فن التمييز بين الواجب وفضول الانشغال

فقه المسؤولية وتخفيف الأعباء.. وصية ابن عباس لعكرمة

رسم تصويري يجسد فقه المسئولية وتخفيف الأعباء من خلال توضيح ابن عباس لمولاه عكرمة القرشي

أورد الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، عن يَزِيد النَّحْوِيّ، عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ، قَالَ: انْطَلِقْ، فَأَفْتِ النَّاسَ، وَأَنَا لَكَ عَوْنٌ، قُلْتُ: لَوْ أَنَّ هَذَا النَّاسَ مِثْلُهُم مَرَّتَيْنِ، لأَفْتَيْتُهُم قَالَ: انْطَلِقْ، فَأَفْتِهِم، فَمَنْ جَاءكَ يَسْأَلُكَ عَمَّا يَعْنِيْهِ، فَأَفْتِهِ، وَمَنْ سَأَلَكَ عَمَّا لَا يَعْنِيْهِ، فَلَا تُفْتِهِ، فَإِنَّكَ تَطْرَحُ عَنْكَ ثُلُثَيْ مُؤْنَةِ النَّاسِ(1).

في هذا الحوار بين حَبْر الأمة عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وتلميذه عكرمة، تتجلى معالم مدرسة تربوية تجمع بين التأهيل العلمي، والتفويض المسؤول، وحسن إدارة الجهد، والتمييز بين الأسئلة النافعة وما لا طائل وراءه.

لقد كان عكرمة من كبار علماء التابعين، واشتهر بالتفسير ورواية الحديث، وتلقى عن ابن عباس وغيره من الصحابة، في عصر أخذت فيه مدارس العلم تتسع مع انتشار الإسلام وتزايد حاجات الناس إلى الفقه والفتوى.

كيف تبني القيادة العلمية صفاً ثانياً؟

أول ما يلفت النظر في الموقف أن ابن عباس لم ينتظر غيابه حتى يتصدر عكرمة للفتوى، وإنما أمره بممارستها في حياته، فقال: «انطلق، فأفت الناس»، وهذا توجيه يحمل معنى تربويًا يتجاوز مجرد الإذن بالإجابة؛ إذ يشير إلى أن المعلم لا يحقق رسالته بتكثير من يسمعون منه فحسب، وإنما بإعداد من يستطيعون حمل العلم إلى غيرهم.

ويؤكد هذا المعنى خبر آخر ثابت عن عكرمة، قال: «طلبت العلم أربعين سنة، وكنت أفتي بالباب، وابن عباس في الدار»(2)، فكان التلميذ يمارس الفتيا بالقرب من أستاذه، وهي صورة تجمع بين استقلال الممارسة وإمكان الرجوع إلى المرجع العلمي.

وقد شهد أهل العلم بعلم عكرمة؛ فقال جابر بن زيد، أبو الشعثاء، وهو يحث على سؤاله: «‌هَذَا ‌الْبَحْرُ ‌فَسَلُوهُ»(3)، وقال قتادة: «أعلم الناس بالحلال والحرام الحسن، وأعلمهم بالمناسك عطاء، وأعلمهم بالتفسير عكرمة»(4)، وهذا التأهيل هو الذي يعطي التفويض قيمته؛ فلا يكون مجرد إسناد مهمة إلى شخص، وإنما إظهارًا لكفاءة تحققت بالتعلم والخبرة.

وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري إلى اليمن، وأوصاهما بقوله: «يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تختلفا»(5)، فإسناد المسؤولية إلى المؤهلين، مصحوبًا بالتوجيه، من المعاني التي تظهر في التربية النبوية.

وفي واقع المؤسسات التعليمية والدعوية، لا يكفي أن يمتلك المعلم المعرفة؛ بل ينبغي أن ينشئ طلابًا قادرين على التفكير والتطبيق، وأن يفتح للمؤهلين منهم أبواب المشاركة تحت إشراف رشيد.

التفويض الناجح بين الاستقلالية والمساندة المستمرة

لم يقل ابن عباس لتلميذه: انطلق فأفت الناس، ثم تركه يواجه المسؤولية وحده، بل أضاف عبارة موجزة عظيمة الدلالة: «وأنا لك عون»، فالمعلم هنا لا يمنح المسؤولية فحسب، بل يعلن استعداده للمساندة، وهذا هو الفارق بين تفويض يراد به التخلص من الأعباء، وتفويض يراد به تنمية الكفاءات.

فالأول ينقل العمل إلى التلميذ دون ضمانات معرفية كافية، وأما الثاني فيمنحه مساحة للممارسة مع بقاء المعلم مرجعًا يرجع إليه عند الحاجة، ويذكرنا هذا المعنى بدعاء موسى عليه السلام: (وَاجْعَل لِّي وَزِيراً مِّنْ أَهْلِي {29} هَارُونَ أَخِي {30} اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي {31} وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي {32} كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيراً {33} وَنَذْكُرَكَ كَثِيراً {34} إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيراً) (طه)، فالمسؤوليات العظيمة تحتاج إلى التعاون وتوزيع الأعباء، ولا تنقص مكانة القائد بمشاركة غيره في أداء الرسالة.

ومن اللطيف أن ابن عباس قدَّم المساندة في أول الحديث، قبل توجيه عكرمة إلى منهج التعامل مع الأسئلة؛ وكأن البناء التربوي يتكامل فيه الدعم المعنوي والإرشاد العملي.

ولا يثبت الخبر أن عكرمة كان خائفًا أو مضطربًا، لكن العبارة نفسها تصلح أصلًا تربويًا في طمأنة المؤهل عند تكليفه بمسؤولية جديدة.

وفي واقع الأسرة والعمل والتعليم، يحتاج الأبناء والمتعلمون والعاملون إلى من يثق بقدراتهم، ويترك لهم مجالًا للتجربة، ويظل قريبًا منهم بالنصح والتصحيح.

ماذا تكشف إجابة عكرمة لشيخه ابن عباس؟

حين قال ابن عباس لتلميذه: انطلق فأفت الناس، أجابه عكرمة: «لو أن هذا الناس مثلهم مرتين، لأفتيتهم»، والأقرب إلى ظاهر العبارة أنها تدل على استعداد عكرمة للإجابة عن عدد أكبر من السائلين، لا على خوفه من مواجهة العدد الموجود.

وهذه ملاحظة مهمة؛ إذ لا ينبغي تحويل كل تردد مفترض أو تعبير عن القدرة إلى حالة نفسية محددة دون دليل، فالتلميذ هنا يظهر ثقة بعلمه، بينما يوجهه أستاذه إلى ما هو أبعد من الثقة: حسن استعمال القدرة العلمية، فليست كفاءة المفتي في كثرة ما يستطيع الإجابة عنه فحسب، وإنما في معرفة ما تستحقه الأسئلة من اهتمام، ومتى يكون الجواب نافعًا، ومتى يكون الإمساك عنه أولى.

كيف تفرق بين السؤال النافع والجدل؟

جاء توجيه ابن عباس بالغ الدقة: «فمن جاءك يسألك عما يعنيه فأفته، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تفته»، إنه لا يطالب تلميذه بتقليل العلم، وإنما بحسن توجيهه، فالأسئلة ليست سواء؛ منها ما يتعلق بعبادة أو معاملة أو حق أو مصلحة معتبرة، ومنها ما ينشأ عن الفضول المجرد أو الجدل العقيم أو تتبع ما لا ينبني عليه عمل ولا منفعة.

ويتصل هذا المعنى بالحديث الشريف: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»(6)، فترك ما لا يعني الإنسان ليس تابعًا لهواه الشخصي، وإنما لما يقتضيه الشرع من أداء الواجبات وترك المحرمات وفضول المباحات.

وهذا التفصيل يمنع إساءة استعمال توجيه ابن عباس؛ فالسؤال عن حقوق الناس أو مصالح المجتمع قد يكون واجبًا، ولو لم يتعلق بمصلحة السائل الخاصة.

وفي الواقع المعاصر، يحتاج المفتي والباحث والإعلامي إلى التمييز بين قضية تستحق التحقيق والنقاش، وسجال لا يزيد الناس إلا انشغالًا واضطرابًا.

طرق إدارة الأوقات والمسؤوليات دون استنزاف

تبلغ وصية ابن عباس ذروتها في قوله: «فإنك تطرح عنك ثلثي مؤنة الناس»، والمؤنة هي ما يتحمله الإنسان من كلفة وتعب ومشقة(7)، والتعبير بطرحها يصور الاستغناء عن عبء كان محمولًا، فيمنح المعنى قوة ووضوحًا، ولكن لا يصح تحويل هذه العبارة إلى إحصاء اجتماعي يقرر أن 66.7% من أسئلة الناس غير نافعة، أو أن العمل وفق الوصية يرفع الإنتاجية بنسبة محددة؛ فالنص لا يقدم بيانات إحصائية، ولا يبين دراسة لعدد الأسئلة وأنواعها، وإنما يحمل توجيهًا بليغًا إلى أن ترك ما لا ضرورة للاشتغال به يخفف كثيرًا من أعباء المسؤولية.

وقد جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال»(8)، ولا يشمل ذم كثرة السؤال الاستفسار المشروع من أجل التعلم أو إزالة الجهل، وإنما يدخل فيه من صور السؤال ما كان تكلفًا أو عبثًا أو إضرارًا.

ومن هنا يظهر أن حسن إدارة الوقت يبدأ من حسن اختيار ما يستحق الوقت، فمدير المؤسسة لا يلزمه الانشغال بكل تفصيل يمكن لغيره إنجازه، والعالم لا يلزمه الخوض في كل جدل، والمعلم لا ينبغي أن يجعل أسئلة التشويش تصرفه عن حاجات طلابه الحقيقية.

ضوابط السؤال الشرعي والمحظور

قد يظن بعض الناس أن وصية ابن عباس تدعو إلى تقليل الأسئلة بإطلاق، لكن النصوص الشرعية تفرق بين السؤال الذي يراد به التعلم والسؤال الذي لا ثمرة فيه، قال تعالى: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النحل: 43)، فالسؤال هنا طريق مشروع إلى المعرفة، وقد يكون واجبًا عند الحاجة إلى معرفة حكم يتوقف عليه أداء واجب شرعي.

وفي المقابل قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ) (المائدة: 101)، فقد ورد النهي في سياق أسئلة مخصوصة قد تؤدي إلى الحرج والتشديد، فلا يصح اتخاذه ذريعة لمنع البحث العلمي النافع.

ويتضح الفرق عندما يكون السؤال وسيلة للفهم والعمل، أو عندما يتحول إلى منافسة في الغرائب وإحراج المسؤولين عن الإجابة

وفي التعليم المعاصر، ليست القضية أن نمنع الطلاب من السؤال، بل أن نعلمهم بناء السؤال الجيد: ما القضية؟ وما وجه الحاجة إليها؟ وما المعلومات اللازمة لفهمها؟ وما الفائدة المتوقعة من الجواب؟ فجودة السؤال إحدى علامات نضج العقل، كما أن معرفة الوقت المناسب للتوقف عن الجدل من علامات الحكمة.

دور الإعلام المسؤول في ترشيد النقاشات

إذا كان المفتي في مجلس محدود يحتاج إلى التمييز بين الأسئلة، فإن الحاجة إلى ذلك أعظم في عصر تتدفق فيه الآراء والرسائل والأخبار دون توقف.

فقد أصبح بوسع سؤال عابر أو قضية هامشية أن تشغل ساعات من الحوار، وتستنزف اهتمام العلماء والمربين والإعلاميين، بينما تتراجع قضايا أكثر نفعًا وأشد اتصالًا بحياة الناس، وتوجيه ابن عباس إلى ترك ما لا يعني السائل يفتح بابًا للتفكير في مسؤولية القائمين على المعرفة عن توجيه الاهتمام العام، قال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) (النساء: 114).

ومن هنا تتضح قيمة الإعلام المسؤول؛ فهو لا يقيس نجاحه بكثرة الجدل الذي يثيره، وإنما بمقدار ما يقدم للناس من معرفة صحيحة، وفهم نافع، ونقاش منضبط، ولا يعني ذلك إهمال القضايا العامة أو إغلاق باب النقد، بل يعني تجنب إثارة الضوضاء على حساب الحقائق والأولويات.

وهكذا يجلي لنا الحوار الذي أورده الذهبي بين ابن عباس وعكرمة، درسًا عميقًا في بناء الإنسان وإدارة المعرفة، فابن عباس يأذن لتلميذه بالفتيا، ويعلن مساندته، ثم يرشده إلى التمييز بين السؤال النافع وما لا يعني صاحبه، وعكرمة يظهر استعدادًا علميًا للقيام بالمهمة، ثم تكشف سيرته عن منزلة رفيعة بلغها في التفسير والرواية.

وليس المقصود أن نستخرج من الخبر نظرية إدارية مكتملة، أو نسبة حسابية تصلح لكل عصر، وإنما أن نتأمل المعاني التربوية التي يتيحها النص في ضوء أصول الشرع وتجارب العلماء.

إن العالم الناجح لا يحتكر المعرفة، والقائد الرشيد لا يترك من يفوضه دون عون، وصاحب المسؤولية لا يجعل الاستجابة لكل مطلب معيارًا للإحسان، فليست الحكمة في أن يجيب الإنسان عن كل سؤال، ولا أن يتحمل كل عمل، وإنما في أن يعرف موضع جهده، وأن يؤدي ما يجب عليه، وأن يفسح المجال لمن يستطيع أن يحمل معه الأمانة.

وهكذا يتحول العلم من معرفة يحتفظ بها الفرد إلى مسؤولية يحملها جيل، وتتحول القيادة من صدارة شخصية إلى قدرة على صناعة المؤهلين.

الهوامش
  • 1 سير أعلام النبلاء (5/ 14).
  • 2 تهذيب الكمال (20/ 269).
  • 3 الطبقات الكبرى (5/ 288).
  • 4 تاريخ دمشق: ابن عساكر (41/ 89).
  • 5 صحيح البخاري (4344– 4345).
  • 6 سنن الترمذي (2317).
  • 7 التعريفات الفقهية، ص 191.
  • 8 متفق عليه، أخرجه البخاري (1477)، ومسلم (593).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة