خطة 30 يوماً لضبط اللسان

خطة 30 يوماً لضبط اللسان

نعمة اللسان، ذلك العضو الصغير الذي قد يعلو بصاحبه إلى أعلى درجات الجنان إذا استخدمه في الذكر والشكر والكلمة الطيبة والإصلاح بين الناس، ويمكن أن يهوي به في نار جهنم، وذلك حين يستخدمه في الوقيعة بين الخلق، والغيبة والسب والقذف.

وبالرغم من خطورة اللسان، فإن كثيراً من المسلمين يعجزون عن ضبط ألسنتهم من الوقوع فيما يتسبب في هلكتهم، فضبط اللسان تدريب يستدعي الرقابة المستمرة، وهذا نموذج تدريبي لحفظ اللسان على مدى 30 يوماً.

أهمية حفظ اللسان في القرآن والسُّنة

يقول النبي صلى الله عليه وسلم محذراً من خطورة الكلمة التي ينطقها اللسان: «إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها، يزل بها إلى النار أبعد مما بين المشرق والمغرب» (متفق عليه)، وسأل سفيان بن عبدالله النبي صلى الله عليه وسلم عن أخوف ما يخاف عليه، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم بلسان نفسه ثم قال: «هذا» (رواه مسلم).

وحين سأل معاذُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن العمل يدخله الجنة ويباعده عن النار، أخبره النبي صلى الله عليه وسلم برأسه وعموده وذروة سنامه ثم قال: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟»، قال: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه ثم قال: «كفّ عليك هذا»، فقال معاذ: وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟ فقال: «ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكبُّ الناس في النار على وجوههم -أو قال: على مناخرهم- إلاَّ حصائد ألسنتهم؟) (رواه أحمد، والترمذي).

وقال صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه)، وفي فضيلة السكوت حين لم يستطع المسلم قول الحق يقول صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (متفق عليه).

وقد أولى القرآن الكريم اهتماماً بالغاً بتهذيب اللسان وحفظه، وتجلّى ذلك في وصفه لحال المؤمنين بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ) (المؤمنون: 3)، وقال سبحانه: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (ق: 18).

ومن التنظير إلى التطبيق، نبدأ خطواتنا بـ:

الأسبوع الأول: مرحلة المراقبة والوعي:

يُخصص الأسبوع الأول لتشخيص آفات اللسان قبل علاجها، وذلك وفق الخطة التالية:

الأيام (1 - 3) المراقبة والتدوين: راقب كلامك وسجل أخطاءك اليومية (كالغيبة، السخرية، الشكوى، أو المقاطعة) في هاتفك أو مفكرتك دون محاولة التغيير؛ فإدراك حجم المشكلة هو أول خطوات العلاج.

الأيام (4 - 6) قاعدة الـ 5 ثوانٍ: توقف 5 ثوانٍ قبل النطق أو الرد، لتسأل نفسك: هل هذا الكلام صحيح؟ هل هو نافع؟ هل وقته مناسب؟

اليوم السابع (الصمت الاختياري): خصص ساعة كاملة لا تتحدث فيها إلا للضرورة القصوى، لتدريب إرادتك على التحكم في زمام الكلمة.

الأسبوع الثاني: التخلص من آفات اللسان:

في بداية الأسبوع الثاني سوف نبدأ في علاج المشكلة بعد بلورتها وتحديدها بدقة، ولنبدأ بأخطر آفات اللسان التي حذر القرآن منها في قوله تعالى: (وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا) (الحجرات: 12)، وقال النبي صلى الله عليه وسلم في تعريف الغيبة: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟»، قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ»، قِيلَ: أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» (أخرجه مسلم).

(الأيام (8 - 10) مكافحة الغيبة: إذا تحول المجلس لذكر الناس بسوء؛ بادر بتغيير الموضوع، أو دافع عن الغائب، أو انسحب بلطف إن لم تستطع.

الأيام (11 - 13) تقليل الشكوى: توقف عن التذمر المستمر الذي يُنافي الرضا ويُنفّر الناس، واستبدل الدعاء واللجوء إلى الله بالشكوى، فبدلاً من التذمر قُل: «اللهم أعنّي ويسّر أمري».

اليوم الرابع عشر (مراجعة منتصف الطريق): راجع ما دوّنته من أخطاء في الأسبوع الأول، ورتبها لتكون محور تركيزك وعلاجك في بقية أيام الخطة والشهور اللاحقة.

الأسبوع الثالث: بناء اللسان الإيجابي:

الأيام (15 - 17): في هذا الأسبوع سوف نقوم بعملية إحلال وتبديل، فبدلاً من الغيبة، نكثر من الذكر، يقول تعالى آمراً عباده بذكره: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا) (الأحزاب: 41)، ويقول صلى الله عليه وسلم: «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَا مَعَ عَبْدِي حَيْثُمَا ذَكَرَنِي وَتَحَرَّكَتْ بِي شَفَتَاهُ» (رواه البخاري)، فاللسان حين ينشغل بالذكر، من الصعب عليه الوقوع في الخطأ.

الأيام (18 - 20): نشر الكلمات الطيبة، وهي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الكلمة الطيبة صدقة» (متفق عليه)، فلتكن على ألسنتنا: كلمة تشجيع لإنسان محبط، كلمة شكر لمن قدم لنا معروفاً، دعاء لمسلم في محنة، رسالة تقدير لإنسان يحتاج إليها، كل تلك كلمات طيبة نحاول جاهدين أن نملأ بها موازيننا أمام الله.

اليوم الحادي والعشرون: يوم بلا جدال، عملاً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً» (رواه أبو داود).

الأسبوع الرابع: تثبيت العادة:

الأيام (22 - 25): قاعدة الخير أو الصمت؛ اجعل شعارك حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت» (متفق عليه)، فلنطرح سؤالاً قبل الكلمة: هل هي خير؟ أم الصمت أولى؟

الأيام (26 - 28): اختيار البيئة، فالأخطاء لا تصنعها الكلمات، بل تصنعها المجالس، وكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «المرء على دين خليله» (رواه أبو داود).

اليوم التاسع والعشرون: المحاسبة الشاملة؛ راجع حصيلة الثلاثين يوماً؛ ما الذي تحسّن؟ وما العادة الأصعب؟ ثم استعد لتكرار الخطة في شهر جديد لمعالجة آفات أخرى كالكذب، والنميمة، والسخرية، ونقل الشائعات.

اليوم الثلاثون: عهد جديد مع الله؛ لنكتب بأيدينا: لن أغتاب، لن أؤذي أحداً بكلمة، سيكون الذكر رفيقي، لن أقول إلا حقاً.

فليس المقصود من ضبط اللسان أن يتوقف الإنسان عن الكلام فحسب، بل المقصود أن يسمو بقيمة كلماته، وإن اجتمعت الإرادة للإنسان على أن يتغير في ثلاثين يوماً، فإن أعظم ما يمكن أن يقوم به أن يغير طريقة كلامه لتتوافق مع مراد الله عز وجل، فيصير صمته فكراً، ونطقه ذكراً، فصلاح اللسان من أقصر الطرق لصلاح القلب، يقول صلى الله عليه وسلم: «لا يستقيم إيمان عبد حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه حتى يستقيم لسانه» (رواه أحمد).

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة