صيانة الميراث المعرفي
العلم أغلى من المال.. قصة عكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عن يَحْيَى بن مَعِينٍ قَالَ: مَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ،
وَعِكْرِمَةُ عَبْدٌ لَمْ يُعْتَقْ، فَبَاعَهُ عَلِيُّ بنُ عَبْدِ اللهِ، فَقِيْلَ
لَهُ: تَبِيْعُ عِلْمَ أَبِيْكَ؟! فَاسْتَرَدَّهُ.
ورَوَى
الوَاقِدِيُّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ بنِ أَبِي سَبْرَةَ، قَالَ: بَاعَ عَلِيُّ بنُ
عَبْدِ اللهِ بنِ عَبَّاسٍ عِكْرِمَةَ مِنْ خَالِدِ بنِ يَزِيْدَ بنِ مُعَاوِيَةَ
بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِيْنَارٍ، فَقَالَ لَهُ عِكْرِمَةُ: مَا خِيرَ لَكَ، بِعْتَ
عِلْمَ أَبِيْكَ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِيْنَارٍ؟! فَاسْتَقَالَهُ، فَأَقَالَهُ،
وَأَعْتَقَهُ(1).
تثير هذه
الرواية سؤالًا يتجاوز واقعة البيع والاسترداد: ما الذي يجعل الإنسان يدرك أن بعض
ما يملكه من أسباب الخير أعظم قيمة من المال الذي يمكن أن يحصل عليه في مقابله؟
لقد انتقل النظر
في هذا الخبر من عكرمة بوصفه مملوكًا في النظام الاجتماعي القائم آنذاك، إلى عكرمة
بوصفه حاملًا لعلم عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، وبين النظرتين تتجلى قضية
عميقة تتصل بمكانة العلم، وكرامة الإنسان، وصيانة الميراث المعرفي، والقدرة على
مراجعة القرارات.
كيف أعد ابن عباس عكرمة لإمامة التفسير؟
لا تُفهم دلالة
الموقف حتى تُعرف منزلة عكرمة العلمية؛ فهو أبو عبد الله عكرمة البربري، مولى عبد
الله بن عباس، وأحد أشهر تلاميذه، ومن أعلام التفسير في عصر التابعين.
وقد طال اتصاله
بابن عباس، حتى نقل ابن عساكر عنه قوله: «طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب
وابن عباس في الدار»(2).
هذه العبارة
تكشف عن تدرج علمي طويل، بدأ بالتلقي والملازمة، ثم بلغ مرحلة التأهل للفتيا في
حياة الأستاذ نفسه، ونقل الذهبي عن عكرمة أن ابن عباس قال له: «انطلق فأفت الناس
وأنا لك عون»(3).
إنها شهادة مهمة
في بناء العلماء؛ فالمعلم الكبير لم يجعل نجاح تلميذه تهديدًا لمنزلته، بل دفعه
إلى تحمل المسؤولية، ووعده بالمساندة، وهذه المنزلة لم تكن وليدة نسب رفيع أو ثروة
موروثة، وإنما جاءت نتيجة تعلم طويل، وملازمة لعالم كبير، وقدرة على حفظ العلم
وفهمه ونقله.
وهنا تظهر قضية
تربوية معاصرة: إن صناعة الكفاءات لا تبدأ من منح الألقاب والمناصب، بل من إعداد
الإنسان إعدادًا عميقًا، ثم إتاحة الفرصة له ليمارس ما تعلمه تحت إشراف أهل
الخبرة.
كيف يتقدم التقدير العلمي على المعاملات المالية؟
في الرواية
المختصرة لم يُوجَّه الاعتراض إلى أصل التصرف المالي، وإنما جاء الاستفهام: «تبيع
علم أبيك؟!»، وفي هذه الصياغة انتقال من النظر إلى الشخص باعتباره جزءًا من تركة
مادية، إلى النظر إليه باعتباره حاملًا لميراث علمي عظيم، فالعلم الذي نقله عكرمة
عن ابن عباس لم يكن مالًا مملوكًا لورثته، وإنما كان معرفة اكتسبها بالتعلم، وأصبح
مؤهلًا لنقلها إلى الآخرين.
وهذا المعنى
يتصل بقول الله تعالى: (يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:
11)، فالقرآن يجعل العلم من أسباب الرفعة، ويقرر ميزانًا للفضل يتجاوز
الاعتبارات الاجتماعية والمادية.
ومع ذلك، لا
ينبغي تحميل الرواية حكمًا فقهيًا لم تذكره؛ فلا يصح استنتاج أن بيع المملوك
العالم كان محرمًا لمجرد علمه، أو أن عتقه أصبح واجبًا بسبب منزلته العلمية.
وإنما يتجه
المعنى الأخلاقي إلى أن حق التصرف في الأموال، حيث يثبت شرعًا، لا يمنع صاحبه من
مراعاة المصالح الأوسع، وتقدير ما قد يترتب على قراره من آثار.
وفي واقع
المؤسسات اليوم قد يكون القرار المالي صحيحًا من حيث الإجراءات، لكنه ضعيف من حيث
المآلات؛ عندما يؤدي إلى التفريط في خبرة نادرة أو تعطيل مشروع علمي نافع.
الفرق بين الثمن المالي والقيمة المعنوية للعلم
يبرز في الرواية
المفصلة مبلغ أربعة آلاف دينار، وهو رقم لا يصح الجزم بوقوعه لضعف الطريق الذي ورد
به، غير أن ذكره يفتح بابًا للتأمل في الفرق بين الثمن المالي والقيمة المعنوية، فالأموال
تُقدّر بالأعداد والمقادير، أما العلم فتظهر قيمته في أثره، وما يحفظه من حقائق،
وما يفتحه للناس من أبواب الهداية والفهم، ولهذا لم تكن أهمية عكرمة مقصورة على
حفظه لما سمع، بل فيما استطاع أن ينقله إلى جيل واسع من التلاميذ.
وقد عبّر عكرمة
نفسه عن ثمن العلم بمعنى مختلف تمامًا؛ حيث إنه قال لمن سألوه عن ثمنه: «أن تضعه
عند من يحسن حفظه ولا يضيعه»(4)، وهنا يصبح ثمن العلم الحقيقي حسنَ
تلقيه، وصيانته، والعمل به، ونقله بأمانة.
وهذه الرؤية
تصحح مفهوم الاستثمار في التعليم؛ فليس النجاح في ارتفاع تكلفة البرامج أو كثرة
الشهادات، وإنما في مقدار ما يتحقق من فهم وإتقان ونفع.
كيف يسهم رفع العوائق في إطلاق الطاقات؟
تختم الرواية
المفصلة خبر عكرمة بقولها: «وأعتقه»، ومع عدم ثبوت هذا التفصيل من الطريق المذكور،
فإن العتق نفسه من الأعمال التي عظّمها الإسلام، وجعلها من أبواب البر والتكفير عن
بعض الذنوب، قال تعالى: (فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ {11} وَمَا
أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ {12} فَكُّ رَقَبَةٍ) (البلد).
وفي الحديث
الشريف عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النار»(5).
والتحرير في
مدلوله الشرعي هنا هو العتق الحقيقي من الرق، ولا ينبغي الخلط بينه وبين المعاني
المجازية المعاصرة، لكن يمكن استلهام معنى أوسع من صيانة الإنسان وتمكينه؛
فالمجتمعات تحتاج إلى إزالة العوائق التي تمنع أصحاب الكفاءات من التعلم والعمل
والإبداع، وقد تكون تلك العوائق فقرًا يحرم الطالب من التعليم، أو تمييزًا يضيق
الفرص، أو نظامًا إداريًا يهدر المهارات، فحين تُرفع هذه العوائق، تتاح للإنسان
فرصة أن يقدم من علمه وقدرته ما يعود بالنفع عليه وعلى مجتمعه.
كيف يحافظ الأبناء والطلاب على رسالة العلماء؟
يتكرر في
الروايتين التعبير عن علم عكرمة بأنه «علم أبيك»، وهذه العبارة تفتح بابًا مهمًا
في فهم الميراث المعنوي، فقد يترك العالم بعد رحيله كتبًا وتلاميذ وآثارًا علمية،
وهذه ليست جميعًا من قبيل الأموال التي تُقسم بين الورثة؛ إذ إن المعرفة التي
انتقلت إلى التلاميذ أصبحت جزءًا من التراث العلمي الذي ينتفع به الناس، وقد أخبر
النبي صلى الله عليه وسلم عن استمرار بعض آثار الإنسان بعد وفاته، فقال: «إذا مات
الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد
صالح يدعو له»(6)، ومن هنا فإن مسؤولية أبناء العلماء وطلابهم لا تقتصر
على حفظ الكتب والمخطوطات، بل تشمل العناية بتحقيقها ونشر الصحيح منها، وإكمال
المشاريع النافعة، وتيسير الوصول إلى المعرفة.
وفي المقابل،
ليس من الأمانة العلمية الدفاع عن كل قول تركه العالم لمجرد الانتساب إليه؛ فحفظ
العلم يقتضي التمييز بين الصواب والخطأ.
وهذا ما تحتاج
إليه المؤسسات التي تحمل أسماء المؤسسين والرواد؛ إذ قد يبقى الاسم حاضرًا، بينما
تضيع الرسالة التي أُنشئت المؤسسة من أجلها.
فالوفاء الحقيقي
لا يكون بالمبالغة في الاحتفاء بالماضي، بل بحفظ أصوله النافعة وتطوير وسائله بما
يلائم حاجات الحاضر.
كيف يكون المال وسيلة لتيسير طلب العلم؟
من أجمل
المفارقات أن الذهبي أورد في ترجمة عكرمة، قريبًا من خبر بيعه، موقفًا آخر لطاووس
بن كيسان، فقد ذكر أنه لما قدم عكرمة الجند، أهداه طاووس نجائب بستين دينارًا،
فلما استكثر بعض الناس هذه الهدية قال: أتروني لا أشتري علم ابن عباس بستين
دينارًا لعبد الله بن طاووس؟(7)، ففي الخبر الأول يظهر السؤال عن
التفريط في علم ابن عباس بالبيع، وفي الثاني يظهر الحرص على تحصيله بالبذل.
وبصرف النظر عن
تفاوت درجات ثبوت التفاصيل التاريخية، فإن المقابلة بين المعنيين لافتة؛ فالعلم
الذي قد يغفل بعض الناس عن قيمته هو نفسه الذي يسعى آخرون إلى الاقتراب من حملته
والانتفاع بهم.
وهذا لا يعني أن
العلم سلعة تملكها الأموال، وإنما أن المال قد يكون وسيلة لتيسير تحصيله، وقد قال
النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»(8)، فالعلم
النافع يقوم على سلسلة متصلة من التعلم والتعليم، وتحتاج هذه السلسلة إلى أهلية
المعلم، وجدية المتعلم، وحسن الرعاية والتقدير.
وفي واقعنا قد
تُستثمر موارد كبيرة في المباني والتجهيزات، بينما يُهمل إعداد المعلمين والباحثين،
والموقفان يذكراننا بأن الإنسان المؤهل هو الذي يمنح كثيرًا من تلك الموارد قيمتها
الحقيقية.
كيف نصون الكفاءات العلمية في مؤسساتنا اليوم؟
إذا تجاوزنا
تفاصيل الرواية المختلف في ثبوتها، بقي أمامنا سؤال عملي: كيف تتصرف الأسرة أو
المؤسسة عندما يكون لديها صاحب علم وخبرة قد لا تدرك تمامًا قيمته؟
إن أول الواجبات
هو معرفة الكفاءات وتقدير أثرها قبل أن يضيع الانتفاع بها، فالمعلم المتميز،
والباحث المتخصص، وصاحب الخبرة الطويلة، قد يمثل كل واحد منهم رصيدًا معرفيًا يصعب
تعويضه.
وليس المطلوب
الاحتفاظ بكل شخص مهما كانت كفاءته أو ظروف العمل، بل اتخاذ القرارات على أساس
عادل يجمع بين الأداء والأمانة والمصلحة العامة.
ثم يأتي واجب
نقل المعرفة؛ فلا ينبغي أن تبقى خبرة المؤسسة محصورة في أفراد معدودين، بل تُنقل
إلى الأجيال الجديدة عبر التعليم والتوثيق والتدريب والممارسة.
وأخيرًا، ينبغي
أن تبقى القرارات قابلة للمراجعة؛ فإذا ظهر أن إجراءً ما سيؤدي إلى إهدار منفعة
معتبرة، وجب إعادة النظر فيه وفق الحقوق والالتزامات القائمة.
بهذا الفهم
تتحول المؤسسات من أماكن تستهلك الخبرات إلى بيئات تحفظها وتنميها وتنقلها.
ومهما تكن درجة
ثبوت التفاصيل الواردة في خبر بيع عكرمة واسترداده، فإن المعنى الذي يثيره يظل
جديرًا بالتأمل في ضوء ما ثبت من منزلة العلم وأهله.
لقد أصبح عكرمة،
وهو مولى ابن عباس، واحدًا من الأسماء الكبرى في تاريخ التفسير، وشهد له علماء
عصره بسعة المعرفة، وانتقل ما حمله من العلم إلى أجيال من المحدثين والمفسرين.
وإذا كانت
الرواية تصور انتقال النظر إليه من مملوك يمكن التصرف فيه إلى عالم يحمل ميراث ابن
عباس، فإن الشواهد الصحيحة تقرر حقيقة أوسع: أن الإنسان يرتفع بإيمانه وعلمه
وعمله، وأن المعرفة النافعة من أعظم ما يبقى أثره بعد زوال المال.
وهنا تتحدد المسؤولية التي يحملها الآباء والمعلمون والقادة وأصحاب المؤسسات؛ ألا يجعلوا المكاسب العاجلة تحجب عنهم قيمة الإنسان والعلم، وألا يتركوا ميراث الرواد يضيع بسبب سوء التقدير أو ضعف الرعاية، فالأموال تذهب إلى أصحابها ثم تفنى، أما العلم الذي يُحفظ ويُعلَّم ويُعمل به، فقد يستمر نفعه بعد رحيل حامليه بقرون.
الهوامش
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً