منهج دراسي للزواج
لا شك أن بناء
الأسرة المسلمة يحتاج إلى وعي وعلم وتخطيط، ومنهج دراسي للزواج، حتى يكون البناء
متماسكاً قوياً، يصمد أمام هجمات الحداثة وتيارات التغريب، وموجات الطلاق والتفكك
الأسري والخلافات الزوجية.
هذه الحاجة
الماسة تتطلب لبنات ومواد أساسية، من بينها مادة الزواج، وأقصد بها منهجاً علمياً،
يتم تدريسه في المدارس والجامعات، للطلاب من الجنسين، بما يُصلح واقع العلاقات
الأسرية من جذورها، ويخلق جيلاً واعياً بحقوق وواجبات الزوجين، ويُجنب مجتمعاتنا
الطلاق والعنف والتفكك الأسري.
منهج الزواج الدراسي
منهج الزواج
الدراسي يغطي الجوانب النفسية، والعاطفية، والعملية، والشرعية، والاقتصادية، ويسد
الثغرات والنتوءات، ويعالج أوجه الخلل والداء، التي ضربت الأسرة في مقتل، وهي نواة
المجتمع الأولى.
يتضمن المنهج
الدراسي، الذي يحبذ تدريسه لطلاب المرحلة الجامعية، أي مرحلة ما قبل الزواج،
الزواج في الإسلام، ومقاصده الشرعية، وبيان مكانته باعتباره عبادة وعقداً غليظاً،
وشروط صحة الزواج وأركانه، والأحكام الفقهية المتعلقة بالزواج.
يستهدف الدارس
من وراء هذا المنهج معرفة أسس الاختيار الصحيح، والفهم الناضج للعلاقة الزوجية،
وفضل الزواج، وآثاره الفردية والمجتمعية، مع تصحيح للمفاهيم المغلوطة والعادات
الدخيلة على العرب والمسلمين.
ويسعى المعلم في
الفصل الدراسي المخصص لمادة الزواج إلى غرس اللبنة الأولى لبناء الأسرة الصالحة،
وتحسين المخرجات المأمولة من وراء تلك الخطوة التي يجب أن تستوعبها مناهج التعليم
في بلداننا، بما يخلق وعياً ونضجاً كافيين، يؤسس لزواج صحي وآمن ومستقر.
تعريف الزواج وأهدافه
فصول المادة العلمية التي ستكون مادة نجاح ورسوب، من شأنها أن تنجو بطلابنا من فخ الطلاق الذي ارتفعت معدلاته بشكل كبير في بلدان عربية وإسلامية، على أن يقوم المعنيون والمختصون بتحويل ثقافة الزواج إلى مادة علمية وتربوية وتوعوية.
تعالج مادة
الزواج في البداية نظرة الشاب أو الفتاة للزواج، وتعريف الزواج، ودوافعه، وأسس
الاختيار، ومقومات نجاحه، وأولوياته، مع تزويد الطالب أو الطالبة بالمهارات
الأساسية للحوار والتواصل، وإدراك طريقة التفكير لدى الآخر، وطبيعة التعبير عن
المشاعر والضغوط.
يقول خبراء
العلاقات الأسرية: إن سد الفجوة في التوقعات بين الطرفين، وفن إدارة الخلافات،
ومهارات الاستماع الفعال وحل المشكلات، ولغات الحب الخمس، تبرز كأهم مكونات مقرر
الزواج الدراسي.
محاور مادة الزواج
تحتوي مادة
الزواج المطروحة على مائدة مسؤولي التعليم العرب، محاور رئيسة أخرى، تشمل الإدارة
العملية والمالية للأسرة، وكيفية إعداد الميزانية، وتحديد الأولويات، وإدارة
الدخل، والادخار للمستقبل.
ومن المأمول أن
يركز المنهج الدراسي على إدارة الأدوار والمسؤوليات بين الزوج والزوجة، وتقسيم
المهام التربوية والمنزلية والحياتية، والتوازن بين الحياة المهنية والحياة
الأسرية، وكيفية إدارة العلاقات مع الأهل والأقارب، وبيان وتأصيل أثر استقرار
العلاقة بين الزوجين على الصحة النفسية للأبناء.
ومن المقترح
تزويد الفصل الدراسي في مادة الزواج بورش تفاعلية وحلقات نقاشية لاكتشاف نقاط
الضعف والقوة قبل الارتباط، وفهم الذات، وتعلم فن قراءة الشخصية، وتمرينات مرآة
الأولويات، ومهارات التخطيط الأسري، وتربية الأبناء.
كذلك يتم تقسيم
الطلاب إلى مجموعات ثنائية، ويطلب منهم صياغة 5 أسئلة ذكية وغير مباشرة يمكن طرحها
في فترة الخطوبة لاكتشاف طريقة تفكير الطرف الآخر، وكيفية حل المشكلات والخلافات،
كذلك دراسة الخطوط الحمراء النفسية والسلوكية لكل من الطرفين، مثل عدم القدرة على
ضبط الانفعالات، إضافة إلى أنشطة تفاعلية تحاكي ميزانية الأسرة شهرياً، وراتب
الزوجة، ونماذج من الخلافات التي ظهرت حديثا، وكيفية معالجتها.
لا يمكن التغاضي
عن تأثيرات وسائل التواصل والهاتف الجوال، والجرائم الرقمية، وصور الخيانة
الإلكترونية، ومظاهر الاستهلاكية والمادية التي غزت مجتمعاتنا، وصناعة الأعراس
باهظة الكلفة، وديون الزواج، ومشكلات العام الأول، وما بعد الإنجاب، كذلك تدخل
الأهل والأقارب، ومشكلات العلاقة الجنسية، وهي حالات دراسية، تتطلب مناقشتها
ومعالجتها، لاستئصال الداء، فالوقاية خير من العلاج.
في هذه المرحلة
العمرية (18 - 22 سنة)، يكون الطلاب على أعتاب الارتباط الفعلي، وبالتالي يحتاجون
إلى أدوات عملية لتقييم الشريك، وإدارة الحياة الزوجية، وترتيب الأولويات، وكيفية
اكتساب الثقة والجدار للشروع في بناء أسري مستقر ومتماسك، لا تهزه رياح الهجر
والخرس الزوجي والطلاق.
لبنة في بناء المستقبل
إن الانشغال فقط
بتأهيل الخريجين للدخول إلى سوق العمل، يجب أن يلازمه مسار آخر، أكثر أهمية
وحيوية، وهو تأهيله للدخول في شراكة أسرية على كتاب الله وسُنة نبيه محمد صلى الله
عليه وسلم، شعارها المودة والرحمة.
مادة الزواج
ليست مادة دراسية فحسب، بل لبنة رئيسة في بناء المستقبل، وتعزيز النضج النفسي
والجاهزية لدى أبنائنا، وقد تكون طوق النجاة للأسرة المسلمة، وأداة تمتين للبناء
الاجتماعي، والحفاظ على العائلة الممتدة.
لنستثمر بشكل
ذكي في قضية الزواج، من خلال غرس بذور أخلاقية ودينية في النشء، وصياغة منهج دراسي
متكامل، وحملات توعوية وإعلامية، وأعمال درامية هادفة، وتشريعات منضبطة، حتى تعود
بقوة، ومن جديد، بيوت المودة والرحمة.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً