عقدة التكرار..

عندما تلاحق تجربة الأبوين حياة الزوجين!

إسلام محمود

24 سبتمبر 2026

37

عندما تلاحق تجربة الأبوين حياة الزوجين!

عندما نردد مقولة: «لن أعيش ما عاشه أبي وأمي» فهذا لا يعني حتمية تكرار تجربة الأبوين في حياة الزوجين؛ فالماضي ليس قدرًا بل خريطة للوعي، وإذا كان أحد أطراف الحكمة موجهاً للأبوين: «لا تجعلوا أولادكم على أخلاقكم فإنهم خلقوا لزمان غير زمانكم»، فإن طرفها الآخر: «إن الفتى من قال ها أنا ذا».

فكثيراً في بيوت الزوجية الجديدة تنتقل مع أحد الزوجين مخاوف من تجربة الأبوين؛ اللذَيْن أخفقا لسبب ما في حياتهما الأولى، لكن وجود المخاوف الأولى لا يعني تحققها حتماً في بيت الزوجية الجديدة، بل ربما تكون انطلاقاً وانعتاقاً وتحرراً من أخطاء سابقة، تحولت إلى تجربة مفيدة، وليست ماضياً مخيفاً.

فالعلاقة الزوجية من العلاقات العميقة، بمستوى يجعلها عالية الحساسية، وتتأثر بتفاصيل دقيقة، تجعلها مهمة حتى لو كانت صغيرة، أو يراها البعض بسيطة، ومع كل ذلك يبقى الصبر والاجتهاد والتحدي، متطلبات نجاح أي علاقة، والعلاقة الزوجية تستحق من الزوجين الاستثمار في مستقبل ناجح، بدلاً من العيش في أسر مخاوف واجترار سيرة الأبوين الأولى.

«المجتمع» تواصلت مع عدد من خبراء الأسرة، لكيفية علاج هذه الظاهرة، وتقديم علاج ناجع لها من دون مخاوف أو قلق أسري.

النضج النفسي

الاختصاصية اللبنانية والخبيرة في الإرشاد النفسي سناء غازي أكدت، في حديثها لـ«المجتمع»، أن هناك عدة مخاوف مجتمعية تلاحق أحد الزوجين في حياتهما الجديدة، منها الاستقلالية المكانية والمهنية.

وأوضحت أن الإقامة في بيت العائلة سابقاً لا تعني الفشل حتمًا في اللاحقة، بل كان بسبب تداخل الحدود وغياب الخصوصية، وأن النضج النفسي ورسم حدود صحية هما المحك في نجاح أي تجربة.

كما بيّنت غازي أن إسقاط تجربة الأب على الزوج لتشابه المهنة انحياز معرفي؛ فالزوج شخصية مستقلة برؤيته وأسلوبه، والعبرة بالنضج العاطفي لا بنوع العمل.

وحول بناء بيت متزن يجب تقديم المقومات التالية:

1- الوعي والتعافي: فصل جراح الماضي عن الحاضر.

2- الأمان والعاطفة: توفير بيئة قائمة على الدعم النفسي والتقبل.

3- التواصل الفعال: حل النزاعات بمرونة دون إسقاط الخوف القديم.

قصة واقعية

وتروي د. غازي، في هذا السياق، قصة من واقعها العيادي، فتقول: راجعتني زوجة تعاني من قلق وجفاء تجاه زوجها لمجرد عمله بالتجارة كوالدها، متوقعة تكرار غياب والدها وإهماله.

وتضيف: في الجلسات، عملنا على تفكيك هذا الارتباط الشرطي والتمييز بين الشخصيتين، إضافة إلى تنظيم الحدود مع العائلة الممتدة، فاستعادت حياتها واستقرارها.

واختتمت حديثها بأن الزواج الجديد فرصة لبناء نموذج خاص، يستفيد من الماضي دون أن يعيش في جلبابه.

القرار الصامت

الباحثة السعودية والاختصاصية التربوية ابتسام الحبيب بيّنت أن معظمنا يتشرّب بعقله الواعي أو غير الواعي تأثيرات التجارب الأسرية السابقة، وقد يبدأ حياته الزوجية وفي داخله قرار صامت: «لن أعيش ما عاشه أبي وأمي»، موضحة أن هذا القرار قد يستثار عند أبسط موقف، فيهيمن على طريقة التفكير، بدلًا من النظر إلى المشكلة من زوايا متعددة.

وتابعت، في حديثها لـ«المجتمع»: الفتاة التي شهدت خلافات أسرية متكررة بسبب السكن في بيت العائلة قد تترسخ لديها قناعة بأن السكن مع العائلة سبب الخلافات، دون أن تنظر إلى فوائده المحتملة أو إلى الظروف الخاصة التي أحاطت بتجربة والديها، وقد يصبح رفضها المطلق للفكرة مصدرًا للخلاف، لا السكن نفسه.

ونبهت أيضاً إلى أن الشاب أو الفتاة قد يبني انطباعات سلبية عن الحياة الزوجية إذا تشابه عمل الزوج أو الزوجة مع عمل أحد الوالدين المشغول أو المنهك، وربما يمنعهما ذلك من دعم بعضهما وتفهّم ظروف العمل، لأن كليهما قرر مسبقًا: «لن أضحي كما ضحّت أمي»، أو «لن أعاني كما عانى أبي».

وشددت، في حديثها، أنه من هنا تبرز أهمية تنمية التفكير التحليلي قبل الزواج.

  • ما السبب الحقيقي للمعاناة؟
  • هل هو السكن مع العائلة، أم الظروف المصاحبة له؟
  • هل المشكلة طبيعة العمل، أم أسلوب التعامل مع ضغوطه؟
  • هل من الضروري أن تتكرر التجربة نفسها؟

ولأجل التخلص من القلق الأسري القديم، أكدت الحبيب أنه يتطلب التمييز بين التذكّر والتوقّع.

  • أتذكّر ما عاشه والداي، لكن ذلك لا يعني أنه سيحدث معي.
  • قرارنا بأن نعيش حياة مختلفة عما عاشه أبي وأمي يدل على أن الماضي ما زال يتحكم في مستقبلنا.
  • الحكمة أن نتعلم من تجارب والدينا؛ فنحلّل المواقف، ونفهم أسبابها، ونرتّب أولوياتنا.
  • أن يكون قرارنا: كيف أستفيد مما عاشه أبي وأمي من تجارب، لأصنع نسخة أفضل.

الفرز القيمي

بينما أكدت الأكاديمية الأردنية المتخصصة في علم الاجتماع بيان فخري، أن كلاً من الزوجين ما هو إلا ثمرة لتنشئة اجتماعية وبناء نفسي وعقلي وروحي وسلوكي اكتسبه من أسرته الأصلية، منذ ولادته وغرزت فيه قيم ومبادئ ومعتقدات وتصورات تفصيلية عن الحياة والناس، فالعلاقات الإنسانية يستحيل تغييرها، أو المراهنة على تعديلها بعد الزواج.

وأضافت فخري لـ«المجتمع» أنه يجب على الزوجين المقبلين على الزواج تقييم ظروف وتفاعلات الأسرة الأصلية لكل منهما، وتأثير ذلك على كل منهما، ومدى مناسبته لهما، واتفاقهما وقبولهما له.

كما طالبت بضرورة التركيز الكبير على خطأ وكارثية المراهنة على التغيير بعد الزواج لهذه الطباع أو الممارسات أو السلوكيات المبنية على مبادئ وقيم وتصورات غرزت منذ الولادة وفي المراحل الأولى من الحياة، وأصبحت ثابتة ومستقرة، ويصعب التأثير عليها أو تعديلها بشكل يصل لدرجة الاستحالة.

ونبهت أن الزوج أو الزوجة الذي نشأ في أسرة متفككة واجهت طلاق الوالدين سيكتسب الفرد فيها صفة الاستغناء وينمو بداخله قدرة على الاستقلالية ويفقد خبرة الارتباط والتمسك، ويكون قد انكسر لديه حاجز الخوف من الفقد لصالح عدم الاعتماد على الآخرين؛ ما سيعرضه لسهولة الترك والتخلي عند أول خلاف أسري.

وأشارت أيضاً إلى أن ولد المطلقَيْن يصعب عليه الالتزام بتبعات الزواج بعد أن يتزوج؛ لغياب التصورات الواقعية للعلاقة الزوجية؛ بسبب فقدانه للخبرة الحياتية التي حرم منها في طفولته، فيصعب عليه إدراكها أو ممارستها بشكل سوي ويتكلف في تعلمها وتحتاج منه الكثير من الجهد والإرادة.

وفي ختام حديثها، أكدت أنه يجب الانتباه للمستوى الاجتماعي والثقافي لأسرة المنشأ، حتى في أبسط الأمور؛ التي نراها عابرة ونستخفّ بها في علاقاتنا كطريقة الأكل والجلوس وطبيعته.

فوجود الزوج مثلاً في عائلة تعتاد الأكل على الأرض وبالأيدي حتى لو كانت ثرية تشكل تحدياً كبيراً في حال تزوج من فتاة تعتاد عائلتها على الأكل على طاولة وبأطباق منفصلة وباستخدام المعالق بغض النظر عن الوضع الاقتصادي أو المادي، فمهما حاولت الزوجة أو الزوج تعديل سلوك الطرف الآخر فلن يستطيع أحدهما تغيير كامل هذا السلوك أو منعه بالكامل.

كما سيكون سبباً لوقوع المواقف المحرجة والمؤذية المصاحبة للمشاعر السلبية مع كل ممارسة وتراكمها، وتتحول حصى المواقف الصغيرة إلى صخرة تثقل كاهل الزوجين، وتستنزف رصيد محبتهم ومشاعرهم.

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة