لا محاباة في الحق ولا منّة في أدائه
القاسم بن محمد.. كيف أنصف خصمه دون أن يمنّ عليه؟
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، خبرًا عن القاسم بن محمد(1)؛ حيث قَالَ
مَالِكٌ: «وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ قَدْ وَلِيَ الْعَهْدَ قَبْلَ
ذَلِكَ، قَالَ: وَكَانَ الْقَاسِمُ قَلِيلَ الْحَدِيثِ، قَلِيلَ الْفُتْيَا،
وَكَانَ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّجُلِ الْمُدَارَاةُ فِي الشَّيْءِ،
فَيَقُولُ لَهُ الْقَاسِمُ: هَذَا الَّذِي تُرِيدُ أَنْ تُخَاصِمَنِي فِيهِ هُوَ
لَكَ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا، فَهُوَ لَكَ، فَخُذْهُ، وَلَا تَحْمَدْنِي فِيهِ،
وَإِنْ كَانَ لِي، فَأَنْتَ مِنْهُ فِي حِلٍّ، وَهُوَ لَكَ»(2).
نلتقي في هذا
الأثر بموقف يرسم معالم العدالة عند أحد كبار علماء المدينة المنورة في عصر
التابعين؛ فالرجل الذي وصفه مالك بقلة الفتيا لم يجعل علمه وسيلة للغلبة
والاستعلاء حين نازعه إنسان في حطام الدنيا، وإنما رد النزاع إلى ميزان دقيق يفرق
بين الواجب والفضل، إن كان الحق لخصمه فهو استحقاق خالص لا منة فيه، وإن كان الحق
لـ القاسم بن محمد فقد اختار إسقاطه برضاه التام.
يكشف هذا الموقف
عن أصل شرعي محكم؛ فالحق لا يتبدل بمكانة صاحبه، ولا يُمنح بالمحاباة، ولا يجوز
تحويل الواجب إلى فضل يتعالى به المؤدي على غيره، وتتجلى قيمة هذا المسلك في تحرير
الحقوق من سلطان النفوذ والجاه، وتجريد النفس من شهوة الانتصار والمغالبة في ساحات
الخصام.
لماذا تورع القاسم بن محمد عن التوسع في الفتوى؟
كان القاسم بن
محمد من فقهاء المدينة السبعة الذين جمعوا بين سعة الفقه والتحرز الشديد من التوسع
في الكلام، ولذلك وصفه مالك بأنه قليل الحديث قليل الفتيا، لا تعبر شهادة مالك عن
قصور في الرواية أو ضعف في الاستنباط، بل تكشف عن ورع يزن الكلمة بميزان الأمانة
الشرعية.
تتجلى أولى سمات
التجرد في ألا يتخذ العالم معرفته وسيلة لإثبات الحضور والمباهاة في المجالس؛
فالفتيا بيان لحكم الله وليست مجالاً للمجاملة أو استرضاء السائلين؛ قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، مَنْ عَلِمَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ
بِهِ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: اللهُ أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ العِلْمِ
أَنْ يَقُولَ لِمَا لاَ يَعْلَمُ: اللهُ أَعْلَمُ»(3).
ترتبط قلة
الفتيا عند أهل الرسوخ بتعظيم أمر الديانة، وإدراك ما يترتب على القول من التزامات
وحقوق شرعية واجبة؛ قال عقبة بن مسلم: « صَحِبْتُ ابْنَ عُمَرَ أَرْبَعَةً
وَثَلَاثِينَ شَهْرًا فَكَثِيرًا مَا كَانَ يُسْأَلُ فَيَقُولُ: «لَا أَدْرِي»
ثُمَّ يَلْتَفِتُ إِلَيَّ فَيَقُولُ: «تَدْرِي مَا يُرِيدُ هَؤُلَاءِ؟ يُرِيدُونَ
أَنْ يَجْعَلُوا ظُهُورَنَا جِسْرًا لَهُمْ إِلَى جَهَنَّمَ»(4)، فالفتوى
مسؤولية أخلاقية تقتضي الوقوف الصارم عند الدليل الثابت.
يحتاج الموجهون
والدعاة إلى هذا المنهج في عصر تتسابق فيه المنصات لإبداء الرأي في كل مسألة؛ إذ
إن مجاملة السائل بغير بينة تفريط في حق الشريعة وظلم للمستفتي، وتتحول المعرفة
إلى وسيلة إنصاف حين تنضبط بالدليل، وتصان عن الرغبة في التوسع وإرضاء الناس على
حساب الحقيقة.
لماذا لا يتأثر استحقاق الحق بمكانة صاحبه؟
بدأ القاسم بن
محمد حديثه مع خصمه بتقرير أصل الحق مجرداً، دون استعراض لمنزلته أو التوسل
بقرابته الشريفة لبيت الصديق؛ فقال لخصمه بوضوح: فإن كان حقاً فهو لك فخذه، تؤسس
هذه العبارة لتمايز حاسم بين أداء الواجب اللازم وبذل الفضل التطوعي، وتسقط
اعتبارات الأشخاص أمام قوة البرهان.
يثبت الحق
بأسبابه الشرعية المعتبرة، فلا يقوى لأن طالبه وجيه أو صاحب سلطان، ولا يضعف لأن
صاحبه فقير أو مستضعف لا يملك ظهيراً؛ أمر الله تعالى بهذا التجرد التام في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَىٰ أَنْفُسِكُمْ
أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) (النساء: 135).
أرسى النبي صلى
الله عليه وسلم مبدأ المساواة المطلقة أمام موازين القسط دون تمييز أو محاباة؛ إذ
خطب في الناس قائلاً: «إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا
إِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمُ الضَّعِيفُ
أَقَامُوا عَلَيْهِ الحَدَّ، وَايْمُ اللهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ
سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا»(5).
تظهر المحاباة
في الواقع حين يصبح القرب من صاحب القرار مسوغاً لتبديل الأحكام أو حرمان
المستحقين من حقوقهم الثابتة، بينما يقدم مسلك الإمام رؤية تحمي كرامة الإنسان؛
سار الصديق رضي الله عنه على هذا النهج قائلاً: «الضَّعِيفُ فِيكُمْ قَوِيٌّ
عِنْدِي حَتَّى أُرِيحَ عَلَيْهِ حَقَّهُ إِنْ شَاءَ اللهُ، وَالقَوِيُّ فِيكُمْ
ضَعِيفٌ عِنْدِي حَتَّى آخُذَ الحَقَّ مِنْهُ إِنْ شَاءَ اللهُ»(6).
لماذا لا يجوز الامتنان عند رد الحقوق؟
رفض القاسم بن
محمد أن ينال لنفسه فضلاً معنوياً عند تسليم الحق لصاحبه، فقطع كل سبيل للاستعلاء
أو طلب المديح بقوله الصريح: ولا تحمدني فيه، ينتقل الموقف هنا من تسوية نزاع مالي
إلى تهذيب عميق لعلاقة المؤدي بالمستحق، وتجريد النفس من حب الثناء على أداء
الواجبات.
يؤدي بعض الناس
ما عليهم من التزامات، لكنهم ينتظرون اعترافاً بالفضل وشكراً مضاعفاً، مما يولد
استعلاءً خفياً يشعر فيه صاحب الحق بالمهانة والدين المعنوي؛ راعى النبي صلى الله
عليه وسلم مشاعر أصحاب الحقوق وصان كرامتهم عند المطالبة؛ إذ قال لأصحابه حين هموا
بأعرابي أغلظ في القضاء: «دَعُوهُ، فَإِنَّ لِصَاحِبِ الحَقِّ مَقَالاً»(7).
لا ينافي هذا
المسلك مشروعية شكر المعروف بين الناس، وإنما يمنع تحويل الشكر إلى ثمن لاستيفاء
الحقوق الواجبة أو وسيلة للمن والأذى؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ) (البقرة: 264)، وإذا بطلت الصدقة
بالمن، فإن استيفاء الواجبات بالمن أعظم قبحاً.
تتجاوز هذه
الرؤية المعاملات المالية الفردية لتشمل مجالات الإدارة والوظيفة والتعليم؛
فالمسؤول الذي ينصف مرؤوسه يؤدي أمانة مجردة ولا يمنحه هبة خاصة تستوجب الخضوع، تمثل
كلمة الإمام درساً في نزاهة الضمير؛ إذ تُؤدى الحقوق لأنها واجبات شرعية، لا لتكون
أبواباً لكسب الولاءات المصطنعة أو استجلاب المحامد.
الحد الفاصل بين العدل الواجب والتنازل المستحب
انتقل الإمام
بعد تقرير حق خصمه إلى احتمال آخر، مبيناً أنه إن كان الحق ثابتاً له في الواقع
فإنه يتنازل عنه ويجعله في حل منه، يجسد هذا الترتيب دقة الفقه وعمقه؛ فالقاسم لم
يخلط بين أداء الواجب الملزم وبين التنازل الاختياري عن الحقوق الخاصة ابتغاء
الصلح.
يقتضي العدل
إعطاء كل ذي حق حقه دون نقص، بينما يتضمن الفضل مسامحة صاحب الحق في استيفاء ما
يملكه رغبة في الأجر وتسكين النزاع؛ رغّب النبي صلى الله عليه وسلم في خلق السماحة
والمساهلة في المعاملات قائلاً: «رَحِمَ اللهُ رَجُلاً سَمْحًا إِذَا بَاعَ،
وَإِذَا اشْتَرَى، وَإِذَا اقْتَضَى»(8).
يتعلق التنازل
المشروع بما يملكه المرء من حقوقه الذاتية التي يجوز له إسقاطها، ولا يمتد بحال
إلى حقوق الآخرين أو الأموال العامة التي لا يملك التصرف فيها؛ طبق كعب بن مالك
رضي الله عنه هذا الجمع حين أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم أن يضع شطر دينه
عن غريمه، فقال: «قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ»، فقال النبي صلى الله عليه
وسلم للغريم: «قُمْ فَاقْضِهِ»(9).
إن إحلال القاسم
بن محمد لخصمه يعبر عن فضل وإحسان يطفئ الخصومة دون تضييع للحدود الشرعية؛ فالعدل
يحفظ الأنصبة، والإحسان يتجاوز عنها بالمعروف، ويبقى التنازل عن الحق الخاص فضيلة
تدل على سعة النفس، ما لم يتحول إلى تهاون يفرط في حقوق الضعفاء أو يشجع الظالم
على التمادي.
كيف نوقف تحول الخصومة إلى صراع كرامة؟
تتحول كثير من
النزاعات العارضة من خلاف على حق يسير إلى صراع محتدم حول الكبرياء والمكانة
والانتصار للنفس بين الأطراف، وتُستهلك في هذه المعارك الأوقات وتفسد ذات البين،
حتى تتجاوز كلفة النزاع قيمة المال المتنازع عليه بمراحل كثيرة.
اختار القاسم بن
محمد طريقاً يقطع مادة الخصومة؛ فلم يجعل حقه الشخصي سبباً لاستمرار الشقاق، وفصل
بوعي تام بين ثبوت الحق ورغبته في الغلبة؛ جاء في الحديث النبوي الحث على ترك
الخصومات الجوفاء: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ
المِرَاءَ وَإِنْ كَانَ مُحِقًّا»(10).
يظهر أثر هذا
التجرد في النزاعات الأسرية وخلافات المعاملات اليومية من خلال مسالك رشيدة:
- الفصل بين
المبدأ والأنا: التمييز الصارم بين استرداد الحق الموضوعي وبين شهوة الانتصار
للكرامة المتوهمة.
- إغلاق أبواب
اللجاجة: المبادرة إلى حسم مواطن الخلاف قبل أن تستحكم الضغائن في النفوس.
- تقديم إصلاح
ذات البين: إيثار المودة وحفظ الأواصر الاجتماعية على مكاسب الحطام المادي الفاني.
إن كبح الرغبة
في الانتصار ليس عجزاً في الشخصية ولا ضعفاً في الحجة، بل هو غاية القوة التي يملك
بها المرء زمام نفسه عند النزاع.
العلاقة الوثيقة بين النزاهة العلمية والعدالة المالية
جمع الإمام مالك
في ترجمته لـ القاسم بن محمد بين قلة الفتيا من جهة، ومسلكه العادل والسمح في
الخصومة المالية من جهة أخرى، يكشف هذا الربط عن وحدة النزاهة الأخلاقية في حياة
الإنسان؛ فالذي يراقب الله في علمه ولا يفتي بغير دليل، يراقبه حتماً في أمواله
ومعاملاته.
تعتمد النزاهة
العلمية على التجرد للحق والامتناع عن كتمان الأدلة أو محاباة الناس، وتعتمد
النزاهة المالية على الكف عن أكل الحرام واستيفاء الحقوق بلا عدوان؛ تمثل هذا
الورع في سيرة الصديق أبي بكر رضي الله عنه حين تقيأ لقمة من كسب فيه شبهة قائلاً:
لو لَمْ تخرُجْ إلَّا مع نفسي لأخرَجْتُها؛ سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه
وسلَّم يقولُ: «كلُّ جسَدٍ نبَت مِن سُحْتٍ، فالنَّارُ أَوْلى به»(11).
حرص أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم على صيانة أقوالهم وأموالهم من أي شائبة تنقص كمال العدل؛ إذ
كان الزبير بن العوام رضي الله عنه يتحرز في التحديث خشية الزلل، وكان مع ذلك يحفظ
أموال الناس فيجعلها سلفاً مخافة الضياع: «ما فارقته منذ أسلمت، ولكن سمعت منه
كلمة، سمعته يقول: من كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار»(12).
إن النزاهة كل
متكامل لا يقبل التجزئة؛ فمن هان عليه تغيير الحكم إرضاءً لذي سلطان، هان عليه
استباحة أموال الناس بالباطل عند المخاصمة، وتتجلى عظمة الإمام في هذا الاتساق
السلوكي بين فقهه في المحراب ومعاملته في السوق، فصان علمه ودنياه بحصن الورع
والتقوى.
خطورة توظيف الحجة البيانية في استلاب الحقوق
يملك العالم
والفقيه قدرة على الجدل وإقامة الحجج وترتيب الأدلة، مما قد يغريه باستعمال هذه
القوة لترجيح مصلحته الخاصة والانتصار لنفسه، لكن القاسم بن محمد ترفع عن استغلال
ذكائه ومكانته الفقهية لغلبة خصمه، بل ترك الخصومة كلها برضا وسماحة.
حذر النبي صلى
الله عليه وسلم من توظيف قوة البيان والبلاغة للاستيلاء على أموال الآخرين دون
استحقاق باطن؛ فقال صلى الله عليه وسلم: «إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَختَصِمونَ
إليَّ، ولَعَلَّ بَعضَكُم أن يَكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ، فأقضيَ على نَحوِ
ما أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له مِن حَقِّ أخيه شيئًا فلا يَأخُذْه؛ فإنَّما أقطَعُ له
قِطعةً مِنَ النَّارِ»(13).
يقرر هذا النص
فصلاً قاطعاً بين مهارة العرض الشكلي واستحقاق الحق في الميزان الإلهي؛ فالحجة
البليغة لا تحل الحرام ولا تسوغ الظلم، وقد جسد الصحابة هذا الورع في تجردهم التام
من استغلال المكانة؛ كصنيع عبد الرحمن بن عوف في الشورى حين عزل نفسه واختار
الأصلح للأمة متجرداً من حظوظ القرابة: «والله لأن تؤخذ مدية، فتوضع في حلقي، ثم
ينفذ بها إلى الجانب الآخر أحب إلي من ذلك»(14).
يحتاج المحامي
والمسؤول والتاجر وأهل العلم إلى هذا الضابط الأخلاقي؛ إذ لا تكفي القدرة على
الإقناع لشرعنة المطالب، والسؤال الحقيقي الذي ينبغي للمسلم استحضاره ليس: هل
أستطيع الغلبة بالحجة؟ بل: هل الحق معي شرعاً وواقعاً، وهل يرضى الله عن طريقتي في
المطالبة؟
مفاسد إخضاع الحقوق الواجبة لمنطق العلاقات والمجاملات
تنحدر المجتمعات
حين تتحول الحقوق الثابتة إلى امتيازات تمنح بالمحاباة والوساطات والمكانة
الاجتماعية على حساب العدالة والاستحقاق الموضوعي، ويغدو وصول الإنسان إلى حقه
معتمداً على نفوذه وقربه من أصحاب القرار لا على قيام البينة الشرعية والقانونية
التي تؤيده.
أرسى الإسلام
قاعدة أداء الأمانات بالقسط وتجريد القضاء من العواطف والميول الشخصية؛ حيث قال
الله عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ
بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، فالأمانة
ميزان حاكم لا يخضع للأهواء والعلاقات.
رد النبي صلى
الله عليه وسلم شفاعة أحب الناس إليه في تعطيل حد شرعي، مقدماً حكم الله على
الوشائج والمودات؛ إذ قال لأسامة بن زيد رضي الله عنهما مغضباً: «أَتَشْفَعُ فِي
حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ!»(15)، فلا مجال في دين الله لمحاباة قريب أو
استرضاء صديق على حساب الحقوق.
تتجلى هذه
الاستقامة في مسلك عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين امتنع عن إدخال صهره وقريبه
سعيد بن زيد في أهل الشورى؛ لئلا يظن أحد أنه حابى عصبته، وحين يرتبط أداء الحقوق
بالمعايير العادلة تنمو الطمأنينة في النفوس، أما إذا خضعت للمحسوبيات أُهدرت
الكفاءات وانتشر الفساد في المجتمع.
الفرق الفقهي بين العفو المصلح والتخاذل المذموم
لا يدعو موقف
القاسم بن محمد إلى التنازل المطلق في كل حال، بل يقتضي الفقه الحكيم التمييز بين
المقامات المختلفة للحقوق، فالتنازل عن الحق الشخصي فضيلة إذا حقق الوفاق وقطع
النزاع، أما التنازل الذي يشجع المعتدي أو يهدر مصالح المجتمع فهو تفريط منهي عنه.
يظهر الفرق
جلياً في مواقف القيادة الراشدة عبر تاريخ الإسلام؛ حيث تنازل الحسن بن علي بن أبي
طالب رضي الله عنهما عن الخلافة لجمع الكلمة ودرء الفتنة، فقال النبي صلى الله
عليه وسلم فيه: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ
بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(16).
وفي المقابل،
فإن الحقوق العامة والشعائر لا تقبل المساومة أو الإسقاط باسم التسامح؛ ولذلك وقف
الصديق أبو بكر رضي الله عنه بحزم في قتال مانعي الزكاة صيانةً لركن الدين وحقوق
الفقراء قائلاً: «وَاللهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤْدُّونَهُ إِلَى
رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ»(17).
إن الحكمة
الحقيقية تقتضي معرفة طبيعة الحق المتنازع عليه وأثر التصرف فيه؛ فالتنازل في موضع
العزم ضعف وتفريط، والإصرار على المخاصمة في موضع العفو قسوة وجفاء، ويبقى موقف
الإمام درساً في التسامح الفردي الراشد الذي يحفظ المودة ويزيل الشقاق، دون إخلال
بأصول الدين وحقوق الأمة.
كيف يحرر التجرد صاحبه من شهوة الانتصار؟
ينشأ تعنت
الإنسان في الخصومات غالباً من استئثاره لرغبة الانتصار وحماية كبريائه المتوهم،
حتى يصبح المال اليسير رمزاً لمعركة الكرامة الشخصية، وحين يعجز المرء عن كبح جماح
نفسه، يتحول الحق إلى قيد يثقل كاهله ويفقده السلام الداخلي وطمأنينة القلب.
استطاع القاسم
بن محمد أن يحرر إرادته من هذا الأسر النفسي؛ ففصل بين ثبوت الحق المجرد وبين رغبة
الذات في الغلبة والمماراة؛ تجرد صهيب الرومي رضي الله عنه من ماله كله طلباً
لسلامة دينه وهجرته، فخلد النبي صلى الله عليه وسلم موقفه قائلاً: «رَبِحَ
البَيْعُ يَا أَبَا يَحْيَى، رَبِحَ البَيْعُ»(18).
يعبر التنازل عن
الحق الشخصي عن قوة الإرادة والنضج الروحي، حين يرتقي المسلم فوق حظوظ الغضب
والانتقام؛ كصنيع الصديق أبي بكر رضي الله عنه حين عفا عن مسطح بن أثاثة وأعاد
النفقة عليه بعد حديث الإفك تجرداً لله؛ وكذلك كظم عمر بن عبد العزيز غيظه حين قال
له رجل في عتمة: أمجنون أنت؟ فقال بتجرد تام: «لا، بل اسمي عمر»(19).
إن الانتصار
الحقيقي ليس في كسر الخصم وإذلاله في ساحات الخصام، بل في قهر هوى النفس والترفع
عن الدنايا ابتغاء ما عند الله، وبذلك يصنع التجرد إنساناً حراً لا تستعبده
الرغبات العاجلة، قادراً على العطاء والسماحة والعيش بقلب سليم معافى من الأحقاد.
كيف تضمن المعايير العادلة استقرار المجتمع وسلامته؟
تكتمل صورة
القاسم بن محمد حين نرى النزاهة والتجرد حاكمين لسلوكه في الفتيا والقضاء والتعامل
المالي مع الناس كافة؛ فلم يستعمل علمه للدعاية، ولم يتخذ جاهه ذريعة لمحاباة
نفسه، ولم يجعل تسليم الحقوق باباً للمن والاستعلاء.
سار فقهاء
المدينة وعلماء السلف على هذا الصراط المستقيم؛ فكان سعيد بن المسيب لا يحابي
سلطاناً في فتواه ولا يرجو منه نوالاً؛ وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير يقرر
استواء الظاهر والباطن في النزاهة قائلاً: «إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا صَلَّى فِي
الْعَلَانِيَةِ فَأَحْسَنَ، وَصَلَّى فِي السِّرِّ فَأَحْسَنَ، قَالَ اللَّهُ
عَزَّ وَجَلَّ: هَذَا عَبْدِي حَقًّا»(20).
تستقيم
المجتمعات الإنسانية حين تسودها هذه المعايير الأخلاقية الرفيعة عبر ركائز ثابتة:
- العدالة في
التطبيق: أداء الحقوق دون تأخير أو تمييز طبقي واجتماعي.
- سماحة النفوس:
نشر ثقافة التغافل الإيجابي والتنازل عن الهنات لصيانة الألفة.
- التجرد
المؤسسي: صيانة الوظائف والولايات عن المحاباة والوساطات غير المشروعة.
وصفت عائشة رضي
الله عنها السابقين لظل الله بنقلها عن النبي صلى الله عليه وسلم: «الَّذِينَ
إِذَا أُعْطُوا الحَقَّ قَبِلُوهُ، وَإِذَا سُئِلُوهُ بَذَلُوهُ، وَحَكَمُوا
لِلنَّاسِ كَحُكْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ»(21).
يظل منهج الإمام
منارة تضيء طريق النزاهة لأصحاب الولايات والعلماء؛ فالعدل أن تؤدي للناس حقوقهم
كاملة دون منة، والإحسان أن تبذل من حقك ما تملك إسقاطه لإصلاح ذات البين، وإذا
استقر هذا الميزان في القلوب، سقطت المحاباة، وعلا صوت البرهان، وساد القسط بين
العباد.
تتلخص الزاوية المركزية التي قصدنا إبرازها في هذا المقال في أن العدالة الحقيقية والتجرد الصادق يفرضان الفصل التام بين أداء الحقوق الواجبة للناس دون منّة أو استعلاء، وبين التنازل الاختياري عن الحقوق الخاصة ابتغاء الإصلاح وقطع الخصومات، مع إسقاط المحاباة في العلم والقضاء؛ فالواجب يُسلّم لأهله بأدلته الشرعية دون التفات لمكانة الأشخاص، والفضل يُبذل بسخاء النفس وتجردها من شهوة الانتصار والغلبة، لقد جسد القاسم بن محمد هذا الأصل الشريف قولاً وعملاً، مبرهناً على أن نزاهة العالم لا تكتمل حتى يكون علمه محراباً للأمانة، ونفسه حرة من سلطان الكبر والمخاصمة في حطام الدنيا.
الهوامش
- 1 القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي القرشي، هو أحد فقهاء المدينة المنورة السبعة وأحد كبار التابعين الذين جسدوا أعلى مراتب النزاهة والتجرد عن الخصومة .وُلد نحو سنة 36 هـ، تابعي جليل وإمام ثقة وأحد فقهاء المدينة السبعة؛ اشتُهر بعلو الفقه ورواية الحديث النبوي وسعة العلم والورع، استوطن المدينة المنورة داراً وسكناً، وتوفي بين مكة والمدينة بـ«قُدَيْد» وهو محرم سنة 106هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 54).
- 3 صحيح البخاري (4/ 1809/ 4531).
- 4 جامع بيان العلم وفضله (2/ 841/ 1585).
- 5 صحيح مسلم (5/ 114/ 1688).
- 6 المصنف لعبدالرزاق (10/ 358/ 21779).
- 7 صحيح البخاري (2/ 809/ 2183).
- 8 صحيح البخاري (2/ 730/ 1970).
- 9 صحيح البخاري (1/ 272/ 471).
- 10 مسند الشاميين للطبراني (2/ 407/ 1594).
- 11 أخرجه أبو نعيم في «حلية الأولياء» (1/ 31) واللفظ له، والحاكم (7164) مختصراً، والبيهقي في «شعب الإيمان» (5376) بنحوه.
- 12 أخرجه ابن ماجه (36)، وأبو داود الطيالسي (187)، وأحمد (1413) بلفظ مقارب.
- 13 أخرجه مسلم (1713) باختلاف يسير.
- 14 الطبقات الكبرى (3/ 99/ 40).
- 15 السنن الكبرى للبيهقي (8/ 576/ 17616).
- 16 صحيح البخاري (3/ 546/ 2721).
- 17 المرجع السابق (6/ 299/ 7284).
- 18 الطبقات الكبرى (3/ 209/ 70).
- 19 المرجع السابق (7/ 385/ 1820).
- 20 سنن ابن ماجه (5/ 289/ 4200).
- 21 مسند أحمد (40/ 440/ 24379).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً