المستشار بجمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسُّنة بالأردن ماجد أبو غزالة في حوار مع «المجتمع»:
إبداعات القرآن في تخطي الأزمات.. الإخفاق الدراسي نموذجاً
نبه القرآن
الكريم في كثير من مواضعه إلى الانطلاق إلى الأمام وتخطي الأزمات والتحرر من ربقة
ولحظات الواقع الضيقة، فقال تعالى في كثير من المواضع: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا) (العنكبوت: 20).
إن مسألة التأمل
والعبرة واسعة ومجيدة في استحضارها، لكي تبعث الأمل في النفوس ولا تستغرق في
الماضي، بل تستخلص العبرة وتنهض لترسم مستقبلها.
فالوقوف عند
لحظة الضيق أو عدم تحقق المأمول، واسترجاع النظر في الماضي الموجع وجلد الذات،
يمرض النفس ويذهب بريقها، ويقطع الأمل ويصيب المستقبل بالغبش.
ومع ظهور نتائج
الشهادات الدراسية، الثانوية العامة نموذجاً، يصاب الطلاب وأسرهم عند عدم تحقق
المأمول بالإحباط، وكأن الدنيا قد انتهت، والأيام تعطلت، فلا مستقبل ولا حاضر إلا
الوقوف عند الواقع الذي نراه مؤلماً.
«المجتمع»
تواصلت مع المستشار الأكاديمي لجمعية الإعجاز العلمي للقرآن والسُّنة بالأردن ماجد
أبو غزالة؛ الذي قدم روشتة قرآنية جميلة نبه إليها القرآن في كثير من المواضع لكي
تقبل النفس على مستقبلها، ولا تبقى في دائرة ضيقة ليس لها هَمّ إلا التفكير في
واقع مأزوم وماضٍ يمرض النفس ويثبّطها.
- ربما
لم يمرّ أحد بضائقة أو أزمة كالتي عاشتها السيدة مريم، ومع ذلك كان الخطاب القرآني:
(فَكُلِي وَاشْرَبِي
وَقَرِّي عَيْناً) (مريم: 26)، ماذا تحمل لنا من رسائل إيجابية؟
- نعم، تتجلى
هذه الحكمة الربانية بأبهى صورها في قصة السيدة مريم عليها السلام؛ لتكون برهاناً
ساطعاً على أن تدبير الله للعبد محض رحمة وحكمة، حتى وإن بدا في عيون الخَلْق محنة
قاسية.
ونستفيد من هذه
العبرة أن اليقين بحتمية الفرج بعد الشدة، وأن أسباب الفرج والبدائل والفرص
الجديدة تولد في نفس اللحظة التي ولد فيها الضيق.
- (لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا
آتَاكُمْ) (الحديد: 23)، كيف نوازن بين الماضي والنظر في المستقبل في حياتنا عامة
والنتائج الدراسية خاصة؟
- يجب علينا
التسليم بالقدر، فهو يريح القلب من العتاب المستمر والندم الهدّام وتزكية النفس من
الكبر أو اليأس؛ لأن النجاح يحمي النفس من الغرور، والإخفاق يدرّبها على النهوض.
فالفرح المذموم
هو فرح البَطَر الذي يؤدي للغرور والركون إلى الراحة ونسيان فضل الله، أما الفرح
المحمود فهو شكر النعمة مع استمرار السعي، والتركيز على منطقة السعي لأن النتائج
بيده سبحانه، أما السعي والتخطيط بيدك.
- (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً) (الشرح: 5)، ماذا تحمل لنا هذه الآية من
التفاؤل وتخطي الشدائد؟
- تكرار الآية
في القرآن تأكيد إلهي قاطع بأن العسر محصور ومؤقت، بينما اليسر ممدود ومضاعف؛ لأن
واجب الوالدين نقل هذا التفاؤل واليقين باليسر للأبناء، بحيث يعرف الابن أهمية
الرضا والهدوء في مواجهة الخوف والقلق والفشل.
لذا، يجب تفكيك
وهْم الشدة الأبدية، فالشدة والعسر مهما عظما في عين الطالب (كصعوبة مادة، أو ضيق
وقت المذاكرة)، فهما كائنان مؤقتان ومحصوران، بينما فرج الله ورحمته واسعة وممتدة.
كما أوجه رسالة
مني لجميع طلاب العلم، عند الشعور بصعوبة المادة التي تعلمتها وستقدم فيها
الامتحان، تذكَّر أن الإدراك والفهم لمعرفة اليسر سيفتحهما الله عليك أثناء
محاولتك واستمرارك لمعرفة العسر.
فالمذاكرة هي
الأخذ بالأسباب، والفتح من الله، وهذا ما أسميه بإدارة التوتر بدلاً من القلق من: «ماذا
لو جاء الامتحان صعباً؟»، استبدل بذلك ترديد عبارة «إن جاء فيه عسر، فإن يسر الله
ومعيته ستحيطان بي».
- (وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ) (البقرة: 45)، كيف نوظّفها عملياً كطاقة
إيجابية في الصبر الإيجابي بلا ضجر أو قلق؟
- تعمل هذه
الآية على صناعة الحصانة النفسية للمؤمن، واختبارها العام مجرد محطة صغيرة في رحلة
حياة طويلة، وليست نهاية المطاف.
إن الدرجة في
الامتحان تحدد مستوى الحفظ أو الفهم لمادة معينة في تلك الساعة فقط، لكنها أبداً
لا تحدد قيمة الشخص، ولا ذكاءه، ولا مستقبله.
ففي الآية تدريب
عملي لإدارة أولويات الحياة من إدارة الوقت بصورة يومية وتقسيم المهام المطلوبة،
ويجب أن يدرك الطالب أن الدراسة ليست كل شيء، الحياة أوسع بكثير من مجرد شهادة
جامعية أو تخصص تقليدي.
- (إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ) (يوسف: 100)، ما الطريقة الصحيحة
لاستشعار ذلك في نتائج أعمالنا خاصة الدراسية منها؟
- عند ظهور
نتيجة غير مرضية (الإخفاق أو التعثر)، يجب علينا تقبل الواقع دون جلد الذات وتقبّل
أي نتيجة حدثت وانتهت، وأصبحت في الماضي واقعاً لا يمكن تغيره بالبكاء أو الندم.
التحليل المنطقي
ومراجعة ما حصل لمعرفة، هل كان التقصير في المذاكرة؟ أم في إدارة الوقت؟ أم في
أسلوب المذاكرة نفسه؟ تحويل المشاعر إلى خطة علاجية عمليّة.
فنحن نعيش اليوم
في عصر المهارات، والذكاء الاصطناعي، والتعلم الذاتي، والمرونة النفسية ما يصنع من
الطالب شخصية مبدع وقائد ورائد عمل لم يدخل التخصص الذي حلم به في صغره، لكنه تفوق
وصنع لنفسه مجداً في مسار آخر تماماً.

- (فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) (النساء: 94)، ماذا تحمل لنا هذه الآية
من بشرى وعدم اختزال الخير في مشهد واحد؟
- في علم النفس
وتعديل السلوك (ومنها تجربة مارشميلو ستانفورد الشهيرة)، يُجمع العلماء على أن
القدرة على ضبط النفس وتأجيل المكافأة العاجلة للحصول على مكافأة أكبر مستقبلاً المقياس
الأساسي والشرط الأول للنجاح، والذكاء العاطفي، والصحة النفسية على المدى الطويل.
فالآية تُربي
العقل البشري على الارتقاء برغباته وعدم حصره في المكاسب اللحظية الضيقة، بل توسيع
الأفق لرؤية المغانم الأكبر (النفسية والروحية والأخروية)، وهو عين التوازن النفسي
والسلوكي.
- (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (النور: 18)، تتكرر كثيراً في القرآن،
لكن ساعة وقوع الأزمة لا تتجلى الحكمة للجميع، كيف نفهمها ونتطلع لحكمة الله في
فهم وربط النهايات بالبدايات؟
- عند مواجهة
سؤال صعب يجب أن يدرك بأنه لا يتوقف عند هذا الخوف المسيطر عليه في هذه النقطة،
يجب أن يفكر بحكمة ربانية قرآنية في السر كي يطمئن القلب والعقل، ثم اترك السؤال
مؤقتاً وانتقل لسؤال الأسهل، ثم الانتقال للسهل كي يُنشّط الطالب الذاكرة ويجلب اليسر
الأول، ثم يعود عقلك للسؤال الصعب بتركيز أعلى وذهن صافٍ ليتحقق اليسر الثاني،
وهذه حكمة ربانية لأهل العلم وله حكمة في ذلك.
- (وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ) (الرعد: 8)، ماذا تحمل لنا هذه الآية من
الطمأنينة وترتيب المستقبل لنا بنظرة واسعة وليس وفق ضيق لحظتنا الراهنة؟
- نظام الكون
ليس فوضوياً، بل تسيره قوانين رياضية محكمة وضعتها إرادة حكيمة، فيتوجب على كل
طالب أن يتدبر عقليتين:
1- عقلية الندرة:
ترى أن الفرص والموارد محدودة جداً؛ ما يدفع صاحبها للصراع، والحرص الجشع،
والسطحية، والتوتر الدائم خوفاً من الفوات.
2- عقلية الوفرة:
ترى أن الفرص والإمكانات في هذا الكون واسعة ومتجددة؛ ما يورث الطمأنينة، والعمل
بعمق، والسلام الداخلي.
هنا نصل إلى
الذروة في الربط بين الآية والتعامل مع النتائج والامتحانات وفق المفهوم العلمي
(قانون السبب والنتيجة المتشابك) فالنتائج لا تأتي بالصدفة، بل هي محصلة لشبكة
معقدة من المقادير المتفاعلة في حياتنا اليومية، أهمها: مقدار جهدك، ومقدار تركيزك،
ومقدار ظروف الأسئلة، ومقدار حالتك الصحية وقت الامتحان.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً