نتائج الثانوية العامة.. فخاخ تقع فيها الأسرة سنوياً!
أعصاب مشدودة
وأذهان مشغولة، وأسر في انتظار رسم المستقبل لأبنائها، مع توالي ظهور نتيجة
الثانوية العامة، في عدد من البلدان العربية، التي سبقتها جهود غير مسبوقة،
واستنزاف لموارد مالية ونفسية هائلة في سبيل تعليم الأبناء.
ومع كل عام
تتكرر الأخطاء التي ما زالت فخاخاً منصوبة، حيث تحوّلت نتائج ودرجات المرحلة
الثانوية إلى مشانق للمستقبل ومحاكم للتفتيش عن سقطات وهنات الطلاب، الذين لا
يملكون من أمر النتائج شيئاً بعد استفراغ الجهد.
تتناسى الكثير
من الأسر أن هناك مواقع للقدر لا دخل للإنسان فيها، وأن ما لا ترجوه اليوم هو عين
الحقيقة مستقبلاً، حالة توفر العزم والصدق في توظيف النتائج مهما كانت غير مرضية
لنفوسنا.
«المجتمع»
تواصلت مع عدد من خبراء النفس والسلوك، لتفادي الوقوع في هذه الفخاخ مجدداً، وبناء
عملية معرفية جادة لقراءة المستقبل، وعدم الرضوخ للحظة راهنة تكلف الأسر سنوات
طويلة من الاحتراق النفسي وجلد الذات.
تقول الأكاديمية
القطرية، الاستشارية النفسية والتربوية، أمينة الهيل، لـ«المجتمع»: إن هناك فرقاً
بين التعليم والتربية، فالتربية أشمل وأعمق من التعليم، لأنها تشمل التعليم فهو
جزء منها.
وأوضحت أن
التربية فيها الإنساني، بينما التعليم مخطط له من قبل الدولة في فرض إستراتيجية
المنهج.
وأضافت أن
الثانوية ليست منتهى الحياة، بدليل أن هناك أشخاصاً تعليمهم متوسط أو فوق المتوسط،
لم ينجحوا في الالتحاق بالكليات العريقة كالطب والهندسة، ولكنهم ناجحون ومرموقون
في مجالات شتى في الحياة كالتجارة، وغيرها.
وواصلت، في
حديثها، أنه من خلال عملي وخبرتي، هناك بعض الأسر تقع في أخطاء تخالف رغبات
الأبناء، كتوجيههم للالتحاق بكليات لا توافق رغباتهم، وأن الأبناء يستجيبون للآباء
رضوخاً لهم وليس قناعة منهم، محذرة من الخلط بين الجانب الإنساني والجانب
الأكاديمي.
فخ ربط المستقبل بمجموع الدرجات
بينما أكدت
ياسمين الجيوسي، الأكاديمية الأردنية رئيسة جمعية تعزيز القيم، أنه يجب علينا أن
نفرّق بين التعليم الذي ينقل له المعلومات، والتربية التي تبني الإنسان الحقيقي
وتصنعه، وندرك أن التفوق الأكاديمي شيء، والنجاح العملي والابتكار شيء آخر قد لا
يُقاس بورقة امتحان، فالأسرة الواعية هي التي تحتفي بالجهد، لا بالرقم وحده، وتدرك
أن المستقبل أوسع من ورقة امتحان.
ونقلت الجيوسي
تجربتها الخاصة لـ«المجتمع» عن الوقوع في فخاخ الثانوية العامة قائلة: كنت كل يوم
وأنا أراقب ابني ذاهبًا إلى مدرسته خلال دراسته في الثانوية العامة يعتصر قلبي
شعور غريب مزيج من الفخر والقلق، أراه يجتهد تارة، وأتمنى له كل التوفيق، ويتراجع
بهمته تارة أخرى، فأشعر بالخوف عليه، لكنني في الوقت نفسه أجدني أحيانًا أقع -كأم-
في فخاخ لم أكن أنتبه إليها، حتى أدركت أنها قد تؤذيه أكثر مما تساعده، وتقع أسر
كثيرة في فخاخ تربوية متكررة -رغم حسن النية- تترك آثارًا نفسية عميقة في أبنائها،
مبينة أن الفخ الأول الذي وجدت نفسي فيه غالباً هو ربط مستقبل ابني كاملاً بمجموع
درجاته، وكأن الرقم أصبح المعيار الذي سيحدد مصيره بكل ما يحمله من موهبة وطموح
وشخصية.
أما الفخ الآخر،
فإننا نخلط أحيانًا بين تقييمه الدراسي وتقييمنا له كإنسان، فنشعر بالرضا أو القلق
عليه ككل، بناءً على درجة في اختبار، ونتناسى أن الدرجة تقيس مهارة في لحظة معينة،
لا تقيس قلبه ولا عقله ولا قيمته.
ونبهت الجيوسي
أنني تعلمت -وما زلت أتعلم- أن نتيجة الثانوية العامة مفتاح واحد من مفاتيح
النجاح، لا النجاح كله.
فخ ربط النجاح باجتياز الاختبار
فيما بيّن
الباحث العراقي والمختص في طب المجتمع عمر الأيوبي، أن تدرّج نظام التعليم في
بلداننا مِن النموذج القديم محاكياً نماذجَ التعليم في الدول المتقدّمة حتى انتهى
إلى الصورة التي هو عليها اليوم، وهي صورة التعليم الذي يدرّب الطالب على كيفية
اجتياز الاختبار بأقلّ الأخطاء، فصار الاختبار محور العمليّة التعليمية الحديثة.
ونبه الأيوبي
إلى أن هذا النموذج جعل الطالب وأسرته يعيشون في مكابدة نفسية، وضغط هائل، من أثر
الدراسة والاختبارات، وخصوصاً تلك الاختبارات المفصلية التي تحدّد مستقبل الطالب
أو اختياره لتخصّصه الجامعيّ، حيث تعيش الأسرة في جوّ متوتر يسلّط ضغطاً نفسياً
يبقى أثره لسنوات طوال.
وتابع قائلاً،
خلال حديثه لـ«المجتمع»: في الحقيقة، فإن هذا الضغط النفسي ناشئ من وهْم ربط
النجاح باجتياز الاختبار، وهذا ربط باطل لا حقيقة له في الحياة العمليّة.
وأشار إلى أن
الطالب يكتسب في دراسته مهارات اجتماعية، ويطوّر لباقة وظيفيّة أكبر بكثير من
مجرّد القدرة على اجتياز الاختبار، كما أنّ النجاح في الحياة العملية لا يرتبط
مطلقاً بنتيجة اختباره الذي أجراه قبل سنوات طوال.
ووجه الأيوبي
نصيحته للأسرة قائلاً: يجب أن تفهم الأسرة وتنقل هذا الفهم لأبنائها بأن الغرض
الرئيس من التعليم اكتساب المهارات الأساسيّة التي يواجه بها الطالب لاحقاً ظروف
حياته.
وأشار إلى أن
قصص النجاح كثيرة وأغلبها لا يرتبط بالضرورة بفكرة التفوّق الدراسي المحصور في
اجتياز الاختبار، وعلى أولياء الأمور أن يَعُوا هذا المعنى وينقلوه لأبنائهم
ليجنّبوهم خطر المشكلات النفسيّة والأزمات.
الوقوع في فخ كليات القمة
وفي حديثه لـ«المجتمع»،
أكد د. مجدي هلال، أستاذ الصحة النفسية بالجامعة الإسلامية، أن موسم الامتحانات
الممتد وخاصة الثانوية العامة وما يصاحبها من أجواء تصل في بعض الأُسر إلى حد
الاحتراق النفسي، وتلك حالة نفسية مرضية لها أعراضها ومظاهرها النفسية والعضوية وتداعياتها
على السلام النفسي والعلاقات الأُسرية وما تفرضه من حالة طوارئ في البيوت ذات
الترقب والتوتر المشوب بالوجع، والمضي قدماً بسلاسة ورضا إلى فخاخ منصوبة ومعلومة
سلفاً.
وحذّر هلال من
التأثر البالغ بحوارات الناس والأسر والإعلام التي صنعت من محطة أكاديمية عادية أو
إجراء تعليمي اعتيادي غولاً مرعباً في البيوت مُكلفاً نفسياً ومالياً وبدنياً
واجتماعياً قد يتحدد على أثره قيمة الأبناء ومصيرهم في أجواء وتداعيات الاختناق
الأُسري وويلات التعليم الموازي وعقدة كليات القمة والجامعات الخاصة، محذراً من
أنه حينها يتفتق داخل الأسرة صراع خفي رغم عمقه وتجذره بين رغبات الآباء وطموحاتهم
الاجتماعية وقدرات الأبناء ورؤيتهم لأنفسهم ومستقبلهم مما يسهم في:
1- إيجاد حالة
تصدع الوجدان داخل الأُسرة الواحدة.
2- بروز وهْم
ارتباط الحب الوالدي والأُسري بين الأبناء وآبائهم بالاستحقاق وبمجموع الدرجات.
3- إغفال تام
لتعدد الذكاءات وتنوع القدرات.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً