تكوين العلماء..
كيف يرفع العلم مكانة أهله؟ عكرمة مولى ابن عباس
أورد الذهبي، في
«سير أعلام النبلاء»، عَنْ عَبْدِالرَّحْمَنِ بنِ حَسَّانٍ قال: سَمِعْتُ
عِكْرِمَةَ(1)، يَقُوْلُ: طَلَبْتُ العِلْمَ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً،
وَكُنْت أُفْتِي بِالبَابِ، وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي الدَّارِ، وَرَوَى: الزُّبَيْرُ
بنُ الخِرِّيْتِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَضَعُ فِي
رِجْلِي الكَبْلَ عَلَى تَعَلِيْمِ القُرْآنِ وَالسُّنَنِ(2).
في هذين الخبرين
اللذين أوردهما الإمام الذهبي تتجلى جوانب من سيرة أحد أعلام التابعين؛ عكرمة أبي
عبد الله، مولى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، أربعون سنة من طلب العلم، وقيد
في الرجل أثناء التعلُّم، ثم مجلس للفتيا على باب واحد من أعظم علماء الصحابة.
غير أن قيمة هذه
السيرة لا تنحصر في غرابة القيد، ولا في طول سنوات الطلب، وإنما في رحلة بناء
العالم؛ كيف تتكون ملكته العلمية؟ ومتى يصبح مؤهلًا لتعليم الناس؟ وكيف يسهم
المعلم في صناعة من يحمل العلم بعده؟
كيف تجاوز عكرمة الفوارق الطبقية بالعلم؟
نشأ عكرمة في
بيئة القرن الأول الهجري، وكان بربري الأصل، مولى لابن عباس، ثم أصبح من أبرز
علماء التفسير ورواة الحديث، ولم تكن منزلته العلمية نابعة من نسب رفيع أو جاه
موروث، وإنما من التحصيل والملازمة والرواية، فقد وصفه الإمام الذهبي بأنه
«العلامة، الحافظ، المفسر»، وعدَّ في ترجمته عددًا كبيرًا من الصحابة والتابعين
الذين أخذ عنهم أو رووا عنه.
وتكشف سيرته عن
معنى قرآني عظيم، قال تعالى: (يَرْفَعِ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ) (المجادلة:
11)، ويشهد لهذا المعنى موقف الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما علم
أن نافع بن عبد الحارث استخلف على أهل مكة ابن أبزى، وهو من الموالي، فلما سأله عن
سبب اختياره أخبره بأنه قارئ لكتاب الله، عالم بالفرائض، فاستشهد عمر بقول النبي
صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا ويضع به آخرين»(3).
وليس المقصود أن
الفوارق الاجتماعية قد اختفت تاريخيًا، وإنما أن العلم أتاح لبعض من لم تكن لهم
مكانة موروثة أن يكتسبوا منزلة علمية رفيعة، وهذا المبدأ جدير بأن يحكم مؤسسات
التعليم والعمل اليوم؛ فلا تحجب الخلفية الاجتماعية موهبة، ولا يُقدَّم صاحب
الامتياز الموروث على صاحب الكفاءة.
كيف يتكون التخصص العلمي عبر الزمن؟
يقول عكرمة:
«طلبت العلم أربعين سنة»، إنها عبارة موجزة تكشف عن امتداد زمني طويل، وتضعنا أمام
حقيقة مهمة: التأهل العلمي العميق عملية تراكمية، وليس حدثًا سريعًا، فالعلم
الشرعي يحتاج إلى حفظ النصوص، وفهم دلالاتها، ومعرفة مواضع الاتفاق والخلاف،
والتمييز بين الروايات، ثم اكتساب القدرة على تنزيل الأحكام على الوقائع.
وقد ظهر أثر هذا
التكوين في شهادة العلماء لعكرمة؛ إذ قال الشعبي: «ما بقي أحد أعلم بكتاب الله من
عكرمة»(4)، وقال سفيان الثوري: «خذوا التفسير عن أربعة: عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وعكرمة، والضحاك»(5).
ولا يعني ذكر
الأربعين سنة أن عكرمة أمضاها كلها في تفرغ كامل، أو أن الفتيا لم تبدأ إلا بعد
انقضائها؛ فالخبر لا يحدد ذلك، وإنما يؤكد طول عهده بالتحصيل.
وفي زمن تختصر
فيه المعرفة أحيانًا في مقطع قصير أو دورة محدودة، تذكّرنا سيرته بأن سرعة الوصول
إلى المعلومة لا تعادل رسوخ الفهم، وأن كثرة المحفوظ لا تغني عن النضج العلمي.
هل القسوة سبب للنبوغ العلمي؟
يقول عكرمة في
الرواية الثانية: «كان ابن عباس يضع في رجلي الكبل على تعليم القرآن والسنن»، والكَبْل
هو القيد الذي توثَق به الرِّجل(6)، ومن ثم فنحن أمام خبر يصف إجراءً
شديدًا في سياق علاقة تاريخية كان عكرمة فيها مولى لابن عباس، لكن الأمانة العلمية
تقتضي التمييز بين وقوع الفعل، إن ثبت الخبر، وبين الحكم على دوافعه ونتائجه؛
فالرواية لا تبين مدة التقييد، ولا ظروفه التفصيلية، ولا الأثر النفسي الذي تركه
في عكرمة.
ولهذا لا يصح
الجزم بأن عكرمة استقبل القيد باعتباره تكريمًا، أو أن القيد كان السبب المباشر في
نبوغه، فضلًا عن اتخاذ الخبر دليلًا على مشروعية تقييد المتعلمين أو تعنيفهم، بل
إن الأصل النبوي في المعاملة والتربية هو الرفق؛ قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم: «إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف»(7).
ومع ذلك، يمكن
استحضار الخبر عند مناقشة قيمة الانضباط في تحصيل العلم، بشرط ألا نخلط بين
الانضباط المشروع والإكراه البدني.
فالانضباط الذي
يحتاجه طالب العلم اليوم يتمثل في تنظيم وقته، ومقاومة المشتتات، والالتزام
بالمراجعة، واحترام مسؤوليات التعلم، والمعلم الناجح لا يقيس قوة تربيته بمقدار ما
يفرضه من مشقة، بل بمقدار ما يبنيه من معرفة وإرادة واستقلال علمي، مع حفظ كرامة
المتعلم وحقوقه.
كيف يجهز المعلم تلميذه للقيادة العلمية؟
تبلغ السيرة
ذروتها في قول عكرمة: «وكنت أفتي بالباب، وابن عباس في الدار»، فالباب هنا ليس
مجرد موضع مكاني، وإنما علامة على انتقال التلميذ من التلقي إلى ممارسة المسؤولية
العلمية، ويزداد المعنى وضوحًا بما رواه يزيد النحوي عن عكرمة أن ابن عباس قال له:
«انطلق فأفت الناس وأنا لك عون»(8)، وهذه العبارة تكشف جانبين من
التربية العلمية: الإذن بالممارسة، واستمرار عون المعلم لتلميذه، فابن عباس لم
يحتكر الإجابة عن أسئلة الناس لنفسه، ولم يجعل مكانته العلمية عائقًا أمام ظهور
تلميذه، بل فتح له باب الانتفاع بعلمه.
وفي المؤسسات
المعاصرة يتجسد ذلك عندما يمنح المعلم طلابه المؤهلين فرصًا للتدريس، ويتيح
المسؤول لمساعديه ممارسة القرار ضمن حدود واضحة، دون أن يتخلى عن التوجيه
والمراجعة.
إن نجاح القائد
لا يقاس ببقاء الجميع محتاجين إليه، بل بقدرته على إعداد أشخاص يستطيعون حمل
المسؤولية بكفاءة وأمانة.
الإنصاف منهج لا مجاملة.. بين التوثيق والنقد في سيرة عكرمة
القراءة العلمية
لسيرة عكرمة لا تكتمل بذكر فضائله وحدها؛ فقد تضمنت كتب الرجال أقوالًا مختلفة
فيه، ولا سيما فيما نُسب إليه من آراء ومذاهب، وما قيل في بعض مروياته.
وقد عرض الذهبي
هذه الأخبار، كما نقل توثيق أئمة كبار له؛ ومن ذلك قول النسائي: «ثقة»، وقول
الإمام أحمد حين سئل عن الاحتجاج بحديث عكرمة: «نعم، يحتج به»، ونقل عن البخاري
قوله: «ليس أحد من أصحابنا إلا وهو يحتج بعكرمة»(9)، وهذه الأقوال لا
تلغي وجود النقد، لكنها تبين أن تقويم الراوي عند أئمة الحديث يقوم على فحص
الروايات وأحوال الرواة، وليس على الانطباعات وحدها.
وفي واقعنا
الفكري والإعلامي نحتاج إلى هذا المنهج؛ فلا تتحول محبة العالم إلى اعتقاد عصمته،
ولا يتحول وقوعه في خطأ إلى إهدار علمه كله، إن الإنصاف يحفظ للعالم فضله، ويترك
الباب مفتوحًا لنقد قوله بالدليل، دون تجريح أو تعصب.
كيف ننتقل من التلقي العلمي إلى صناعة القادة؟
تضعنا سيرة
عكرمة أمام ثلاثة معانٍ متكاملة: طول التكوين، وأهلية الممارسة، واستمرار نقل
العلم، فالأربعون سنة تذكر المربي بقيمة التراكم والصبر، والفتيا على الباب تكشف
أهمية انتقال المتعلم المؤهل إلى التطبيق، وتوجيه ابن عباس «وأنا لك عون» يبرز أن
الاستقلال لا يناقض استمرار الإرشاد.
كما أن مراجعة
العلماء لروايات عكرمة تؤكد أهمية التقييم العلمي المستمر، بينما تظهر رحلاته أن
العلم ينمو عندما ينتقل من صاحبه إلى الناس.
وليس المطلوب من
المعلم اليوم أن يستنسخ أساليب القرن الأول الهجري بحذافيرها، وإنما أن يستخلص
المقاصد النافعة الموافقة للأصول الشرعية: تأهيل جاد، ورحمة في التعليم، وفرص
ممارسة منضبطة، وتقويم علمي، وتوريث للمعرفة، فالمدرسة الناجحة لا تكتفي بإنتاج
متلقين جيدين، بل تؤهل بعضهم ليصبحوا معلمين وباحثين قادرين على حمل الأمانة.
وحين نتأمل
عكرمة مولى ابن عباس، نرى رجلًا امتد به طلب العلم عقودًا، وأصبح مرجعًا في
التفسير والحديث، وشهد له علماء عصره بالمعرفة، وانتفع الناس بما حمله من آثار
أستاذه.
وأعمق ما في هذه
السيرة ليس صورة الكَبْل في الرجل، بل صورة العلم الذي استقر في العقل، ثم خرج إلى
الناس تعليمًا وإفتاءً ورواية، فالقيد واقعة تاريخية تحتاج إلى فهم حذر، أما
الرسالة التربوية الأوسع فتتمثل في قيمة التعلم الطويل، وضرورة التأهيل قبل
التصدر، وأهمية أن يفسح العالم المجال لطلابه المؤهلين.
لقد كان عكرمة يومًا يتلقى العلم من ابن عباس، ثم أصبح هو نفسه مقصدًا للعلماء وطلاب المعرفة.
الهوامش
- 1 عِكْرِمَةُ أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّ مَوْلَاهُم، العَلَاّمَةُ، الحَافِظُ، المُفَسِّرُ، أَبُو عَبْدِ اللهِ القُرَشِيُّ مَوْلَاهُم، المَدَنِيُّ، البَرْبَرِيُّ الأَصْلِ، قِيْلَ: كَانَ لِحُصَيْنِ بنِ أَبِي الحُرِّ العَنْبَرِيِّ، فَوَهَبَهُ لابْنِ عَبَّاسٍ، حَدَّثَ عَنِ: ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَائِشَةَ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَابْنِ عُمَرَ، وغيرهم.، وحَدَّثَ عَنْهُ: إِبْرَاهِيْمُ النَّخَعِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ -وَمَاتَا قَبْلَهُ- وَعَمْرُو بنُ دِيْنَارٍ، وغيرهم، وعَنْ عَلِيِّ بنِ المَدِيْنِيِّ، قَالَ: مَاتَ عِكْرِمَة بِالمَدِيْنَةِ، سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمائَةٍ، وعَنِ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: مَاتَ كُثَيِّرٌ، وَعِكْرِمَةُ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَقَالَ نُوْحُ بنُ حَبِيْبٍ: مَاتَا فِي يَوْمٍ، فَقَالَ النَّاسُ: مَاتَ فَقِيْهُ النَّاسِ، وَشَاعِرُ النَّاسِ، سير أعلام النبلاء (5/ 12).
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 14).
- 3 صحيح مسلم (817).
- 4 البداية والنهاية (9/ 272).
- 5 حلية الأولياء (3/ 329).
- 6 مقاييس اللغة (5/ 155).
- 7 صحيح مسلم (2593).
- 8 تاريخ دمشق، ابن عساكر (41/ 83).
- 9 سير أعلام النبلاء (5/ 31).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً