أزمة المرجعية الدينية في زمن المؤثرين

د. محمد السبأ

27 أكتوبر 2026

147

أزمة المرجعية الدينية في زمن المؤثرين

يشهد المجتمع المسلم اليوم تحوّلًا كبيرًا في طرائق تلقي المعرفة الدينية؛ فلم تعد المنابر الوعظية والعلمية والمؤسسات الشرعية والعلماء المتخصصون المصادر الوحيدة التي يرجع إليها الناس في فهم الدين، بل أصبح المؤثرون في منصات التواصل الاجتماعي يؤدون دورًا متزايدًا في تشكيل التصورات الدينية، وتوجيه السلوك، وصناعة المواقف تجاه القضايا الشرعية والفكرية.

ورغم ما في هذا التحوُّل من إيجابية متمثِّلة في انتشار العلوم الدينية والمفاهيم الشرعية، ووصولها إلى مختلف الفئات والشرائح العمرية؛ فإنه في الوقت نفسه يمثِّل تحديًا خطيرًا، إذ يتصدَّر غير المؤهَّل للفتوى، ويتحدث فيما يعرف وما لا يعرف، ويقدِّم محتواه للجمهور في شكل مقاطع قصيرة، يكون فيها التركيز على الشهرة والتفاعل الجماهيري.

وهنا تبرز أهمية هذا الموضوع، الذي يلفت النظر إلى الاهتمام بالمصدر الذي يُستمد منه فهم الدين، والمعايير التي نميز بها بين العالِم المؤهَّل وصانع المحتوى.

المرجعية الدينية.. بين الوحي والعلم والشهرة

من أخطر التحديات اليوم أن تتحول الشهرة إلى معيار للثقة الدينية، وأن يُقدَّم صاحب المتابعة الواسعة على العالِم المتخصص، أو يُعامل الرأي الشخصي باعتباره حكمًا شرعيًا، وهنا لا بد أن نميز بين مصدر الدين (القرآن والسُّنة الصحيحة)، والمرجع العلمي (العالِم الكفء الثقة)، والوسيط الإعلامي (المؤثر والمشهور وصانع المحتوى)

فالله تعالى أوصانا بقوله (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)؛ وعموم هذه الآية فيها مدح أهل العلم، فإن الله أمر من لا يعلم بالرجوع إليهم في جميع الحوادث، وفي ضمنه تعديل لأهل العلم وتزكية لهم حيث أمر بسؤالهم، وأن بذلك يخرج الجاهل من التبعة، فدل على أن الله ائتمنهم على وحيه وتنزيله، وأنهم مأمورون بتزكية أنفسهم، والاتصاف بصفات الكمال(1).

وقال تعالى: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، فمسؤولية المعرفة تشمل التلقي والنقل والتأثير في الآخرين، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُهُ منَ النَّاسِ، ولَكن يقبضُ العلمَ بقبضِ العُلماءِ، حتَّى إذا لم يترُك عالمًا اتَّخذَ النَّاسُ رؤوسًا جُهَّالًا، فسُئِلوا فأفتوا بغيرِ عِلمٍ فضلُّوا وأضلُّوا»(2)، وتزداد أهمية هذا التحذير عندما تمنح المنصات الرقمية بعض الأشخاص حضورًا واسعًا من دون أن تتحقق من كفاءتهم العلمية.

وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يختار من أصحابه مَن يبعثه للتعليم، أو يتولى القضاء، أو يعلِّم الناس القرآن الكريم، مراعيًا في ذلك علم كلٍّ منهم، وكفاءته، وقدرته على أداء المهمة الموكلة إليه، ومن الأمثلة البارزة على ذلك بعثُ معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن، وتوجيهُه إلى أصول الدعوة، ومراعاة التدرج في تعليم الناس أمور دينهم.

التثبت من المحتوى الديني ومواجهة التضليل والشائعات

ينتشر المحتوى اليوم بسرعة فائقة، وهذه السرعة قد تجعل الخطأ واسع الانتشار قبل اكتشافه، وحتى بعد اكتشافه؛ ماذا عساك أن تفعل إلَّا أن تحاول البيان بقدر استطاعتك، فقد يُنسب إلى الدين ما ليس منه، وقد تُفسَّر نصوصه بغير ما تحمله أو تدل عليه حقًا، وهكذا.

وهذا يحتِّم على المرء المسلم بناء المرجعية الدينية الصحيحة، التي تقتضي الانتقال من ثقافة مجرَّد التلقِّي إلى ثقافة التثبُّت من المصدر وفهم السياق ومعرفة درجة الدليل، والله تعالى يقول: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) (النساء: 83)؛ يَسْتَخْرِجُونَهُ وَهُمُ الْعُلَمَاءُ، أَيْ: عَلِمُوا مَا يَنْبَغِي أَنْ يُكْتَمَ وَمَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْشَى(3).

فليست كل معلومة صالحة للنشر، وقد يستخف بعض الناس بإعادة نشر كلام أو اتهام أو معلومة، بينما تكون عواقبها عظيمة في حق الأفراد والمجتمعات، ولهذا أنزل الله في حادثة «الإفك» آيات تعالج خطورة تلقِّي الأخبار وتناقلها دون بيِّنة (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور: 15).

أخلاقيات التأثير الديني بين الإخلاص والشهرة والمسؤولية

تتشكَّل الشهرة في البيئة الرقمية بفعل الخوارزميات والإثارة والاستقطاب وسرعة الانتشار، بغض النظر عن المحتوى والموضوع والمجال والمعرفة، وهنا قد يجد صانع المحتوى نفسه أمام إغراء الدخول في مجال الدين، خصوصًا إذا رأى محفزًا لذلك من زيادة شهرة أو زيادة متابعين وما شابه، وتكون الأولوية لجذب الانتباه على حساب الدقة والعدل والإنصاف.

وإزاء ذلك لا بد من ضوابط شرعية وأخلاقية تحكم المحتوى ومَن يقدِّمه، حتى يمكن للمؤثِّر أن يستخدم المنصة الرقمية لنفع الناس دون أن تتحول صناعة التأثير إلى صناعة للذات من خلال استغلال الدين أو التلاعب بنصوصه، وهذا الأمر يعود إلى المؤثِّر ذاته، إن كان ممن يخافون على أنفسهم نتائج إغواء الآخرين أو تأثرهم سلبًا بما ينشرون، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «ومَن كان يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فليَقُلْ خَيرًا أو ليَصمُتْ»(4).

فالكلام المنشور لا يفقد مسؤوليته الأخلاقية لمجرد أنه قيل في منصة رقمية؛ إذ التعليق والمنشور والمقطع كلها صور من القول الذي ينبغي أن يخضع لمعيار الخير والصدق، وينبغي التمييز بين مؤشرات الانتشار الرقمية وجودة العمل الدعوي وأثره الأخلاقي والعلمي، ونتائجه على المجتمع.

بناء منظومة متكاملة للمرجعية الدينية في العصر الرقمي

مطالبة الجمهور بعدم الانسياق وراء المؤثرين مهم، كما هو التحذير من الفتاوى التي ينشرها المؤثرون أو المنصات الرقمية دون تثبُّت، ومع ذلك لا بد من تقديم بديل عملي يجمع بين أصالة المرجعية الشرعية وجودة التواصل الرقمي وسهولة وصول المعرفة الموثوقة، وتوظيف مختلف المنصات لنشر العلم الصحيح بالأصول الصحيحة، وربط الناس بالعلماء والمؤسسات العلمية المُعتبرة، وتعزيز القدرة على التمييز بين الفتوى الموثوقة والرأي الشخصي والمحتوى الإعلامي، دون أن نخضِع المعرفة الشرعية لمتطلبات الشهرة والخوارزميات.

ويقتضي ذلك بناء شراكة بين العلماء، والمؤسسات الدينية والتعليمية، وصُنَّاع المحتوى، ومستخدمي المنصات، فالعالم يقدِّم التأصيل العلمي، والمتخصص الإعلامي يُحسِن العرض، والمتخصص التقني يساعد في إيصال المحتوى، والمتلقي يشارك في التحقق والنشر المسؤول، انطلاقًا من التوجيه الرباني: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) (آل عمران: 104).

ويستشعر الجميع هذه الخيرية ومبلغ نتائجها وآثارها «مَن دَلَّ على خَيرٍ فله مِثلُ أجرِ فاعِلِه»(5)، فنشر الدين يحتاج إلى كفاءات متعددة، وإلى حسن اختيار المعلّمين، وتنسيق الجهود، ومراعاة أحوال الجمهور، والحل المستدام يجمع بين الوعي النقدي، والمحتوى الجيد، وسهولة الوصول إلى مصادر العلم المُعتبرة.

الهوامش
  • 1 تفسير السعدي، تيسير الكريم الرحمن، تحقيق: عبدالرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ/ 2000م، ص441.
  • 2 رواه البخاري (100)، ومسلم (2673).
  • 3 مختصر تفسير البغوي، معالم التنزيل، عبدالله بن أحمد بن علي الزيد، دار السلام للنشر والتوزيع – الرياض، ط1، 1416هـ، ج1، ص193.
  • 4 رواه البخاري (6138)، ومسلم (47).
  • 5 رواه مسلم (1893).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة