كيف أعادت الحرب تشكيل المجتمع الغزي ودفعت النساء إلى واجهة البقاء؟
لم تقتصر آثار
الحرب على قطاع غزة على الدمار الهائل الذي طال المنازل والبنية التحتية، بل امتدت
إلى البنية الاجتماعية للمجتمع الفلسطيني، محدثة تحولات عميقة في الأدوار الأسرية
والعلاقات الاجتماعية، فمع اتساع دائرة الشهداء والمفقودين والمصابين، وجدت آلاف
النساء أنفسهن فجأة في موقع المعيل والمسؤول الأول عن الأسرة، في ظل أوضاع
اقتصادية وإنسانية هي الأكثر قسوة في تاريخ القطاع.
وفي الوقت الذي
تكافح فيه النساء لتأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة لأسرهن، تتفاقم التحديات
النفسية والاجتماعية والقانونية، لتتحول رحلة البقاء اليومية إلى معركة متعددة
الجبهات.
وفي هذا
التحقيق، ترصد «المجتمع» ملامح التحولات التي طرأت على واقع المرأة الغزية من خلال
شهادات الاختصاصية الاجتماعية والناشطة المجتمعية أسماء الحسنات، والمديرة العامة
لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة زينب الغنيمي.
آلاف النساء يتحولن إلى معيلات لأسرهن
تؤكد الاختصاصية
الاجتماعية والناشطة المجتمعية أسماء الحسنات أن الحرب أحدثت تغيرات جذرية في حياة
النساء في مختلف أنحاء قطاع غزة، بعدما قلبت الظروف الاقتصادية والاجتماعية
والسياسية حياتهن رأساً على عقب.
وتشير إلى أن
أكثر من 22 ألف امرأة فقدن أزواجهن نتيجة العمليات العسكرية المستمرة، فيما أصبحت
نحو 57 ألف امرأة المعيل الرئيس لأسرهن، وفق تقديرات وزارة العمل الفلسطينية في
غزة، كما باتت آلاف الأمهات يتحملن مسؤولية رعاية ما يقارب 55 ألف طفل يتيم فقدوا
آباءهم خلال الحرب.
وتوضح الحسنات
أن مسؤولية الإعالة لم تقتصر على الأرامل فقط، بل شملت أيضاً نساء فقد أزواجهن أو
آباءهن بسبب الإصابة أو الإعاقة أو فقدان مصادر الدخل، فضلاً عن الأمهات اللواتي
فقدن أبناءً كانوا يمثلون مصدر الرزق الرئيس لأسرهم.
وتضيف أن معدلات
البطالة بين النساء بلغت مستويات غير مسبوقة وصلت إلى نحو 92%، مقارنة بـ81% بين
الرجال، الأمر الذي دفع النساء إلى خوض رحلة يومية شاقة للبحث عن أي مصدر دخل
يساعدهن على تأمين الغذاء والمأوى والعلاج لأفراد أسرهن.
كما شكلت موجات
النزوح المتكررة عبئاً إضافياً على النساء، في ظل غياب الأماكن الآمنة واستمرار
القصف؛ ما ضاعف الضغوط النفسية والاجتماعية التي يعانين منها، وجعلهن أكثر
احتياجاً إلى الدعم الإنساني والإغاثي والنفسي.
وترى الحسنات أن
المرأة الفلسطينية أثبتت مجدداً قدرتها على الصمود ومواجهة التحديات، حيث فرضت
حضورها ودورها رغم الظروف الاستثنائية التي تعيشها، واستطاعت تحمل مسؤوليات مضاعفة
في مواجهة واحدة من أصعب الأزمات الإنسانية المعاصرة.
تحديات قانونية تهدد النساء والفتيات في غزة
من جانبها، تؤكد
المديرة العامة لمركز الأبحاث والاستشارات القانونية والحماية للمرأة زينب الغنيمي
أن المركز يواصل تقديم خدماته للنساء في مختلف مناطق قطاع غزة، من خلال مقراته
المنتشرة في غزة ودير البلح، إلى جانب بيت الأمان، ومخيم متخصص، و10 مساحات آمنة
موزعة في محافظات غزة وخان يونس والمنطقة الوسطى.
وتوضح أن المركز
يضم فريقاً من الاختصاصيين النفسيين والاجتماعيين والمحامين الذين يقدمون خدمات
الدعم النفسي والاجتماعي والاستشارات القانونية والتمثيل أمام المحاكم، بالإضافة
إلى برامج التوعية القانونية داخل المخيمات ومراكز النزوح.
وتشير الغنيمي
إلى أن الحرب أفرزت تحديات قانونية خطيرة، أبرزها ارتفاع حالات زواج القاصرات دون
سن الثامنة عشرة، نتيجة الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة؛ الأمر الذي أدى إلى
تعرض العديد من الفتيات لمشكلات أسرية وقانونية بسبب عدم نضجهن وعدم قدرتهن على
الدفاع عن حقوقهن.
وتضيف أن عدداً
من هذه الزيجات انتهى بالفشل خلال فترة قصيرة، فيما واجهت الفتيات ضغوطاً عائلية
كبيرة وحرماناً من حقهن في اتخاذ قراراتهن بحرية.
الأرامل وزوجات المفقودين بين المعاناة والفراغ القانوني
وتلفت الغنيمي
إلى أن الأرامل وزوجات المفقودين يواجهن أوضاعاً شديدة التعقيد، إذ تتعرض بعض
النساء لضغوط من عائلات الأزواج بشأن حضانة الأطفال أو الوصاية عليهم، في ظل
نزاعات مرتبطة بالمساعدات وكفالات الأيتام.
وتوضح أن المركز
عمل على مساعدة الأرامل في استخراج الوثائق القانونية وإثبات حقوقهن المالية، إلا
أن العديد من الحالات واجهت صعوبات كبيرة في إثبات استحقاق المعاشات والحقوق
المرتبطة بالزوج المتوفى.
أما زوجات
المفقودين، فتبدو معاناتهن أكثر تعقيداً، إذ يبقى وضعهن القانوني معلقاً في ظل
غياب إثبات رسمي للوفاة، ما يحرمهن من العديد من الحقوق القانونية والاجتماعية
ويجعل مستقبلهن مجهولاً.
العدالة البديلة في مواجهة غياب المؤسسات الرسمية
وتؤكد الغنيمي
أن العدوان أدى إلى تعطيل شبه كامل لمؤسسات العدالة لفترات طويلة، حيث توقفت
المحاكم عن العمل؛ ما تسبب في تراكم المشكلات الأسرية والنزاعات المتعلقة بالنفقة
والحضانة والزواج والطلاق.
وفي مواجهة هذا
الواقع، بادرت المؤسسات النسوية إلى تشكيل لجان للعدالة البديلة في مختلف مناطق
القطاع، بهدف المساهمة في حل النزاعات الأسرية وقضايا العنف ضد النساء والأطفال
عبر الوساطة والأعراف المجتمعية، إلى حين عودة النظام القضائي إلى العمل.
وتوضح أن هذه
اللجان أدت دوراً محورياً في الحد من تفاقم الأزمات الاجتماعية، خصوصاً في ظل
تصاعد معدلات العنف الأسري الناتج عن الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تعيشها
الأسر داخل الخيام ومراكز النزوح.
حماية النساء تبدأ بعودة مؤسسات الدولة
وتختتم الغنيمي
حديثها بالتأكيد أن حماية النساء تتطلب قبل كل شيء استعادة منظومة العدالة وسيادة
القانون، من خلال وجود مؤسسات قادرة على إنفاذ القوانين، ومحاكم تنظر في القضايا،
وأجهزة تنفيذية توفر الحماية للفئات الأكثر هشاشة.
وتشدد على أن
النساء في غزة لا يحتجن فقط إلى المساعدات الإنسانية، بل إلى منظومة متكاملة تضمن
حقوقهن وتحمي كرامتهن وتوفر لهن سبل الوصول إلى العدالة، بما يمكنهن من تجاوز آثار
الحرب واستعادة دورهن الطبيعي في المجتمع.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً