تجربة معيشة؛ فصاحبه لم يدافع عن صلاحية العربية للعلم من موقع لغوي نظري، بل درس بها العلوم الطبيعية، ثم درّس وألّف المناهج، واشتغل بالتربية وفلسفة العلوم، وخبر البحث والنشر والتحرير، قبل أن يقضي عقدين في المجمع؛ ولهذا يحمل كثير من أفكاره حرارة التجربة إلى جانب حجة البحث.

وإذا كان للكتاب أن يترك في قارئه رسالة جامعة، فهي أن قضية العربية لا يجوز أن تُسلَّم إلى اللغويين وحدهم؛ فاللسان الذي يُراد له أن يكون لسان حياة كاملة لا يمكن أن يحمله أهل النحو والأدب منفردين؛ إنه يحتاج إلى العالم والطبيب والمهندس والتربوي والمبرمج والإعلامي والمترجم وصانع القرار، كلٌّ في ميدانه.

وهنا ربما تكمن أجمل دلالات تجربة ملكاوي نفسها: أن يخدم العربية عالمٌ جاءها من الكيمياء والجيولوجيا والتربية وفلسفة العلوم، ثم أمضى عقدين في مجمعها، وكأن سيرته العملية تبرهن على الفكرة التي يدافع عنها كتابه: أن اللسان العربي لا يستعيد عافيتَه بأن يبقى موضوعًا للدراسة، وإنما بأن يعود أداةً للدراسة؛ ولا بأن يظل موضوعًا للعلم، وإنما بأن يصبح مرة أخرى لسانًا للعلم.

وعند هذه النقطة يغدو «مع اللسان العربي» دعوة إلى ما هو أبعد من محبة العربية والاعتزاز بها؛ دعوة إلى تحمل تبعتها، فاللغات العظيمة لا يحفظها تاريخها وحده، مهما عظم، وإنما يحفظها أهلها كلما أودعوها علمًا جديدًا، وفكرة جديدة، ومصطلحًا جديدًا، واكتشافًا جديدًا، وما أحوج العربية اليوم إلى هذا النوع من الوفاء: وفاءٍ لا يكتفي بأن يفخر بما حمله هذا اللسان في القرون الماضية، بل يجتهد في أن يجعله جديرًا بحمل ما ستنتجه القرون القادمة!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (2)

د. فتحي ملكاوي
منذ يوم

وأقدّر في القراءة، بوجه خاص، أنها لم تتعامل مع أفكار الكتاب بوصفها نتائج مكتملة، وإنما حاورتها، وامتدت بها إلى أسئلة تتجاوز ما جاء فيه. ومن أهم ذلك سؤال الانتقال من تشخيص واقع العربية وتحدياتها إلى مشروع تنفيذي جامع يحدد الأولويات والمسؤوليات والمؤشرات، وينقل المعرفة من المؤتمرات والمجامع إلى المدرسة والجامعة والإعلام والسوق والمنصة الرقمية. وهذا النوع من القراءة هو ما يحتاج إليه المؤلف؛ لأنه لا يكرر عليه ما كتب، بل يساعده على رؤية ما وراء ما كتب، وما كان ينبغي أن يُستكمل أو يمتد إلى آفاق أخرى. وكان من أجمل ما في القراءة أيضًا أنها لم تفصل الكتاب عن الخلفية العلمية والعملية لمؤلفه، وإنما قرأت اهتمامه بالعربية في ضوء تجربته في العلوم الطبيعية، والتربية، وفلسفة العلم، والمناهج، والبحث والنشر والعمل الفكري والمؤسسي. وقد أضاء هذا الربط لي شخصيًا جوانب في مسيرتي ربما لا ينتبه إليها صاحب التجربة وهو يعيش تفاصيلها؛ إذ يرى القارئ المتأمل أحيانًا من وحدة المسار وصلاته ما لا يراه صاحبه. لهذا كله فإن شكري للأستاذ الدكتور وصفي عاشور لا يتجه إلى ما تضمنته قراءته من ثناء كريم فحسب، وإنما يتجه قبل ذلك إلى جدّيّة القراءة، وعمق الحوار، وأمانة النقد، وحسن الاستيعاب. فالكتاب يكتسب حياة جديدة حين يجد قارئًا لا يكتفي باستقباله، بل يحاوره ويضيف إليه. شكرًا للدكتور وصفي على هذه التحية التي كانت أحسن من تحيتي، وشكرًا لمجلة المجتمع التي أتاحت للكتاب وقراءته وهذا الحوار حولهما أن يصل إلى قرائها. ولعل أجمل ما يرجوه مؤلف لكتابه أن يكون بداية حوار، لا نهاية كلام. فتحي حسن ملكاوي 12 ربيع الثاني 1448 (23/ 9/ 2026)


د. فتحي ملكاوي
منذ يوم

تحيةٌ جاء ردّها بأحسن منها حين أرسلت إلى أخي العزيز الأستاذ الدكتور وصفي عاشور أبو زيد نسخة من كتابي: "مع اللسان العربي: حصاد عقدين في عضوية المجمع"، كنت أعدُّ ذلك تحيةً ومودةً بين صديقين تجمعهما هموم الفكر والثقافة وقضايا الأمة. وقد فاجأني الدكتور وصفي بأن ردَّ التحية لم يكن كلمة شكر عابرة، وإنما قراءة موسعة للكتاب، نشرها في مجلة المجتمع (مجلة المسلمين حول العالم). وقال لي إنه أراد بذلك أن يعمل بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾. وأشهد أن ردَّه كان أحسن من التحية؛ فقد كانت تحيتي كتابًا أرسلته إليه، أما تحيّته فكانت أن أعاد إليَّ الكتاب مقروءًا بعين عالم، ومصحوبًا بفكره وأسئلته وتأملاته. وقد سرَّني في هذه القراءة أنها لم تقف عند التعريف بالكتاب أو تلخيص فصوله وموضوعاته، على أهمية ذلك، وإنما اجتهدَتْ في الكشف عن الفكرة الناظمة التي تجمع موضوعاته المتنوعة، فرأت قضية اللسان العربي في سياق الهوية والفكر والمعرفة والتعليم والحضور الحضاري والتحول الرقمي، والتقطت السؤال الذي يجمع هذه الموضوعات: كيف تظل العربية لسان أمة حية قادرة على التفكير والإنتاج والمشاركة في صناعة المستقبل؟


تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة