اليوم العالمي للغة العربية

اللغة.. الحارس الأمين للهوية والتراث

د. خالد فهمي

16 ديسمبر 2025

235

ثمة اتفاق يرقى إلى حد الإجماع على أن اللغة هي التي تؤسس الذات وتبنيها، وفي هذا السياق يقول جون جوزيف: «تعد الذات تشكلاً أو بناء اجتماعياً يقوم على اللغة» (اللغة والهوية، ص12).

ومن المفيد أن نبدأ فنقرر أن «الهوية هي الكلمة العادية التي ترمز إلى معنى ماهية الناس»، كما قرر جون جوزيف (ص14)، وهو مفهوم مستقر لدى كل الذين فحصوه من علماء اللسانيات الاجتماعية والفلاسفة وعلماء السياسة وغيرهم، وقد ارتقى هذا الموضوع ليكون قانوناً يعرف باسم قانون الهوية، يقول د. حسن حنفي: «الهوية موضوع فلسفي بالأصالة.. حولوه إلى قانون (هو) قانون الهوية» (الهوية، ص 9).

اللغة وإن كانت نظاماً من الرموز الصوتية والخطية فهي أساس المعرفة وصانعة الوعي والإدراك

أما اللغة وإن كانت نظاماً من الإشارات والرموز الصوتية والخطية فهي أساس المعرفة، وصانعة الوعي والإدراك.

والحقيقة أن الحقول المعرفية التي تنهض بفحص اللغة والهوية تقرر أنهما مفهومان وموضوعان متآخذان ومتعالقان، يتأسس ثانيهما -وهو الهوية- على أولهما -وهو اللغة- تأسساً حقيقياً لا مجاز فيه.

اللغة والهوية.. خطاب المرجعية المؤسسة

إن فحص الكتاب العزيز –ولا سيما في قصة الخلق الإنساني- يُبرز حزمة حقائق تكشف عن تصور المرجعية الحاكمة للعقل للمسلم لعلاقة اللغة بالهوية.

إن القرآن الكريم يشير بوضوح شديد إلى أن اللغة مثلت في النسق الإسلامي شرطاً جوهرياً مؤسساً للعمران البشري، عندما أعلن الكتاب العزيز أن الله تعالى علَّم آدم الأسماء كلها قبل هبوطه إلى الأرض وتكليفه بعمرانها، يقول تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا) (البقرة: 31).

النموذج المعرفي الإسلامي ينظر إلى اللغة على أنها أساس من أسس الوجود والعمران البشري

وقد كان ذلك قبل إقرار المشيئة الإلهية هبوط آدم إلى الأرض ونزول نسخ الوحي المتعاقبة التي هي في أصلها خطابات لغوية، يقول تعالى: (قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ) (البقرة 38).

ومن هذا الفحص والتأمل يظهر لنا أن النموذج المعرفي الإسلامي ينظر إلى اللغة على أنها أساس من أسس الوجود والعمران البشري الذي لا يمكن تصور ماهية الإنسان بدون استدعائها.

اللغة والحراسة الأمينة للهوية والتراث

استقر أن الحضارة العربية الإسلامية تأسست على عمادين أو أساسيين ثابتين، هما:

أولاً: الوحي؛ وهو كلام الله، وكلام المصطفى الشارح لكلام الله سبحانه، وقد نهض هذا الوحي بإعادة بناء العقل العربي من جديد من طريق مادة ما حمله اللسان، وتحرك به الوحي الكريم.

ثانياً: عمل الإنسان اليدوي؛ وقد استطاع الوحي بما هو كلام الله تعالى خلق إنسان جديد يتعبد لله تعالى بعمل يده بموجب أن الله تعالى كلف الإنسان المسلم بعمران الوجود، عندما قال سبحانه: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) (هود: 61).

اللغة وحراسة الهوية

تمثلت حراسة اللغة للهوية في عدد من المسارات الواضحة التي يمكن إجمالها فيما يأتي:

  • أولاً: مسار تأسيس قطاع من المصطلحات والمفاهيم الاعتقادية التي انتقلت بالإنسان من حياة وثنية إلى حياة توحيدية تبني إنساناً جديداً وفق مقاصد التزكية وتوجهه نحو العمران.
  • ثانياً: تأسيس قطاع من المصطلحات والمفاهيم التعبدية/الفقهية التي كان من شأنها ضبط حركة المسلم في الواقع العملي على قاعدة ابتغاء مرضاة الله تعالى.

الكتاب في الحضارة العربية الإسلامية يحتل مكانة مقدسة حتى إنها سُميت باسم «حضارة الكتاب»

  • ثالثاً: تأسيس قطاع من المصطلحات والمفاهيم الأخلاقية التي تهدف إلى تزكية الإنسان، والانتقال به من حالة التوحش غير الإنساني إلى التأنس الإنساني الذي يتحقق فيه للإنسان الارتقاء إلى تحصيل الإنسانية الرحيمة النافعة.

وبهذا استطاعت اللغة العربية –بكونها المادة الحاملة للوحي– أن تقدم للعالم مثالاً إنسانياً فريداً ومائزاً ومختلفاً عن بقية النماذج البشرية في العالم بسبب من تكوينه المعرفي الأخلاقي الذي صنعته اللغة.

اللغة وحراسة التراث

احتلت الكلمة والكتاب مكانة مرموقة في تاريخ الحضارة العربية الإسلامية، لدرجة حملت آدم جاسك في كتابه «تقاليد المخطوط العربي» (1/ 10) على أن يقرر أن الكتاب في الحضارة العربية الإسلامية يحتل مكانة قد تصل إلى القداسة، حتى إنه سمى حضارة العرب المسلمين باسم «حضارة الكتاب».

وقد تمثلت حراسة اللغة العربية للتراث الإنساني في مسارات متنوعة يمكن إجمالها فيما يأتي:

  • أولاً: حماية التراث الإنساني كله بما ترجمه العرب إلى اللغة العربية من تراث الإغريق وغيرهم حتى كان ما ترجمه إلى اللسان العربي منه هو المادة التي اعتمدت عليها أوروبا عندما عادت وأسست لنهضتها الحديثة مع القرن السابع عشر وما بعده.
  • ثانياً: التوسع في التصنيف في الحقول المعرفية المتنوعة من بوابات التعبد لله تعالى، وقد استطاعت اللغة العربية حماية الذاكرة الإنسانية بما دونته من معارف وعلوم، وفق أنساق تأليفية متنوعة هدفت إلى رعاية قطاعات كثيرة من أنواع المستعملين الموزعين على طوائف المبتدئين والمتوسطين والمنتهين من المشتغلين بالعلم وطلابه.

مع رعاية غايات ووظائف متنوعة موزعة على خدمة غايات جمع العلوم، ورسم خرائطها الإجمالية (بالمتون)، وتفصيل مسائل العلوم وشرحها (بالشروح)، وتعميق ما غمض من هذه المسائل (بالحواشي والتقارير)، وتيسير الاسترجاع من بعد تيسيرها للحفظ (بالمنظومات) إلى غير ذلك من أنساق التأليف.

اللسان العربي استطاع حفظ العقل والضمير العربي المسلم ويتحرك على امتداد تاريخه حارساً ماهيته وتراثه

  • ثالثاً: التوسع في أشكال التدوين، وتحسين وسائل التدوين وتطوير أنظمة الكتابة والإملاء، وإدخال الإصلاحات المتعاقبة عليها.

رابعاً: حصار عيوب الكتابة بدراسة التصحيف والتحريف وأخطاء الكتابة، إن من طريق التأليف في هذه القضية وبيان أسباب وقوعها، وإن من طريق بيان آليات علاجها والتوقي منها.

اللغة وحراسة الهوية والتراث.. قراءة في الأدبيات

تنبه علماء اللغة وعلماء الفلسفة والسياسة إلى خطر هذه العلاقة المهمة بين اللغة والهوية، بوصف اللغة صانعة وحارسة للهوية وحارسة لمادة التراث الذي يشكل العقل والضمير العربي الإسلامي، ومن أشهر الأدبيات الدالة على هذا الوعي:

  • أولاً: «اللغة والهوية» لجون جوزيف، الذي ترجمه د. عبدالنور الخراقي.
  • ثانياً: «اللغة والهوية.. أنا والآخر والسيادة الوطنية» للدكتور محمد محمد داود.
  • ثالثاً: «اللغة والهوية في الوطن العربي.. إشكاليات تاريخية وثقافية وسياسية» لمجموعة من المؤلفين.
  • رابعاً: «اللغة والدين والهوية» للدكتور عبدالعلي الودغيري.

وقد حرصنا في هذه العينة المختارة على أن نشير إلى أن هذه القضية تمثل مشغلة قطاعات فكرية متنوعة في الوطن العربي، وتتوزع خدمتها على علماء المشرق والمغرب العربيين معاً، كما تنوع منظورات خدمتها بحيث تتوزع على المنظور الديني، والمنظور اللغوي، والمنظور السياسي والحضاري.

إن الظاهر جداً هو أن اللسان العربي استطاع أن يحفظ العقل والضمير العربي المسلم، وأن يتحرك على امتداد تاريخه حاملا وظيفة حراسة ماهية الإنسان العربي المسلم، وأن يحرس تراثه على امتداد العصور بصور ووجوه متنوعة.

اقرأ أيضاً:

الأثر الخالد.. القرآن الكريم حارس العربية وسيد بلاغتها

 -« العربية» في المؤسسات الأكاديمية.. تشخيص الواقع ومفاتيح النهوض

بين البلاغة والفصاحة.. جدل الائتلاف والاختلاف

هل تتعارض عروبة القرآن مع عالمية الإسلام؟

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة