الرعب الاقتصادي!

الرعب الاقتصادي!

فيفيان فورستي، روائية، وباحثة، وقد تُرجمت أعمالها إلى 25 لغة، أمّا دراستها «الرعب الاقتصادي» فلاقت ترحيباً مدوّياً في فرنسا والبلدان الأجنبية على حدّ سواء، ومُنحت جائزة مديتشي في عام 1996م، عن تلك الدراسة.

تقول فيفيان: في كل يومٍ، نرى بأمّ العين الفشل الذريع للنظام الليبرالي في حدوده القصوى، وفي كل يوم نرى تلك المنظومة الأيديولوجية، التي نهضت على عقيدة (أو أضغاث أحلام) التنظيم التلقائي ذاتياً للاقتصاد الذي سُمّي اقتصاد السوق، وهي تبرهن عن عجزها عن إدارة شؤونها بالذات، عن التحكّم بزمام ما تُطلقه من عقاله، عن توجيه ما تُحرّض على ظهوره، حتى إن مبادراتها، بكل ما فيها من قسوة تقع على كاهل مجمل السكّان، باتت تنقلب عليها بمؤثراتها الارتكاسية، مع استمرار ظهورها بمظهر العاجز عن تقويم حدّ أدنى من الانضباط لما تدأب على فرضه.

ثم تقول: «لا بديل عن اقتصاد السوق»؛ ذلك هو الإملاء الهزيل، أضف إلى أنه بات من الآن فصاعداً مفتقراً إلى أيّ أساس، لأن اقتصاد السوق يشمل اقتصاداً قائماً بالخالص على المضاربة والاحتكار يلغيه ويدمره مثلما يدمّر كلّ ما سواه! وحتى لو لم يكن سوى الزعم بوجود نمط وحيد للمجتمع، لا بديل له، فهذا ليس لا معقولاً وحسب، بل هو من نمط ستالينيّ.

ويتحقق هذا، أيّاً كان النمط المقترح، فنحن إزاء خطاب دكتاتوري يؤطر، مع ذلك، المساحة التي حوصرنا ضمنها في يومنا هذا، إنها مساحة لم تعد تبدو على ارتباط بأيّ نظام، حيث ما من نظام يبدو أنه قاوم السيطرة المسمّاة «اقتصادية» التي يتكاتف كلّ شيء لإقناعنا بأنها وحدها السائدة وأنها وحدها التي تُنقل بوطأتها علينا، حيث تحقّق الفوز في النهاية للاقتصاد على العامل السياسي، وهذا فيه ما فيه من الغلط، فالاقتصاد لم يحقق الفوز على السياسيّ، بل العكس هو الصحيح.

وتؤكد فيفيان: ومن جديد، تدّعي ما فوق الليبرالية بأن ما تقوم به هو اقتصاد، وبأنها لم تقم إلا بعقد صفقات، هي تدّعي عقد صفقات وتحريك أعمال لكنها لم تفعل سوى المضاربة، نحن نعلم التداعيات، فهي متوقعة.

غير أننا لا نكتفي بخلط الاقتصاد مع عمليات «البيزنس»، أو «البيزنس» مع المضاربة، أو حتى العولمة بإدارتها ما فوق الليبرالية؛ بل نحن نخلط اختلاس الاقتصاد مع اختلاس ما هو سياسي.

إننا، على وجه الخصوص، نخلط السلطات السياسية مع القدرة الاقتصادية، يغيب عنّا حينذاك أن تلك القدرة إذا كانت تشلّ عمل تلك السلطات، فهذا لا يعني أنها تغيّبها وإنما هي تجعلها ملحقة بها وتحكم بدلاً منها، دون أدنى اهتمام بإيجاد اقتصاد حقيقي، لأنها لا تريد سوى طوفانات مالية مجنونة.

ما هو الاقتصاد؟ تنظيم، توزيع الإنتاج بما يحقق مصلحة الناس، ورفاههم؟ أم استخدام الناس أو تنحيتهم جانباً تبعاً للتقلّبات المالية الفوضوية، دون ارتباطٍ بهم، وإنما بالارتباط حصرياً بالريعيّة، وعلى حسابهم؟ فهل نحن بذلك مع اقتصادٍ حقيقي أم، على العكس؟

إن البقاء على جهل بالمشكلات الحقيقية، بمعطياتها الصحيحة، لا يترك مجالاً إلاّ لمعاناتها كما يريد أولئك الذين أوجدوها والذين يتأكدون هكذا من استمراريتها.

والحال، فنحن نناقش ونتناقش تبعاً لتلك الأطروحات المغشوشة، المتكرّرة بوجوه متعدّدة، التي يقدّمها أولئك الذين من مصلحتهم منع التطرّق إلى أصول الموقف فيستعيضون عنها باستنتاجاتهم، التي يلبسونها لبوس البدهيات المسلَّم بها.

تقول فيفيان: وها هي تهلّ علينا «الثروات» الشهيرة التي يجري «خلقها»، لتقوم دفعة واحدة بتقديم الكنوز إلى البشرية جمعاء، وما أكبر الرضا، والعرفان، والإعجاب عند الإشارة إليها، تلك الروائع المنبثقة بفضل «خالقيها» المبدعين، أولئك القادة الذين يديرون شؤون الاقتصاد الخاص، وقد تزيّوا بغتة متنكّرين بأزياء السحرة!

وها نحن تتجه خيالاتنا إلى عصا الجنّية، إلى مغارة علي بابا.. لكن، عن أي ثروات يتحدثون؟ عن ثروة عمّت الجنس البشري؟ عن تقدم علمي، اجتماعي؟ عن آثارٍ عظمى؟ عن مستلزمات جوهرية، نفسية، كبيرة الفائدة؟ كلا، وإنما عن فوائد مجتباة من إنتاج افترضوه بأنه يُدرّ دخلاً، ولا شيء سوى ذلك.

«ثروات» فعليّة، لكنها تعود بالغنى على «المتعهدين» لا غير وعلى المشتركين معهم بأسهم.. وأقلّه، فهذه الفوائد هل يُصار إلى ترجمتها في وظائف؟ هذه الفوائد هل يُصار إلى توزيعها؟ هذا ما يعلنون عنه بطنطنة ودون توقّف.. على أن تلك الرسالة تم تجاوزها والسلام: فأكثر الأرباح جنياً للفوائد والأرباح لا تتوقف عن التسريح؛ وأصحاب الحلّ والربط فيها لديهم ميلٌ لا يقاوم، أفضلية لا تلين لخفض كلفة العمل.

وماذا عن الاستثمار بالتوظيف؟ التسريح أربح.

الرابط المختصر :

كلمات دلالية

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة