شهادات العلماء في ميزان النقد

قضاء عمر بن عبد العزيز.. ماذا تعني شهادة «ما أخطأ قط»؟

رجلان يقفان عند باب القاضي ويشير احدهم الى القاضي بالداخل وهو يبتسم وبيده الاخرى يرفعها وويحركها بالنفي

يروي الإمام الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة التابعي عمر بن عبد العزيز(1).

قال اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ: حَدَّثَنِي قَادِمٌ الْبَرْبَرِيُّ أَنَّهُ ذَاكَرَ رَبِيعَةَ بْنَ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْئًا مِنْ قَضَاءِ عُمَرَ بْنِ عبد العزيز إِذْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ، فَقَالَ رَبِيعَةُ: «كَأَنَّكَ تَقُولُ: أَخْطَأَ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْطَأَ قَطُّ»(2).

قد يكون أعظم ما يُذكر عن الحاكم عدله الظاهر وسياسته الحكيمة، لكن أن يشهد له فقيه محقق من كبار أهل المدينة بحسن قضائه ودقة أحكامه فذلك باب استثنائي من الثناء الرفيع، فالقضاء لا يستقيم بمجرد حسن النوايا وطيب السريرة وحدها، بل يتطلب بصيرة نافذة بالأدلة الشرعية، وفهمًا عميقًا لوجوه الوقائع المعقدة، وتثبتًا دقيقًا بين الخصوم المتنازعين في مجريات الخصومة، وفي هذا الأثر ينقل الليث بن سعد مذاكرة علمية بين قادم البربري وربيعة بن أبي عبد الرحمن في قضاء عمر بن عبدالعزيز إبان ولايته للمدينة النبوية، فلما لمح ربيعة من محاوره توهم الخطأ والقصور، أطلق قسمه الحاسم: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَخْطَأَ قَطُّ»، وتفتح هذه الشهادة سؤالاً منهجيًا أصيلاً حول المرتكزات التي بنى عليها هذا الحكم، والضوابط التي ميزت منهجه القضائي في تلك المرحلة المبكرة من سيرته:

1- استفراغ الوسع في التثبت: التزام القاضي بأقصى درجات التحري وسماع البينات دون تعجل في إصدار الأحكام.

2- الاعتماد على الشورى المؤسسية: الرجوع الدائم إلى فقهاء المدينة الكبار لتنقيح المسائل وعرض النوازل المشكلة عليهم.

3- التجرد التام من الهوى: صيانة محراب العدالة عن التأثر بالمكانة السياسية أو قرابة الخصوم وسلطان الجاه.

لماذا تكتسب شهادة ربيعة الرأي وزنًا استثنائيًا؟

يعد ربيعة بن أبي عبد الرحمن، الشهير بربيعة الرأي، من أئمة الفقه ونظار أهل المدينة المبرزين، وممن تخرج على يديه أعلام كبار تقدمهم إمام دار الهجرة مالك بن أنس، وقد عُرف بدقة المأخذ وإعمال النظر المقاصدي وقوة الاستنباط؛ فلم يكن مجرد ناقل للآثار دون تفقه في غاياتها وأبعادها التشريعية، ولهذا فإن صدور هذا الحكم القاطع من عالم بمكانته يمنح الخبر دلالة نقدية بالغة، إذ ليس هو كلام رجل يلقي الأوصاف جزافًا بلا ميزان علمي محكم.

وقد نبه معاذ بن جبل رضي الله عنه على دقة ميزان الصواب والخطأ حتى في أقوال الراسخين: «وَأُحَذِّرُكُمْ زَيْغَةَ الْحَكِيمِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ عَلَى لِسَانِ الْحَكِيمِ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُنَافِقُ كَلِمَةَ الْحَقِّ، قُلْتُ: مَا يُدْرِينِي أَنَّ الْحَكِيمَ يَقُولُ كَلِمَةَ الضَّلَالَةِ؟ قَالَ: اجْتَنِبْ مِنْ كَلَامِ الْحَكِيمِ الْمُشْتَهِرَاتِ الَّتِي يُقَالُ: مَا هَذِهِ؟ وَلَا يَثْنِيَنَّكَ ذَلِكَ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَعَلَّهُ أَنْ يُرَاجِعَ، وَتَلَقَّ الْحَقَّ إِذَا سَمِعْتَهُ فَإِنَّ عَلَى الْحَقِّ نُورًا»(3).

ومع هذه المكانة الرفيعة، لا يصح الزعم بأن ربيعة تتبع جميع أحكام عمر بن عبد العزيز القضائية جملة وتفصيلاً، فالرواية لم تفصح عن عين القضية المتنازع حولها في المجلس؛ ويبقى كلامه محمولاً على الثقة العريضة بمنهج عمر بن عبد العزيز  في التحرير والإنصاف، بناءً على ما شهده وعرفه من بيئة المدينة وتداول شيوخها لأقضيته الرشيدة، كما يبدأ الخبر بمذاكرة فقهية هادئة، وتدل عبارة «كَأَنَّكَ تَقُولُ» على فطانة ربيعة واستشفافه للمقاصد الخفية حين استشعر أن في طريقة العرض ما يوهم نسبة التقصير لعمر.

وهذا الاستيقاف يماثل صنيع شريح القاضي حين استوقف رجلاً توهم الخطأ في قضاء الشرع في الديات: «شَهِدْتُ شُرَيْحًا وَجَاءَهُ رَجُلٌ مِنْ مُرَادٍ فَقَالَ: يَا أَبَا أُمَيَّةَ، مَا دِيَةُ الْأَصَابِعِ؟ قَالَ: عَشْرٌ عَشْرٌ، قَالَ: يَا سُبْحَانَ اللَّهِ، أَسَوَاءٌ هَاتَانِ؟ وَجَمَعَ بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَالْإِبْهَامِ، فَقَالَ شُرَيْحٌ: وَيْحَكَ! إِنَّ السُّنَّةَ سَبَقَتْ قِيَاسَكُمْ، فَاتَّبِعْ وَلَا تَبْتَدِعْ، فَإِنَّكَ لَنْ تَضِلَّ مَا أَخَذْتَ بِالْأَثَرِ»(4)، ولم تكن المذاكرة بينهما نزاعًا شخصيًا، بل كانت فحصًا لمسألة فقهية دقيقة بادر فيها ربيعة بالدفاع عن قضاء إمام عادل خبر منهجه واستقامته، فالفقيه البصير يرفض إساءة الظن بالأقضية الراسخة بمجرد ظاهر التردد.

هل قصد ربيعة إثبات العصمة لقضاء عمر بن عبد العزيز؟

تمثل عبارة «مَا أَخْطَأَ قَطُّ» المحور الرئيس في فقه هذا الأثر، حيث أقسم ربيعة مؤكدًا ثقته التامة برصيد عمر بن عبد العزيز في ولايته، لكن لا يمكن بحال حمل هذه العبارة على ثبوت العصمة المطلقة، فالعصمة مقصورة شرعًا على الأنبياء والمرسلين فيما يبلغونه عن ربهم جل وعلا.

وقد رسخ الإمام مالك بن أنس هذا الأصل المحكم وهو التلميذ الأبرز لربيعة: «كُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إِلَّا صَاحِبَ هَذَا الْقَبْرِ، وَأَشَارَ إِلَى قَبْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم»(5)، ويؤكده الحديث النبوي الصحيح الذي يقرر وقوع الخطأ في الاجتهاد البشري المأجور: «إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ»(6)، وهذا الحكم يقطع بأن المجتهد المؤهل يفرغ وسعه في تحري الدليل، ومع ذلك قد يفوته وجه الصواب الواقعي ويثاب على سلامة نيته وبذل جهده، ويمضي كلام ربيعة في سياق المبالغة التغليبية المعهودة في لسان العرب لإثبات كمال العدالة ونفي الهوى والتعسف الإجرائي، دون ادعاء تنزيه عمر عن طبيعة النقص البشري الملازم للخلائق، وتزداد دلالة هذا الثناء وضوحًا حين نربطه بالمنهج العام الذي اختطه عمر لإدارته القضائية؛ فقد جمع عشرة من فقهاء المدينة الكبار وأعلن أنه لا يقطع أمرًا دون الرجوع إلى رأيهم تلمسًا للحق وصيانة للرعية.

وقد بين عمر بن عبدالعزيز بنفسه شدة حرصه على استيعاب علوم فقهاء بلده وتتبع فتاواهم: «مَا كَانَ عَالِمٌ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا يَأْتِينِي بِعِلْمِهِ، وَأُوتَى بِمَا عِنْدَ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ»(7)، ويشهد لهذا التأسيس الجماعي قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ) (آل عمران: 159)، إن سلامة الحكم القضائي لا تنشأ من ذكاء القاضي بمفرده، بل من انضباط مسلكه وتثبته وسماعه للبينات وفحص النوازل مع ذوي الاختصاص، فالمشورة القضائية لا تلغي مسؤولية الحاكم، لكنها تفتح أمامه وجوهًا خفية وتصحح تأويلات قد تزل بها الأفهام المستبدة.

قصور التقوى الفردية عن ضمان إصابة الحق

من الأوهام الشائعة توهم أن ديانة القاضي وورعه كافيان بمفردهما لإصدار الأحكام الصائبة؛ فالقضاء ولاية موضوعية تحتاج إلى فقه بالواقع ودراية بمداخل الحيل ووزن دقيق للبينات والشهادات، وقد يكون العبد تقيًا مجتهدًا في العبادة والمحراب، لكنه يفتقر إلى حزم التمييز ونفاذ البصيرة وسرعة الفصل بين الخصوم المتقاتلين.

وقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا التمايز الجوهري حين امتنع عن تولية أبي ذر الغفاري رضي الله عنه مع جلالة صلاحه وزهده: «يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنِّي أَرَاكَ ضَعِيفًا، وَإِنِّي أُحِبُّ لَكَ مَا أُحِبُّ لِنَفْسِي؛ لَا تَأَمَّرَنَّ عَلَى اثْنَيْنِ، وَلَا تَوَلَّيَنَّ مَالَ يَتِيمٍ»(8)، وتلك القاعدة تبرز بجلاء في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى قضاته في ضرورة الفهم الدقيق للواقعة وملابساتها: «الْفَهْمَ الْفَهْمَ فِيمَا يَخْتَلِجُ فِي صَدْرِكَ مِمَّا لَمْ يَبْلُغْكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا سُنَّةِ نَبِيِّهِ، فتعْرِفِ الْأَمْثَالَ وَالْأَشْبَاهَ، ثُمَّ قِسِ الْأُمُورَ عِنْدَ ذَلِكَ»(9).

ويصدق هذا التحري قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) (النساء: 58)، فالقضاء يتطلب بصرًا نافذًا يفكك أساليب المراوغة، إذ إن الصلاح الفردي المجرد دون دراية بالواقع قد يعرض حقوق الضعفاء للضياع أمام فصاحة الخصم المبطل وقوة حجته الظاهرة، كما يخطئ من يتصور أن التشاور الجماعي يمنح العصمة المطلقة؛ فالاجتماع البشري قد يفوته الصواب متى غابت النصوص القاطعة، وتتجلى قيمة الشورى في استنفاد الجهد المتاح وتحصين القاضي من عواقب الاستبداد برأيه الشخصي وميله النفسي.

وقد برهن التاريخ النبوي على بشرية الاجتهاد المشترك في معاتبة الوحي لما استقر عليه الرأي في أسرى «بدر»: اسْتَشَارَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَسَارَى فَقَالَ: مَا تَرَوْنَ فِي هَؤُلَاءِ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَوْمُكَ وَأَهْلُكَ، اسْتَبْقِهِمْ وَاسْتَأْنِ بِهِمْ، وَقَالَ عُمَرُ: كَذَّبُوكَ وَأَخْرَجُوكَ فَاقْتُلْهُمْ، فَعَفَا عَنْهُمْ وَقَبِلَ الْفِدَاءَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ) (الأنفال: 67)(10)، ويشهد لهذا التداول قوله تعالى: (وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ) (الشورى: 38)، فالشورى إذن لا تهب العصمة ولكنها تضيق دوائر الخلل، لأن تلاقح عقول الجماعة يكشف عوار الأدلة الضعيفة ويمنع التسرع في إنفاذ القرارات.

معايير بناء الثقة المهنية للقضاة وبشرية الاجتهاد

يقدم هذا الأثر درسًا بليغًا لكل من ولي شأنًا من شؤون القضاء والمسؤولية؛ فالثقة لا تُنال بالتماس المدائح وتلميع السمعة، بل باجتناب الهوى ولزوم التثبت والرجوع للحق عند ظهور البينات، وأخطر ما يبتلى به المسؤول أن يستكين لعبارات الإطراء، فيتوهم أنه بلغ حدًا يتعالى به عن المساءلة والمراجعة وتدارك الأخطاء.

وقد خط عمر بن الخطاب رضي الله عنه دستوره الخالد لأبي موسى الأشعري في شجاعة الرجوع عن الاجتهاد الخاطئ: «وَلَا يَمْنَعَنَّكَ قَضَاءٌ قَضَيْتَهُ الْيَوْمَ فَرَاجَعْتَ فِيهِ رَأْيَكَ فَهَدَيْتَ فِيهِ لِرُشْدِكَ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى الْحَقِّ؛ فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ لَا يُبْطِلُهُ شَيْءٌ، وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي فِي الْبَاطِلِ»(11)، ويقترن هذا التحذير بما قاله التابعي مطرف بن عبد الله بن الشخير في ضبط النفس أمام المحمدة: «مَا مَدَحَنِي أَحَدٌ قَطُّ إِلَّا تَصَاغَرَتْ إِلَيَّ نَفْسِي»(12).

تظل شهادة ربيعة الرأي تاجًا يزين سيرة عمر بن عبد العزيز، لكنها شهادة لا تخرجه من طور البشرية المجبولة على النقص وملازمة التقصير، وقد صور ربيعة نفسه هذا الإشفاق الإنساني حين جلس يوماً فغطى رأسه واضطجع باكيًا، فلما سُئل عن بكائه أجاب بوجل العارفين: «رِثَاءٌ ظَاهِرٌ، وَشَهْوَةٌ خَفِيَّةٌ»(13).

وهذا الخوف تجلى في عمر بن الخطاب رضي الله عنه عند طعنه وإشفاقه من ثناء الناس ومخافته من حساب القيامة: «أَفِي الإِمَارَةِ تُثْنِي عَلَيَّ قَالَ نَعَمْ وَفِي غَيْرِهَا قَالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي خَرَجْتُ مِنْهَا كَمَا دَخَلْتُ فِيهَا لَا أَجْرَ وَلَا وِزْرَ»(14)، وتتأسس الدلالة النهائية لهذا النموذج القضائي الاستثنائي على معالم واضحة تضبط مسلك القضاء والحكم:

1- تنزيل الثناء منزلته: فهم شهادات الأئمة الكبار في سياق الثقة بمنهج الحاكم وتحريه القسط دون إضفاء هالة العصمة.

2- سيادة الحق على الأشخاص: إدراك أن الحق قديم لا يسقطه جاه ولا منصب، وأن الشجاعة في الرجوع إلى الصواب أعظم من التمادي في الخطأ.

3- تكامل أسباب العدالة: اجتماع الورع القلبي، والدراية بالواقع، والمشورة الفقهية، هو السبيل الأوحد لبلوغ القضاء الرشيد ورضا الخالق.

مصادر ثقة فقهاء المدينة في عدالة عمر بن عبد العزيز

يثور التساؤل هاهنا: هل بنى ربيعة شهادته على فحص دقيق لسجلات قضاء عمر بن عبد العزيز، أم كان متأثرًا بجلالة سمعته وشهرته بالإنصاف والورع؟ والإنصاف العلمي يقتضي القول إن الثقة المهنية العالية لا تتولد من فراغ، بل هي ثمرة استقراء وقائع متعددة لمسها الفقيه في بيئته المدنية وعاين أثرها في مجريات الأحكام ورد المظالم، وهذا التوثيق العملي يطابق تزكية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لعلي بن أبي طالب في دقة قضائه: «أَقْضَانَا عَلِيٌّ»، فلم تكن هذه التزكية مجرد عاطفة، بل استندت إلى مباشرة الأحكام وتنزيلها باليمن والمدينة، واختبار فقهه في دقائق المسائل المعضلة.

وكذلك كانت شهادة ربيعة، لعمر بن عبد العزيز، إذ جمعت بين معرفته بأحكام قضائية استقرت في المجتمع، واطمئنانه إلى ورعه في التثبت، أما من جهة السند، فقد أورد هذا الخبر الإمام الليث بن سعد عن قادم البربري عن ربيعة الرأي، والليث إمام ثبت حجة، وربيعة فقيه جليل القدر، أما قادم البربري فيحتاج حاله إلى سبر نقدي عند جهابذة الحديث، ولا يصح إطلاق التصحيح لمجرد جلالة الراوي الأول في الإسناد، وقد رسخ أئمة الصنعة النقدية قواعد التحرز في قبول الآثار وعدم الاغترار بظواهر ألفاظ الثناء المجردة: «لَمَّا اسْتَعْمَلَ الرُّوَاةُ الْكَذِبَ اسْتَعْمَلْنَا لَهُمُ التَّارِيخَ»(15).

إن ثبوت صدور العبارة عن ربيعة يوثق مكانة عمر عنده، لكنه لا يحيل العبارة إلى برهان قطعي على صواب كل واقعة قضائية بعينها؛ فالمحقق يزن هذه الشهادات بميزان النقد العلمي الصارم ليميز بين الإعجاب البليغ والتحقيق التاريخي المجرد.

الهوامش
  • 1 عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، وُلد بالمدينة المنورة سنة 61هـ، وهو من أئمة التابعين وفقهائهم وأحد الخلفاء الراشدين بالعدل، اشتهر بالرواية والفقه والزهد التام وإقامة القسط ورد المظالم وتجديد الدين، استوطن المدينة المنورة ثم دمشق، وتوفي بدير سمعان من بلاد الشام سنة 101هـ.
  • 2 سير أعلام النبلاء.
  • 3 الاعتصام للشاطبي (1/ 135).
  • 4 مسند الدارمي (1/ 283/ 204).
  • 5 المقاصد الحسنة في بيان كثير من الأحاديث المشتهرة على الألسنة (4/ 83/ 824).
  • 6 صحيح مسلم (3/ 1342/ 1716).
  • 7 صفة الصفوة (1/ 346/ 159).
  • 8 صحيح مسلم (3/ 1547/ 1826).
  • 9 السنن الكبرى.
  • 10 تفسير ابن كثير (4/ 231).
  • 11 منهاج السُّنة النبوية (6/ 72).
  • 12 تاريخ دمشق لابن عساكر (58/ 300/ 7455).
  • 13 صفة الصفوة (1/ 384).
  • 14 مجموع فيه مصنفات أبي العباس الأصم وإسماعيل الصفار (64/ 46).
  • 15 إرشاد طلاب الحقائق إلى معرفة سنن خير الخلائق صلى الله عليه وسلم (2/ 769)، وقال النووي انظر: قول سفيان مسندًا من طريق أبي عمر الخراساني في مقدمة الكامل، ص 139، والإِعلان بالتوبيخ، ص 9.
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة