من بلاغة التحذير النبوي.. تحليل دلالات التشدق والتفيهق والتنطع

ثمة نماذج سلوكية ورد ذمُّها في السُّنة النبوية المباركة، تعكس في جوهرها خللاً أخلاقياً واجتماعياً، وهي: «المُتشدِّقون، والمُتفيهقون، والمتنطِّعون»، فقد أخرج الإمام الترمذي في سُننه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ أحبَّكم إليَّ وأقربَكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ: أحاسِنُكم أخلاقًا، وإنَّ أبغضَكم إليَّ وأبعدَكم مني مجلسًا يومَ القيامةِ: الثَّرثارونَ، والمُتشدِّقونَ، والمُتفيهقونَ»، قالوا: قد علِمْنا الثرثارينَ والمتشدِّقينَ، فما المتفيهقونَ؟ قال: «المُتكبِّرونَ».

أما المتنطعون فقد جاء ذمُّهم في الحديث الذي أخرجه الإمام مسلم في صحيحه، حيث أورد قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا هلكَ الْمُتَنَطِّعونَ، ألا هلَكَ المتنطِّعونَ، ألا هلكَ المتنطِّعونَ» قالها ثلاثاً.

المتشدقون.. بين حسن المنطق وسوء القصد

«المُتَشَدِّقون» اسم فاعل من الفعل «تشدَّق»، وهو الذي يخرج الكلام من بين أشداقه؛ أي من جوانب فمه، وهذه الصفة كانت في أصلها ممدوحة عند العرب؛ فقد استحسنوا «رحابة الشدقين» لدلالتها على جهارة الصوت وقوة البيان، وكان الرجل «الأشدق» عندهم هو المتفوّه صاحب المنطق الحسن المبين.

وبناءً على هذا المعنى اللغوي الحميد، فإن الذم الوارد في الحديث النبوي لا ينصرف إلى جودة النطق أو جهورية الصوت بذاتها، وإنما يصح تأويله تبعاً لما يتشدق به المرء؛ فالمتشدق ليس مذموماً على إطلاقه، وإنما يُذم حال كونه متشدقاً بما يخالف الشريعة، أو حين يسخّر بلاغته وقدرته البيانية في تضليل الناس أو الانتصار للباطل والتمويه عليه.

ويُقاس في تقييد هذا الذم ما جاء من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشعر في قوله: «لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا» (رواه البخاري)، ومع ذلك، فقد استمع صلى الله عليه وسلم للشعر من أمية بن أبي الصلت، وحسان بن ثابت، وكعب بن زهير، واتخذ من ألسنة الشعراء آلة لتبليغ الدعوة والذب عنها.

لذا، وجّه العلماء في «فتح الباري» هذا الذم إلى الشعر الذي قيل في هجاء الإسلام، أو ما كان سبباً في التغافل عن ذكر الله، وعلى هذا المنوال، يمكننا تقليص دلالة الذم الواقعة على «المتشدقين» بحيث لا تقع على عمومهم، بل على من اتخذ الفصاحة وسيلة للكبر أو التضليل.

المتفيهقون.. مجاز الامتلاء والاستعلاء

أما «المتفيهقون» فهي اسم فاعل من «تفيهق»، وأصل الكلمة من «الفَهْق»؛ وهو الامتلاء؛ كما جاء في لسان العرب: «فُهِقَ الإناءُ أي مُلِئ عن آخره»، والمتفيهق في سياق الحديث الشريف هو الذي يتزيد في الكلام دون علم، ويبالغ في القول دون حيطة أو تروٍّ؛ لذا قال لسان العرب: «تفيهق في الكلام: توسع».

والظاهر أن النبي صلى الله عليه وسلم نقل دلالة الكلمة من معناها الحقيقي المباشر إلى معنى مجازي مستحدث؛ ولذلك سأل الصحابة عن معناها رغم علمهم بمفردات اللغة، ويكمن الرابط بين المعنى اللغوي (الامتلاء والسعة)، والمعنى النبوي (التكبر) في تصوير حركة الفم التي تتشبع بالهواء وتمتلئ به قدر استطاعتها، ثم تتهيأ للكلام في هيئة توحي بالتعالي والغطرسة، وهو ما فسره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: إنهم «المتكبرون».

المتنطعون.. هلاك التكلف والمغالاة

كلمة «المتنطعون» مشتقة من «النِطْع»، وهو سقف الحلق، وقد اشتق منه الفعل «تنطّع» للدلالة على الإتيان بالكلام من سقف الفم بغرض التعالي، فالكلمة تدل في أصلها على التكبر في الكلام، ثم نُقلت لتشمل التكبر بشكل عام؛ فالمتكبرون متنطعون لأنهم يتكلفون ولا يتبسطون.

وفي «معجم اللغة العربية المعاصرة»: «التنطع في العمل هو المغالاة والتكلف»، وهذا المسلك يستجلب الكبر؛ فالمتكبر يتكلف في مأكله وملبسه وحديثه ما يفوق طاقته ليباين غيره من الناس، ولهذا حذر النبي صلى الله عليه وسلم منهم بقوله: «هلك المتنطعون» ثلاثاً؛ تشنيعاً على هذا المسلك الذي يفضي إلى الفرقة والضغينة بين أبناء الأمة الواحدة.

التنطع العلمي وضيق الأفق

يتسع مفهوم التنطع ليشمل «التكلف العلمي»؛ فكما يتكلف المتكبر في شؤونه الاجتماعية، يتنطع البعض بادعاء الإحاطة بما لا يعلمون، فيخوضون فيما لا يُحسنون، والمتنطع -لجهله وكبره- يشدد على نفسه وعلى غيره فيما جعل الله فيه سعة، فيضيق الأحكام؛ إما لجهله بالآراء الأخرى، أو لغروره وأنفته عن اتباع غيره، أو لإعجابه المبالغ فيه بمدرسته العلمية.

إن المتنطع قليل العلم ضيق الأفق؛ إذا قرأ رأياً لشيوخه تشدد في التمسك به وبالغ في تحريم ما سواه، ولهذا كان ازدراء النبي صلى الله عليه وسلم للمتنطعين ترغيباً في اليسر والسداد والمقاربة، وزجراً عن التضييق والتعصب والمكابرة.

نحو ميزان نبوي للاعتدال

إن استعراض هذه النماذج السلوكية يكشف لنا عن خيط رفيع يربط بينها جميعاً، وهو «مرض الكبر» الذي يتخفى تارة في صورة بلاغة متكلفة (التشدق)، وتارة في صورة توسع فارغ (التفيهق)، وتارة في صورة غلو وتشدد (التنطع).

إن المنهج النبوي لا يحارب الفصاحة ولا يمنع التوسع في العلم، وإنما يحارب القصد السيئ والروح المستعلية التي تفسد جوهر العبادة والمعاملة، والنجاة من مغبة الهلاك الذي توعد به الحديث تكمن في لزوم التواضع، واعتماد التيسير، والبعد عن التكلف، ليكون المسلم أقرب مجلساً من رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة بحسن خلقه وطهارة قلبه.



اقرأ أيضاً:

بين التفقه في الدين واعتياد الخير.. وقفات بلاغية

سر الإيجاز النبوي.. 3 جمل تختصر منهج بناء الشخصية المسلمة المتوازنة

بين ظلال الطير وسكون اليقين.. قراءة أسلوبية في بلاغة التوكل بين الوحيين

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة