عهد سليمان بن عبدالملك يواجه أول اختبار
عمر بن عبد العزيز.. الخليفة الذي لم يطلب الخلافة
يروي الإمام
الذهبي، في «سير أعلام النبلاء»، في ترجمة التابعي عمر بن عبد العزيز(1)،
قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنِي مَنْ شَهِدَ دَابِقًا، وَكَانَ مُجْتَمَعَ
غَزْوِ النَّاسِ، فَمَاتَ سُلَيْمَانُ بِدَابِقٍ، وَرَجَاءُ بْنُ حَيْوَةَ صَاحِبُ
أَمْرِهِ وَمَشُورَتِهِ، خَرَجَ إِلَى النَّاسِ، فَأَعْلَمَهُمْ بِمَوْتِهِ،
وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَقَالَ: إِنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ كَتَبَ كِتَابًا،
وَعَهِدَ عَهْدًا، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَوْتِهِ، أَفَسَامِعُونَ أَنْتُمْ
مُطِيعُونَ؟ قَالُوا: نَعَمْ، وَقَالَ هِشَامٌ: نَسْمَعُ وَنُطِيعُ إِنْ كَانَ
فِيهِ اسْتِخْلَافُ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عبدالملك، قَالَ: وَيَجْذِبُهُ النَّاسُ
حَتَّى سَقَطَ إِلَى الْأَرْضِ، وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، فَقَالَ
رَجَاءٌ: قُمْ يَا عُمَرُ -وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ- فَقَالَ عُمَرُ: وَاللَّهِ
إِنَّ هَذَا لَأَمْرٌ مَا سَأَلْتُهُ اللَّهَ قَطُّ(2).
لم يكن المشهد
الذي شهده الناس في دابق سنة 99هـ مجرد إعلان عن وفاة خليفة وتولية آخر، بل كان
لحظة فاصلة في تاريخ الدولة الأموية، اجتمعت فيها رهبة الموت، وحساسية انتقال
السلطة، ومصالح الأسرة الحاكمة، وتطلعات الجند، وموقف رجل سيصبح اسمه فيما بعد من
أشهر الأسماء المقترنة بالعدل في التاريخ الإسلامي.
كانت دابق،
الواقعة في شمال بلاد الشام، موضعًا لاجتماع الجند والاستعداد للغزو، وقد وصفها
النص بأنها «مجتمع غزو الناس».
وهذا الوصف يمنح
الواقعة خصوصيتها؛ إذ لم يجر إعلان الخلافة في مجلس محدود داخل قصر بعيد عن القوى
العسكرية، وإنما في مكان يرتبط بحركة الجيوش ومصالح الدولة الحربية.
وكان سليمان بن عبدالملك قد توفي، بعد أن عهد بالخلافة إلى عمر بن عبد العزيز، ثم إلى يزيد بن عبدالملك
من بعده، بحسب ما تذكره أخبار استخلاف عمر.
وتكمل هذه
الرواية مشهدًا سابقًا أورده الذهبي، تحدث فيه عن مشاورة سليمان لرجاء بن حيوة،
وترشيح رجاء لعمر بن عبد العزيز، وكتابة العهد في صحيفة.
أما الرواية
التي بين أيدينا فتنقل الحدث من المجلس الخاص إلى المجال العام، حيث أصبح القرار
الذي اتخذه الخليفة الراحل بحاجة إلى إعلان، وأصبح على الحاضرين أن يحددوا موقفهم
منه، وكان رجاء بن حيوة هو الرجل الذي تولى هذه المهمة.
وتصفه الرواية
بأنه «صاحب أمره ومشورته»، وهي عبارة تكشف عن قربه من سليمان وثقته به، ولم يكن
رجاء في هذا المشهد مجرد ناقل لخبر الوفاة، بل كان يحمل عهدًا سياسيًّا سيترتب
عليه تحديد صاحب الخلافة، صعد المنبر، وأخبر الناس بأن سليمان قد كتب كتابًا وعهد
عهدًا، ثم وجه إليهم سؤالًا مباشرًا: «أفسامعون أنتم مطيعون؟».
وجاء الجواب: «نعم».
لكن هذا الإقرار
لم يمر دون اعتراض.
فقد قال هشام بن
عبدالملك: «نسمع ونطيع إن كان فيه استخلاف رجل من بني عبدالملك»، وهنا انكشف
التوتر الذي كان يحيط بانتقال السلطة.
فلم يكن الخلاف
متعلقًا بوجود عهد مكتوب فحسب، وإنما بالشخص الذي سيتولى الخلافة، وبالفرع العائلي
الذي سينتقل إليه الحكم.
فقد كان هشام من
أبناء عبدالملك بن مروان، بينما ينتمي عمر بن عبد العزيز إلى فرع آخر من البيت
المرواني؛ فهو ابن عبدالعزيز بن مروان، أخي عبدالملك.
وبذلك لم يكن
عمر خارج الأسرة الأموية، لكنه لم يكن من أبناء عبدالملك الذين ارتبط بهم ترتيب
الحكم في تلك المرحلة، ومن هنا يمكن فهم اعتراض هشام في سياقه العائلي والسياسي،
دون الجزم بجميع دوافعه النفسية، فهو لم يرفض الطاعة بإطلاق، وإنما قيدها بأن يكون
الخليفة المختار من بني عبدالملك، وكان هذا الشرط كافيًا ليكشف عن احتمال الخلاف
قبل إعلان الاسم.
وتذكر الرواية
أن الناس جذبوا هشامًا حتى سقط إلى الأرض، وأنهم أعلنوا السمع والطاعة، ثم جاء
النداء الحاسم من رجاء: «قم يا عمر»، وفي هذه الكلمات القليلة انتقل عمر بن عبد العزيز
من رجل حاضر بين الناس إلى خليفة أُعلن اسمه أمامهم.
لكن العبارة
التي نطق بها عمر بعد ذلك كانت أبعد ما تكون عن خطاب الانتصار السياسي أو الاحتفاء
بالسلطة: «والله إن هذا لأمر ما سألته الله قط»، وهذه الجملة هي مفتاح فهم المشهد
كله.
انتقال الخلافة من الكتمان للمجال العام
لم تكن دابق
مجرد بلدة عابرة في بوادي الشام، بل مثلت في تلك الحقبة التاريخية المعسكر
الاستراتيجي الأكبر لجيوش المسلمين المرابطة لخوض المعارك الكبرى، مما جعل انتقال
السلطة فيها وسط ذلك الحشد العسكري حدثاً مصيرياً بالغ الدقة والخطورة؛ وتتجلى
أبعاد إدارة رجاء بن حيوة لتلك اللحظات الاستثنائية في محاور متكاملة.
أدرك رجاء بن
حيوة بوعيه السياسي والشرعي خطورة حدوث أي فراغ قيادي في ثغر عسكري تحتشد فيه
رايات القبائل وأجناد المقاتلين، فبادر بحكمة بالغة إلى أخذ البيعة العامة المجملة
على عهد الخليفة الراحل قبل كشف تفاصيل الصحيفة المختومة، سداً لكل ذريعة قد تفتح
أبواب النزاع أو تؤدي إلى انقسام الكلمة بين قادة الجيوش.
تقتضي الحكمة
الإدارية والسياسية في اللحظات الحرجة تأجيل إعلان التغييرات القيادية حتى تستقر
النفوس وتتهيأ الأجواء لقبول القرارات المصيرية، وهو مسلك شرعي أصيل اقتدى فيه
السلف الصالح بهدي كبار الصحابة رضوان الله عليهم؛ كما صنع أمين الأمة أبو عبيدة
بن الجراح رضي الله عنه حين أتاه كتاب توليته إمرة الشام وعزل خالد بن الوليد؛ سَيَّرَ
أَبُو بَكْرٍ خَالِدًا لِغَزْوِ العِرَاقِ ثُمَّ بَعَثَ إِلَيْهِ لِيُنْجِدَ مَنْ
بِالشَّامِ..، وَتُوُفِّيَ أَبُو بَكْرٍ فَبَادَرَ عُمَرُ بِعَزْلِ خَالِدٍ
وَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ، فَجَاءَهُ التَّقْلِيدُ فَكَتَمَهُ مُدَّةً،
وَكُلُّ هَذَا مِنْ دِينِهِ وَلِينِهِ وَحِلْمِهِ، فَكَانَ فَتْحُ دِمَشْقَ عَلَى
يَدِهِ، فَعِنْدَ ذَلِكَ أَظْهَرَ التَّقْلِيدَ(3).
يستبين من هذا
الهدي الراشد أن المصلحة العليا للأمة وسلامة صفوفها تقتضي في أوقات التعبئة
العامة ومواجهة العدو إيثار السكينة والتريث، وتقديم مصلحة وحدة الكلمة على التعجل
في إظهار المراسيم الرسمية؛ تجنباً لإثارة أي بلبلة قد تستغلها القوى المتربصة
بالدولة.
صعد رجاء بن
حيوة منبر دابق وهو ممسك بزمام المبادرة والقرار، فخاطب الجند والرعية بخطاب حازم
وثق به التزام الجميع بمبدأ السمع والطاعة لعهد الخليفة المكتوب، مقدماً المصلحة
الكلية للأمة على الأهواء الفردية أو التطلعات العائلية العاجلة التي كادت تعصف
بالاستقرار السياسي.
لماذا اشترط هشام خليفة من إخوته؟
كشف اعتراض هشام
بن عبدالملك المشروط عن رسوخ قناعة سياسية لدى فرع أبناء عبدالملك بن مروان بأن
الخلافة حق وراثي خالص محصور في بيتهم المباشر، لا يجوز أن يخرج عن نطاقهم إلى أي
فرع آخر من البيت الأموي؛ حيث جاء منطقه معبراً عن منطق العصبية والوراثة السياسية
التي بدأت تستقر ملامحها في بنية الحكم الأموي آنذاك، غير أن رجاء بن حيوة واجه
هذا التحدي الحرج بصلابة العالم المؤتمن، مستنداً إلى نص الوثيقة المعتمدة التي
ارتضاها سليمان بن عبدالملك في أنفاسه الأخيرة، متجاوزاً حسابات المصالح الضيقة
نحو فضاء المقاصد الشرعية العليا التي توجب تقديم الأصلح والأكفأ لإقامة القسط
وتدبير مصالح العباد دون محاباة لأحد.
ويجد هذا التجرد
الصارم عن حظوظ القرابة والعصبية سنده التاريخي الراسخ في سيرة الخلفاء الراشدين،
الذين ضربوا أروع الأمثلة في عزل الدوافع العائلية عن قرارات الولاية الكبرى؛
تماماً كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أرسى مجلس الشورى
الستة، وتعمّد استبعاد ابن عمه وصهره سعيد بن زيد رضي الله عنه رغم سوابقه العظيمة
في الإسلام؛ لَمْ يَكُنْ سَعِيدٌ مُتَأَخِّرًا عَنْ رُتْبَةِ أَهْلِ الشُّورَى فِي
السَّابِقَةِ، وَإِنَّمَا تَرَكَهُ عُمَرُ لِئَلَّا يَبْقَى لَهُ فِيهِ شَائِبَةُ
حَظٍّ لِأَنَّهُ خَتْنُهُ وَابْنُ عَمِّهِ؛ فَأَخْرَجَ مِنْهَا وَلَدَهُ
وَعَصَبَتَهُ، فَكَذَلِكَ فَلْيَكُنِ العَمَلُ لِلَّهِ(4).
يبرهن هذا
الإجراء الفاروقي البليغ على أن المسؤولية العامة أمانة ربانية خالصة لا تحتمل
المحاباة؛ حماية لمشروعية الحكم من الشبهات، وإعلاءً لراية العدل المجرد.
وقد سار رجاء بن
حيوة على هذا الهدي النير حين قاد مشورة استخلاف عمر بن عبد العزيز؛ إذ أقنع سليمان
بتجاوز أبنائه الصغار وإخوانه الطامحين، مقدماً رجلاً اجتمعت فيه خصال العلم
والفقه والزهد وحسن الإدارة المدنية التي اختبرها الناس فيه إبان ولايته الناجحة
على المدينة المنورة؛ فكان ذلك الاختيار بمثابة إنقاذ للدولة من أتون الصراع
الداخلي، وجاء الموقف الجماهيري في دابق متمثلاً في إمساك الناس بهشام وإسقاطه إلى
الأرض ليؤكد تعطش الأمة لانضباط انتقال الحكم تحت مظلة الجماعة، ورفض الشقاق الذي
قد يعطل مسيرة الدولة وجهادها، وحين صدح صوت رجاء بالنداء الحاسم: «قم يا عمر»،
انطوت صفحة النزاع وبدأت مرحلة تاريخية فريدة تولى فيها مقاليد الأمة إمام عادل لم
يطلب الحكم ولم يسعَ إليه، بل حملته إليه الأقدار وأمانة المستشارين المخلصين.
دلالة قسم عمر بن عبد العزيز بعدم طلب الحكم
لم يكن قسم عمر بن عبد العزيز المزلزل على المنبر: «والله ما سألتُ الله الخلافة قط» مجرد رد فعل انفعالي أو عبارة اعتذار عابرة، بل كان إعلاناً صريحاً وتجرداً مطلقاً من شهوة الحكم وبريق السلطان؛ وتتجلى دلالات هذه الرهبة الإيمانية في المرتكزات الآتية:
1- ينظر
الصالحون وأهل البصيرة إلى مناصب الخلافة والرياسة العامة باعتبارها غُرماً ثقيلاً
وابتلاءً باهظاً تنوء بحمله النفوس التقية، لعلمهم أن اتساع رقعة الحكم يعني
مضاعفة الحساب أمام الله تعالى عن حقوق الضعفاء والمساكين وعن كل مظلمة تقع في
أطراف الأرض،
2- يقتدي هذا
الورع العميق بمسلك كبار الصحابة الذين استعاذوا بالله من تولي الإمارات، وفروا من
أعباء الخلافة رغبة في السلامة وحفظاً لدينهم؛ كما تجلى ذلك في موقف الصحابي الجليل عبدالرحمن بن عوف رضي الله عنه حين أتاه خبر عزم عثمان بن عفان رضي الله
عنه على استخلافه.
إنَّ عُثْمَانَ
اشْتَكَى رُعَافًا، فَدَعَا حُمْرَانَ فَقَالَ: اكْتُبْ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ
العَهْدَ مِنْ بَعْدِي، فَانْطَلَقَ حُمْرَانُ إِلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ:
البُشْرَى، إِنَّ عُثْمَانَ كَتَبَ لَكَ العَهْدَ، فَقَامَ بَيْنَ القَبْرِ
وَالمِنْبَرِ فَدَعَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ مِنْ تَوْلِيَةِ عُثْمَانَ
إِيَّايَ هَذَا الأَمْرَ فَأَمِتْنِي قَبْلَهُ، فَلَمْ يَمْكُثْ إِلَّا سِتَّةَ
أَشْهُرٍ حَتَّى قُبِضَ(5).
يكشف هذا الدعاء
النادر عن تجذر الزهد الحقيقي في نفوس الرعيل الأول؛ حيث رأى أهل الشورى في النجاة
الفردية والخروج من الدنيا بلا تبعات سلطانية مغنماً يفوق كل ما يتنافس عليه طلاب
الدنيا من مناصب ومفاخر فانية.
جسد عمر بن عبد العزيز
في تلك اللحظة الفارقة نهي الشريعة الصارم عن استشراف الولايات والحرص عليها،
منطلقاً من إدراكه لحقيقة الوعيد النبوي بأن الإمارة خزي وندامة إلا لمن أخذها
بحقها وأدى الذي عليه فيها، مما جعل قسمه بمثابة ميثاق أخلاقي حكم سائر قراراته
الإصلاحية اللاحقة.
التفريق المنهجي بين أصل الواقعة وتفاصيلها
تخضع الروايات
التاريخية في ميزان التحقيق العلمي لقواعد نقدية صارمة تفرق بين أصل الحادثة
المستفيض وبين التفاصيل الحوارية والجزئية التي قد ينفرد بها بعض الرواة؛ فرواية
بيعة دابق وإن تضمنت في بعض أسانيدها رواة فيهم إبهام، إلا أن ذلك لا يقدح بحال في
ثبوت أصل الواقعة التاريخية التي تظافرت عليها مصادر التاريخ والسير المعتمدة، ويقتضي
الإنصاف العلمي التمييز الدقيق بين الكليات الثابتة التي أجمعت عليها المصادر
كوفاة سليمان بدابق، وتدبير رجاء للعهد، واعتراض هشام، وقسم عمر بن عبد العزيز
الشهير، وبين الهيئات الدقيقة كصورة جذب هشام وسقوطه أرضاً، والتي تروى في إطار
السياق التاريخي الإخباري دون أن يترتب عليها حكم فقهي أو عقدي مستقل.
ويجد هذا المسلك
النقدي أصله المنهجي في صنيع كبار المؤرخين والمحدثين، كالحافظ ابن كثير في تمحيصه
لأخبار السير والمغازي، حيث أسس لقواعد ضبط المرويات ورد ما ينفرد به المتروكون مع
إثبات الوقائع الكلية، فضَبْطُ نَقْلِ الحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ وَالتَّحَرِّي
فِي تَفَاصِيلِ المَقَالَاتِ وَتَمْيِيزِ الثَّابِتِ المُجْمَلِ مِنَ
التَّفَاصِيلِ المُنْفَرِدَةِ، كَمَنْهَجِ الحَافِظِ ابْنِ كَثِيرٍ فِي فَحْصِ
الأَسَانِيدِ وَتَمْيِيزِ رِوَايَاتِ المَغَازِي وَالسِّيَرِ، وَرَدِّ
الرِّوَايَاتِ المُنْكَرَةِ أَوِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا الوَضَّاعُونَ
وَالمَتْرُوكُونَ فِي تَفَاصِيلِ انْتِقَالِ الإِمَامَةِ، وهذا التدقيق العلمي
يحمي تاريخ الإسلام من المبالغات، ويمنح الوقائع التاريخية وزناً نقدياً يعزز
الثقة بمصادرنا التراثية.
وتتجلى الزاوية الأخلاقية والسياسية الكبرى في هذا المشهد التاريخي الخالد في أن القيادة الحقة في الإسلام لا تقوم على التغلب أو العصبية أو حب الظهور، بل تتأسس على خشية الله واستشعار ثقل الأمانة أمام الخالق والمخلوقين؛ حيث تحول قسم عمر بن عبدالعزيز من كلمة على المنبر إلى دستور عملي قاد به أعظم حركة إصلاحية في التاريخ الأموي، فقد افتتح عهده بخلع البيعة من رقاب الناس ليعيد إليهم حريتهم في الاختيار، ومضى في تفكيك منظومة المظالم والامتيازات غير المشروعة، ورَدِّ الحقوق إلى أهلها، ضارباً أروع الأمثلة في أن أصلح الحكام هم أولئك الذين يفرون من كراسي الحكم زاهداً، وحين يُبتلون بها يجعلون العدل المطلق غايتهم الأولى والأخيرة: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدِ ابْتُلِيتُ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْرِ رَأْيٍ كَانَ مِنِّي فِيهِ وَلَا طَلَبَةٍ لَهُ وَلَا مَشُورَةٍ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَإِنِّي قَدْ خَلَعْتُ مَا فِي أَعْنَاقِكُمْ مِنْ بَيْعَتِي فَاخْتَارُوا لِأَنْفُسِكُمْ»(6).
الهوامش
- 1 عمر بن عبدالعزيز بن مروان بن الحكم الأموي القرشي، وُلد بالمدينة المنورة سنة 61هـ، وهو من أئمة التابعين وفقهائهم وأحد الخلفاء الراشدين بالعدل، اشتهر بالرواية والفقه والزهد التام وإقامة القسط ورد المظالم وتجديد الدين، استوطن المدينة المنورة ثم دمشق، وتوفي بدير سمعان من بلاد الشام سنة 101هـ.
- 2 سير أعلام النبلاء (5/ 123).
- 3 المرجع السابق (1/ 21).
- 4 المرجع السابق (1/ 138).
- 5 تاريخ الإسلام (3/ 395)، وقال الذهبي: وورد في صفة الصفوة (1/ 355).
- 6 صفة الصفوة (1/ 365).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً