جذور الإمامة الهادوية في اليمن.. من التأسيس النظري إلى الانقلاب الحوثي
ترتبط جذور الإمامة الهادوية في اليمن بوصول يحيى بن الحسين بن الهادي إلى البلاد عام 284هـ، حيث عمل على بناء تصور ديني وسياسي للإمامة وتأسيس منظومة ارتبطت بالحكم والصراع على السلطة.
ومع مرور القرون، تعاقبت تجارب وأئمة انتسبوا إلى هذا
المشروع، وصولاً إلى الجماعة الحوثية التي ظهرت لاحقاً في سياق الصراع حول الإمامة
في اليمن، وانتهت بالانقلاب على الدولة عام 2014.
تنتسب الزيدية نظرياً إلى زيد بن علي بن الحسين (76 - 122هـ)، والذي يهمنا منها هو وجودها في اليمن، والذي يبتدئ مع مقدم أحد المنتسبين إليها إلى اليمن بعد قرنين من الزمان، وهو يحيى بن الحسين بن الهادي، عام 284هـ، وقام بإعادة تنظيم الزيدية المنتسبين إلى الطالبيين، وهذه المرة أقام لهم دعائم نظرية واقتصادية وسياسية وعسكرية، وأسس لهم النظرية الهادوية المطورة عن الأولى.
يحيى بن الحسين وتأسيس الإمامة الهادوية
استطاع يحيى بن
الحسين أن يجمع شتات الزيدية بكل فروعها من جارودية وكاملية وصالحية وسليمانية
وإسماعيلية ومعتزلية وحتى إمامية اثني عشرية، وخرج بخلاصة نظريته الهادوية التي ما
زلنا في اليمن نعيش ويلاتها إلى اليوم، وتتجدد مع كل قرن، واخترع لها أحاديث نسبها
للنبي صلى الله عليه وسلم وهي محض كذب وافتراء، وذهب كل مذهب لتأويل النصوص
القرآنية واعتسافها لصالح مذهبه ونظريته.
تقول هذه
النظرية الإمامية الهادوية: «فإذا أقام معرفة ولايتهما (الحسن، والحسين)، وقام
بتفضيلهما وإمامتهما، وجب عليه أن يعرف أولي الأمر من ذريتهما، الذين أُمِر الخلق
بطاعتهم؛ فيعلم أن الأمر والنهي والحكمة والإمامة من بعدهما في ذريتهما دون
غيرهما؛ لا تجوز إلا فيهم، ولا تُرد إلا إليهم، وأن الإمام من بعدهما من ذريتهما
من سار بسيرتهما وكان مثلهما، واحتذى بحذوهما، مخيِّفاً للظالمين، ومؤمناً
للمؤمنين، لا يؤمِّن الفاسقين، ولا يأمنونه، بل يطلبهم ويطلبونه، قد باينهم
وباينوه، وناصبهم وناصبوه، فهم له خائفون، وعلى إهلاكه جاهدون، يبغيهم الغوائل،
ويدعو إلى جهادهم القبائل، متشرداً عنهم، خائفاً منهم.. فمن كان كذلك من ذرية
السبطين؛ الحسن، والحسين، فهو الإمام المفترض طاعته، الواجبة على الأمة نصرته».
الإمامة الهادوية ومرتكزاتها
مضت جرائم «الإماميين» في كل عصر وقرن حتى
ما عرف اليمن أمناً ولا استقراراً تحت حكمهم
فتجب طاعته على
الأمة، والمهاجرة إليه، والمصايرة معه ولديه، فمن فعل ذلك من الأمة معه من بعد أن
قد أبان لهم صاحبهم نفسه، وقصد ربه، وشهر سيفه، وكشف بالمباينة للظالمين رأسه، فقد
أدى إلى الله فرضه.. ومن قصر في ذلك، كانت الحجة لله عليه قائمة ساطعة منيرة بينة
قاطعة؛ (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ
وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال: 42).
بعد هذه
النظرية، حشد لها كل ما يقوِّم صلبها والعمل على ديمومتها من ركائز أساسية تثبتها
جيلاً بعد جيل إلى اليوم، وهذه الركائز، هي: الخمس والأعشار في الأموال، والصلاة
الإبراهيمية في التشهد، وتأويل آيات المودة في القربى فيهم تأويلاً يفضي إلى وجوب
نصرتهم وإنزالهم منزلة اجتماعية مقدسة كمقام النبيين، وأنه لا يؤتى العلم إلا من
طريقهم، وكل علم لا يأتي من طريقهم فهو باطل وكفر وزندقة، ومنحهم كل الامتيازات
التي كان المسلمون يميزون بها النبي صلى الله عليه وسلم، حتى فرضوا السيادة
والعنصرية على الأتباع.
ومن بعدها صار
الكل ذليلاً مطيعاً، ومن يعترض أو يجادل أو يقاوم يتهمونه بأنه ناصبي، ويتم
محاربته بأشد أنواع الإرهاب والنكال، من القتل والصلب وسبي النساء، وإحراق الزروع
ونهب الأموال وتدمير الدور وتسميم الآبار، وتهجيرهم من بيوتهم وأوطانهم، واعتبار
الخارجين عليهم كفار تأويل، وبلادهم أرضاً خراجية مستحلة الغزو والدم والتشريد.
على هذه الأسس
قامت الهادوية، وفي كل قرن تنبت جماعة وأسرة تدعي الصلة بهم وبالنبي صلى الله عليه
وسلم، وكل جماعة أو أسرة ترتكب من أعمال الإرهاب والبطش والدمار بحق مخالفيهم أشد
من الفرقة السابقة، وتتخذ من فعل الأولى تشريعاً دينياً وأسوة تتأسى بها وتستحل
دماء معاصريها.
عبدالله بن حمزة وتجربة الإمامة في اليمن
ولنضرب لذلك
مثالاً؛ إذ إنه بعد قرنين من فعل وجرائم الهادي الرسي بحق اليمن واليمنيين، ظهر
إمام آخر ينتسب إليه وهو الإمام عبدالله بن حمزة (24 فبراير 1166 - 21 أبريل 1217م)،
وهذا فاق جده الأول الرسي إجراماً وبطشاً وإرهاباً ونهباً، وتكفيراً واستحلالاً
للدماء والسبي للنساء وتشريد المواطنين.
ثورة 26 سبتمبر 1962م قامت على «الإمامة»
وأنتجت الجمهورية التي استمرت 50 عاماً فقط
قال الإمام
عبدالله بن حمزة وهو يستشهد بأفعال الإمام الهادي، في كتابه «المهذب»: «والهادي
إلى الحق -عليه السلام- قد فعل ذلك في نجران وعلاف، فإنه هدم المنازل، وقطع النخيل
والأعناب، وأباح الأملاك للعشائر، وأخذ أموال المهاذر وقسمها أخماساً، وأخذ من حصن
النميص أثاثاً عظيماً، وسلاحاً، ومتاعاً، وكذلك ولده الناصر، هدم مدينة بارى وهي
مدينة كبيرة، ومدينة الكلائج وقطابه، وأخذ أموال قُدمْ جملة، ولم يميز مال اليتامى
والأرامل، وكذلك فعل عبدالله بن الحسين -عليه السلام- مع بني الحارث، أخذ أموالهم
وقسمها بين الغانمين، وخرب إبراهيم بن موسى بن جعفر -عليهم السلام- سد الخانق
بصعدة وكان عليه بساتين عظيمة فخربت إلى وقتنا هذا».
وهكذا كانت تمضي
جرائم الإماميين في كل عصر وقرن في اليمن حتى ما عرف اليمن أمناً ولا استقراراً،
وظل في حروب مستمرة منذ ألف ومائتي عام، وما كل الخراب والتخلف في اليمن إلا بسبب
هؤلاء الأئمة المجرمين الذين كانوا يأتون على المدن والقرى فيدمرونها عن بكرة
أبيها، كما يفعل الحوثيون اليوم.
ثورة 26 سبتمبر ونهاية الحكم الإمامي
حاول اليمنيون
كثيراً عبر ثورات مختلفة التخلص من هذا الجاثوم الذي دمر بلادهم، وكانت هناك ثورات
مقدمة لثورة 26 سبتمبر 1962م، التي نعتبرها في اليمن ثورة الألف عام بحق وحقيقة، هذه
الثورة التي قامت على الإمامة وأنتجت الجمهورية التي عشناها 50 عاماً فقط.
انقلب عليها
الحوثيون اليوم، ونخروها عبر تنظيمهم الإمامي السري بعد اعتراف العرب بالجمهورية
العربية اليمنية واتفاق المصالحة بين الجمهوريين والإماميين برعاية عربية والمملكة
العربية السعودية عام 1970م، لكن هؤلاء الإماميين، وعلى الرغم من مشاركتهم في حكم
الجمهورية، فإنهم ظلوا يوالون الإمامة سراً؛ فبايعوا لهم إماماً خفياً هو مجد
الدين المؤيدي، ثم لاحقاً خرج عليه بدر الدين الحوثي، والد حسين مؤسس الحوثية.
الإماميون لا يؤمن جانبهم فهم غدارون
والغدر عقيدة إمامية تحت خطهم المعروف بـ«التقية السياسية»
من الإمامة إلى ظهور الجماعة الحوثية
خرج حسين عبر النظرية السابقة متمرداً على الجمهورية باعتباره خرج ثائراً شاهراً سيفه، ولكن بدعم إيراني إمامي، ويدعي أن ولايته مستمدة من الله، وأنه أحق بالحكم من كل اليمنيين، أقام الحوثيون تنظيماً سرياً يسمى «الشباب المؤمن»، وقد كان تأسيسه بداية ثمانينيات القرن الماضي، وظهر على السطح مع التعددية الحزبية في اليمن في بدايات تسعينيات القرن الماضي، واستغل علي عبدالله صالح هذا التنظيم في إدارة الصراعات والتوازنات بينه وبين بقية القوى السياسية الأخرى، وخاصة لمواجهة التجمع اليمني للإصلاح الإسلامي الذي كان أقوى أحزاب المعارضة.لكن هؤلاء
الإماميين لا يؤمن جانبهم؛ فهم غدارون والغدر عقيدة إمامية تحت خطهم المعروف
بالتقية السياسية، وما إن قويت شوكتهم حتى أقاموا التمرد في صعدة عام 2004م وخاضوا
6 حروب ضد الدولة، وفي الحرب الأولى قتل زعيم هذه الجماعة ومؤسس التمرد المسلح
حسين بدر الدين الحوثي، ليرثه أخوه عبدالملك الحوثي في قيادة هذا التنظيم المتمرد.
الحوثيون والانقلاب على الدولة عام 2014
بعد أحداث وثورة
11 فبراير 2011م وخروج الرئيس صالح من الحكم بموجب «المبادرة الخليجية»، في 23
نوفمبر 2011م، وانتخاب الرئيس عبدربه منصور هادي رئيساً توافقياً وانتقالياً
للبلاد، أحيا الرئيس صالح التحالف مجدداً مع الحوثيين ليبدأ التمرد ضد هادي وحكومة
التوافق الوطني، والقيام بالانقلاب على الدولة في 21 سبتمبر 2014م، ليبدأ اليمن
سلسلة من الحروب إلى اليوم دمرت الأخضر واليابس، كما يشاهدها ويعلمها العالم
اليوم.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً