عبدالحميد مدكور.. الفيلسوف الداعية وحارس اللغة الأمين
لم يكن من
العلماء الذين يُعرَّفون بمناصبهم، ولا من أولئك الذين يمكن أن تُختزل مسيرتهم في
قائمة مؤلفاتٍ أو وظائف أو عضويات؛ لأن بعض الشخصيات العلمية تكون أوسع من السيرة
الذاتية نفسها، وأكبر من الأوراق الرسمية التي تؤرخ لها؛ إذ تتحول – مع الزمن –
إلى حالةٍ من الحضور العلمي والإنساني معًا، وإلى صورةٍ حية لما ينبغي أن يكون
عليه العالمُ حين يجتمع له العقلُ والروح، والفكرُ والخلق، والعمقُ العلمي والقبول
الإنساني.
البدايات.. حين يلتقي القرآنُ بالوعي المبكر
ليست كلُّ
البدايات سواء؛ فبعضها يبدأ من مقاعد الدراسة، وبعضها يبدأ من الكتب، وبعضها يبدأ
من صخب الحياة وتقلباتها، غير أنّ بدايات العلماء الكبار كثيرًا ما تبدأ من
القرآن؛ من تلك اللحظة الأولى التي يختلط فيها صوتُ التلاوة بصوت الوعي، ويصير
الحفظُ تربيةً للروح قبل أن يكون تدريبًا للذاكرة، ويغدو الكتاب العزيز نافذةً
يدخل منها الطفل إلى العالم، لا نصًّا يُردَّد فحسب.
ومن هنا بدأت
رحلة العلامة الأستاذ الدكتور عبد الحميد عبد المنعم مدكور؛ في قرية باسوس بمحافظة
القليوبية، حيث وُلد في الأول من أغسطس سنة 1942م، في بيئةٍ مصريةٍ محافظة كانت لا
تزال تحتفظ بشيءٍ من صفاء الفطرة، وقربها من الدين، واتصالها الطبيعي بالأزهر
الشريف.
وفي تلك القرية
الصغيرة، التي قد تبدو بعيدةً عن مراكز الثقافة الكبرى، بدأت تتشكل ملامحُ عالمٍ
سيصير فيما بعد أحد أبرز وجوه الفلسفة الإسلامية والتصوف والفكر الإسلامي في مصر
والعالم العربي؛ حفظ القرآن الكريم صغيرًا على يد الشيخ فرج عبد العاطي، أحد كبار
محفظي القرآن في مصر، وأتم حفظه وهو في العاشرة من عمره، حتى نال جائزة التفوق على
مستوى محافظة القليوبية، وكأن العناية كانت تشير منذ البدايات إلى أن هذا الطفل
الهادئ يحمل في داخله مشروعًا يتجاوز حدود القرية والمدرسة والحياة التقليدية.
التكوين الأزهري على يد أعلام الأزهر
التحق بعد ذلك
بمعهد القاهرة الديني وهو لا يزال في الحادية عشرة من عمره، وكان من أصغر
الملتحقين به سنًّا، غير أنّ صغر السن لم يكن يعني صغر الهمة ولا ضيق الأفق؛ فقد
شاء الله أن يتلقى العلم في مرحلة مبكرة على أيدي نخبة من كبار علماء الأزهر في
ذلك الزمن، ممن جمعوا بين الرسوخ التراثي والانفتاح الفكري، مثل: الدكتور عبد
المنعم النمر، والدكتور موسى شاهين لاشين، والدكتور أحمد الشرباصي، والأستاذ محمد
فتحي عبد المنعم، وغيرهم من الأسماء التي صارت لاحقًا من أعلام المؤسسة الأزهرية
والفكر الإسلامي الحديث.
ولم تكن الدراسة
وحدها هي التي تصوغ وعيه، بل كانت القاهرة نفسها –بما فيها من حراك فكري ودعوي
وثقافي– جزءًا من تكوينه المبكر؛ إذ كان وجود جمعية الشبان المسلمين، ومحاضرات
كبار العلماء والدعاة، يفتح أمامه أبوابًا واسعة من التفكير والرؤية، فاستمع في
شبابه المبكر إلى محمد أبي زهرة، ومحمد الغزالي، ومحمد يوسف موسى، ومحمد فتح الله
بدران، واللواء محمد صالح حرب، وغيرهم من الوجوه التي كانت تمثل آنذاك امتدادًا
لفكرة العالم الذي لا ينفصل عن قضايا الأمة، ولا ينعزل في برج العلم عن واقع
الناس.
ومنذ تلك
السنوات الأولى بدا واضحًا أن شخصيته تتشكل على نحوٍ خاص؛ فثمة ميلٌ إلى التأمل،
ونزوعٌ إلى العمق، مع هدوءٍ ظاهر لا يخلو من حزم، وذكاءٍ لا يصنع ضجيجًا حول نفسه،
وكان التفوق الدراسي يُرافقه في مختلف المراحل، حتى صار من أوائل دفعته في المرحلة
الثانوية، ثم بدأت تتجه روحُه إلى المؤسسة التي وجد فيها الصيغة الأكمل لما يبحث
عنه.. إنها كلية دار العلوم.
دار العلوم.. حيث التقت الأصالةُ بالمعاصرة
لم يكن التحاقه
بدار العلوم انتقالًا جامعيًّا عاديًّا، بل كان اختيارًا فكريًّا واعيًا؛ فقد رأى
في هذه الكلية العريقة صورةً مختلفة للتعليم العربي والإسلامي، تقوم على الجمع بين
علوم التراث ومناهج العصر، وبين اللغة والشريعة والفلسفة، وبين التكوين الأزهري
والانفتاح الحديث، وكانت دار العلوم في ذلك الزمن تعيش واحدًا من أكثر عصورها
ازدهارًا، بعدما عاد عددٌ كبير من أساتذتها من الجامعات الأوروبية حاملين أحدث
المناهج، دون أن يفقدوا صلتهم العميقة بالتراث العربي والإسلامي.
وقد وجد الطالبُ
الشاب في هذه البيئة ما كان يفتش عنه منذ وقت مبكر: عقلًا علميًّا لا يكتفي
بالشكل، ومنهجًا لا يقف عند حدود الحفظ والتكرار، بل يدعو إلى الفهم والتحليل
والنقد والمقارنة؛ ولذلك شعر أن دار العلوم ليست مجرد كلية، بل عالَمٌ كاملٌ
تتداخل فيه الفلسفةُ باللغة، ويلتقي فيه التراثُ بالحاضر، وتتجاورُ فيه شخصيةُ
العالِم القديم مع أدوات الباحث الحديث.
وفي هذه البيئة
تفتحت شخصيتُه العلمية بصورة أعمق، حتى صار من أوائل دفعته طوال سنوات الدراسة،
وظل يتردد بين المركز الأول والثاني، ثم أنهى الليسانس سنة 1966م بتقدير ممتاز مع
مرتبة الشرف الأولى، واختير معيدًا بالكلية في العام نفسه، في إشارة مبكرة إلى أن
أساتذته كانوا يرون فيه مشروع أستاذٍ كبير قبل أن يكتمل نضجُه العلمي.
التكوين الفلسفي.. بين محمود قاسم وعبد الحليم محمود
ثم جاءت المرحلة
الأهم في حياته الفكرية حين اختير للدراسة بقسم الفلسفة الإسلامية، وكان يرأسه
آنذاك العملاق الكبير الدكتور محمود قاسم؛ ذلك الاسم الذي ظل يمثل واحدًا من أبرز
العقول الفلسفية في دار العلوم والجامعة المصرية الحديثة، ولم يكن محمود قاسم مجرد
أستاذ جامعي يلقّن المعلومات، بل كان مدرسةً كاملة في التفكير الحر، والصرامة
العلمية، والنزعة النقدية، والقدرة على قراءة التراث الإسلامي في ضوء الفكر
الإنساني الرحيب.
وقد كان لهذا
الأستاذ أثرٌ بالغ في تكوين تلميذه عبد الحميد مدكور؛ إذ تعلم منه أن احترام
التراث لا يعني تقديسه، وأن الانفتاح على الفكر الإنساني لا يعني الذوبان فيه، وأن
الفلسفة ليست خصومة مع الدين، بل أداة لفهم العالم والإنسان والحضارة.
كما درس على
أيدي أعلام كبار، مثل: محمد عبد الهادي أبو ريدة، وعلي النشار، ومحمد علي أبو
ريان، وأحمد غراب، ومحمد كمال جعفر، وكل واحد من هؤلاء كان يمثل لونًا خاصًّا من
ألوان الفكر الفلسفي والكلامي في مصر الحديثة، ثم اتصل – حين اتجه إلى دراسة
التصوف – اتصالًا وثيقًا بالإمام عبد الحليم محمود، شيخ الأزهر فيما بعد، وهو ما
أضفى على شخصيته بعدًا روحيًّا عميقًا ظل حاضرًا في مشروعه العلمي كله.
ولذلك لم يكن
دخوله إلى التصوف دخولًا عاطفيًّا مجردًا، ولا انحيازًا وجدانيًّا فقط، بل كان
دخولَ الباحث الذي يحاول أن يفهم العلاقة بين الروح والعقل، وبين التجربة
الإيمانية والبناء الحضاري، وبين التزكية والمعرفة، وقد بدا هذا واضحًا في رسالته
للماجستير: «أبو طالب المكي ومنهجه الصوفي»، ثم في رسالته للدكتوراه: «الولاية عند
محيي الدين بن عربي»، وهما عملان يكشفان عن عقلٍ يحاول قراءة التصوف الإسلامي
قراءةً علميةً عميقة، بعيدة عن الاختزال والسطحية والأحكام الجاهزة.
الرحلة إلى فرنسا.. الانفتاح دون الذوبان
وفي أثناء عمله
في الدكتوراه أتيحت له فرصة السفر إلى فرنسا في مهمة علمية، وهناك اتصل بعدد من
كبار المستشرقين والباحثين الغربيين، وفي مقدمتهم: المستشرق الفرنسي روجيه
أرنالديز، فازدادت رؤيته اتساعًا، واتسع أفقه المقارن بين المناهج الشرقية
والغربية، غير أنه خرج من هذه التجربة أكثر وعيًا بقيمة تراثه، لا أكثر انبهارًا
بالآخر.
وهذه نقطة مهمة
في تكوينه؛ إذ إن كثيرًا من أبناء جيله الذين ذهبوا إلى الغرب عادوا إما منبهرين
انبهارًا كاملًا، أو منغلقين انغلاقًا حادًّا، أما هو – مع آخرين - فظل محتفظًا
بالتوازن: يأخذ من المناهج الحديثة دقتها وأدواتها، دون أن يسمح لها بقطع جذوره
الفكرية والروحية والحضارية.
مشروعه العلمي.. الفلسفة حين تخدم الإيمان
عاد بعد حصوله
على الدكتوراه سنة 1980م ليبدأ مرحلة طويلة من التدريس والتأليف والبحث، ولم يكن
أستاذًا جامعيًّا تقليديًّا يكرر المقررات، بل كان صاحب مشروع فكري متكامل، يمتد
من الفلسفة الإسلامية إلى علم الكلام، ومن التصوف إلى قضايا الحضارة والعولمة
والاستشراق والحوار الديني.
ومن يتأمل كتبه
يكتشف سريعًا أن خيطًا ناظمًا يجمعها جميعًا، هو: محاولة إعادة بناء العلاقة بين
الفكر والإيمان، وبين العقل والروح، وبين التراث والواقع؛ ولذلك جاءت مؤلفاته
متنوعة، لكنها متصلة في العمق، من مثل:
- "دراسات
في علم الأخلاق".
- "نظرات
في حركة الاستشراق".
- "في
الفكر الفلسفي الإسلامي: مقدمات وقضايا".
- "دراسات
في العقيدة الإسلامية".
- "نظرات
في التصوف الإسلامي".
- "تمهيد
لدراسة علم الكلام".
- "في
الفكر الإسلامي الحديث والمعاصر".
ولم يكن هذا
التنوع تشتتًا، بل كان تعبيرًا عن عقلٍ يرى أن العلوم الإسلامية شبكة مترابطة، لا
جزرًا منفصلة؛ ولذلك استطاع أن يتحرك بين الفلسفة والكلام والتصوف والأصول والفكر
المعاصر دون افتعال أو تكلف.
وقد عبّر
الدكتور محمد حسن عبد العزيز -الأستاذ بدار العلوم وعضو المجمع رحمه الله تعالى-
عن هذه الحقيقة بدقة حين قال عنه: "إنك لتجده من المناطقة حين يكتب في
المنطق، ومن المتكلمين حين يكتب في الكلام، ومن المتصوفة حين يكتب في التصوف، ومن
الأصوليين حين يكتب في الأصول". وهي شهادة تكشف عن قدرة نادرة على التلبس
الحقيقي بالعلم الذي يكتبه، حتى لا يبدو دخيلًا على أي حقل من هذه الحقول، بل
بوصفه ابنًا أصيلًا من أبنائه.
خدمة التراث.. التحقيق بوصفه بعثًا للحياة
ولم يكن اهتمامه
بالتراث اهتمام قارئٍ أو معلّق فحسب، بل كان اهتمام العالم الذي يرى أن إحياء
النصوص جزء من إحياء الأمة نفسها؛ ولذلك كان له باع طويل في تحقيق الكتب التراثية،
ومن أبرز أعماله:
- تحقيق أجزاء
من «مدارج السالكين» لابن القيم.
- وتحقيق «كشف
التمويهات» لسيف الدين الآمدي بالاشتراك مع أستاذنا الدكتور حسن الشافعي.
- والإشراف على
نشرة جديدة من تفسير الطبري.
- وتحقيق «قوت
القلوب» لأبي طالب المكي.
- وأخيرًا تحقيق
محاسن الشريعة للقفال الشاشي الكبير.
وهذه الأعمال
ليست مجرد جهد فني في إخراج النصوص، بل تعبير عن رؤية تعتبر التراث الإسلامي طاقةً
معرفيةً متجددة، لا متحفًا للماضي.
العلمُ المكنوز حين تضيقُ المناصبُ عن اتساع المعرفة
ومع هذا الإنتاج
العلمي الرفيع، وما نُشر له من كتبٍ وبحوثٍ وتحقيقات، فإنّ من يعرف أستاذنا
الدكتور عبد الحميد مدكور عن قرب، أو يجالسه في لقاءٍ علمي أو حوارٍ فكري، يدرك
سريعًا أنّ كثيرًا من علمه ما يزال حبيس الصدور والأوراق، وأنّ وراء هذا المنشور
المعروف كنوزًا أخرى من التأملات والبحوث والرؤى التي لم ترَ النور بعد؛ لا عجزًا
عن الكتابة، ولا انصرافًا عن العلم، وإنما بسبب ما تحمّله الرجل –على مدى سنوات
طويلة– من أعباءٍ إدارية ومؤسسية وعلمية متشابكة، استغرقت جانبًا كبيرًا من وقته
وجهده، بين المجمع، واتحاد المجامع، واللجان العلمية، والتحكيم، والإشراف،
والمؤتمرات، وسائر المسؤوليات التي صار مرجعًا فيها.
ولعلّ من حق
العلم على أهله، ومن حق طلابه ومحبيه على أستاذهم، أن يتخفف – ما استطاع – من بعض
هذه الأعباء، ليتفرغ أكثر لإخراج هذا العلم المكنوز، ونشر هذه الرؤى المتراكمة
التي يحتاج إليها الفكر الإسلامي المعاصر، في زمنٍ يكثر فيه الضجيج ويقل فيه
العمق، ويعلو فيه المتكلمون ويغيب فيه الراسخون، فما أحوج طلاب العلم والباحثين
اليوم إلى أن تخرج هذه الخبرة الطويلة في الفلسفة والتصوف والكلام والفكر الإسلامي
والحوار الحضاري في صورة كتبٍ ودروسٍ وتأملاتٍ ومذكراتٍ علمية؛ لتكون زادًا
للعقول، ونفعًا للأجيال، وصدقةً جاريةً يبقى أثرها بعد عمرٍ مديدٍ مباركٍ بإذن
الله.
كما أتطلع –ومعي
كثير من محبيه وتلامذته– إلى أن يكون له مجلسٌ علميٌّ ثابت، أو درسٌ أسبوعيٌّ أو
شهريٌّ منتظم، يلتقي فيه بطلبة العلم ومحبيه، في الجامع الأزهر، أو في أي موضع
يختاره؛ فإنّ أمثال هذه الشخصيات لا يكفي أن تُقرأ كتبها، بل تحتاج الأجيال أن ترى
سَمْتها، وتسمع نبرتها، وتخالط روحها؛ لأنّ بعض العلم يُؤخذ من الهيئة قبل
العبارة، ومن السكينة قبل المصطلح.
وأحسب كذلك أنّ
مشروعه الفكري والفلسفي والصوفي والأخلاقي ما يزال بحاجة إلى قراءةٍ أكاديميةٍ
أوسع وأعمق؛ ولذلك فإنني أدعو طلبة الدراسات العليا في دار العلوم، والأزهر، وسائر
الجامعات العربية، إلى الالتفات إلى هذا المشروع الثري، ودراسته في رسائل
الماجستير والدكتوراه؛ ففيه مادةٌ علمية خصبة، تكشف عن صورة متوازنة للفكر
الإسلامي، تجمع بين العقل والروح، وبين الأصالة والانفتاح، وبين المعرفة والسلوك،
وهي معادلةٌ نادرة في زمن الاستقطاب والتشظي الفكري.
حارس اللغة وروح المجمع
حين انتُخب
فضيلته عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة سنة 2003م، ثم أمينًا عامًّا له سنة
2016م، بدا الأمر كأنه امتداد طبيعي لمسيرته العلمية؛ فدار العلوم ومجمع اللغة
العربية ظلّا –تاريخيًّا– جناحين متعانقين في خدمة العربية والفكر الإسلامي.
وفي المجمع لم
يكن إداريًّا جامدًا، بل كان حاضرًا بروح العالم والمثقف والحارس الحضاري للغة
العربية، فشارك في الإشراف على المعجم التاريخي، وعلى الموسوعات العلمية والفكرية،
وأسهم في أعمال اتحاد المجامع اللغوية العربية أمينًا عامًّا له، وظل يحمل همَّ
العربية بوصفها وعاء الهوية والحضارة، لا مجرد أداة تواصل.
العربية عند مدكور بين عبقرية التراث ورهان المستقبل
في حديث متلفز
مع العلامة مدكور لـ"جائزة الكتاب العربي بالدوحة" في دورته الثالثة
2026م نظر إلى العربية لا بوصفها أداةَ تواصلٍ فحسب، ولا باعتبارها تراثًا لغويًّا
جامدًا، بل بوصفها كيانًا حضاريًّا حيًّا، تتجسد فيه روح الأمة، وذاكرتها
التاريخية، وقدرتها على الإبداع والبقاء؛ ولذلك رأى أن العربية ليست لغةً عاجزة عن
حمل الفكر، ولا قاصرةً عن مجاراة التطور، وإنما العجز فينا نحن، حين نقصر بها عن
آفاقها العليا، ونحرمها من حقها في العلم والإبداع والحضور، وقد أثبتت العربيةُ
عبر تاريخها الطويل أنها كانت لغة الفلسفة والطب والمنطق والكلام وسائر العلوم،
وحملت عقولًا كبرى كابن سينا في «الإشارات والتنبيهات» و«الشفاء»، فصاغت أدق
المعاني في بيانٍ رشيق، وعبارةٍ محكمة، ولسانٍ مبين.
ورأى –في الحديث
المشار إليه- أن من الخطأ الجسيم وصف العربية بالبداوة أو التخلف أو العجز عن
العصر؛ فهذه دعوى يصادمها التاريخ، وتنقضها التجربة الحضارية للأمم، فالأمم لا
تنهض بلغات غيرها، ولا تدخل ميدان الإبداع وهي تستعير لسانها من الآخرين؛
فالإنجليزي يبدع بلغته، والصيني بلغته، والكوري بلغته، ولا تكون الأمةُ أمةً
مكتملة الشخصية حتى تجعل لغتها وعاءَ علمِها، ولسان نهضتها، ومرآة هويتها؛ ولذلك
كان يؤكد أن الحضارة الإسلامية لم تتقدم يوم كانت تابعةً للغات غيرها، وإنما نهضت
حين امتلكت الثقة بلغتها، وحوّلت المعرفة الوافدة إلى جزءٍ من مشروعها الحضاري، ثم
أضافت إليها وأبدعت فيها.
ومن هنا كان
يؤمن أن اللغة تقوى بقوة أهلها ودولها ومؤسساتها؛ فإذا رفعت الأمة يدها عن نصرة
لغتها ضعفت وهانت، كما قال ابن حزم قديمًا؛ ولذلك لم يكن الدفاع عن العربية عنده
ترفًا ثقافيًّا، ولا حنينًا رومانسيًّا إلى الماضي، بل قضية وجودٍ وهويةٍ واستقلال
حضاري، تستوجب أن تتآزر فيها جهود الدولة والعلماء والتعليم والإعلام والمؤسسات
الثقافية والفنية؛ حتى تستعيد العربيةُ حضورَها الحقيقي في المدرسة والجامعة، وفي
الفن والرواية والمسرح والخطاب العام والإبداع التّقْني.
ومع هذا كله، لم
يكن يدعو إلى الانغلاق عن اللغات الأجنبية، بل كان يفرق بوضوح بين تعلُّم اللغات
-وهو ضرورة علمية وحضارية- والتعلم باللغات الذي هو الذوبان فيها أو إقصاء العربية
لصالحها؛ فنحن نتعلم لغات العالم لنأخذ عنها المعرفة والخبرة، لكننا لا نستطيع أن
نُعبّر عن ذواتنا، وتاريخنا، وآمالنا، ومشكلاتنا، إلا بلغتنا نحن؛ ولذلك كان يرى
أن العربية إذا أُعطيت حقها في الحياة والعلم والإبداع، فإنها قادرة على أن تنتفض
من جديد، وتكشف عن كنوزها المكنونة، وتستأنف دورها التاريخي في حمل المعرفة وصناعة
الحضارة، كما فعلت يوم كانت لغة الدنيا وعقل علومها.
العالم الإنسان.. رقة القلب وسمت الدعاة
ومع كل هذا
العمق العلمي، بقي فيه شيء لا تمنحه الكتب ولا الجامعات: روح الداعية الرباني
الهادئ؛ فهو خطيب مؤثر، ووجه اجتماعي محبوب، ومرجعية أخلاقية في بيئته، ولم يكن
علمُه منفصلًا عن سلوكه؛ ولذلك يشعر من يجلس إليه أنه أمام رجلٍ يحمل سكينةً
داخلية، لا مجرد معرفة أكاديمية.
ورغم أنني لم
أتشرف بالدراسة عليه مباشرة، لكنني تشرفت بلقائه مَرّات، والجلوس معه كَرّات،
والاتصال به والاستفادة من توجيهاته ونظراته، وما زلت أرى فيه صورة العالم الذي
يجمع بين الهيبة واللين، وبين الوقار والبساطة، وأحسب أن الله قد وضع له القبول في
الأرض والسماء، فلا يكاد يعرفه أحد إلا أحبه، ولا يجلس إليه إنسان إلا خرج وهو
يشعر أنه اقترب من روحٍ صافية، ونفس شفافة، وقلب مُخْبت منيب!
العلماء الذين يشبهون الرسائل
إن عبد الحميد
مدكور ليس مجرد أستاذ في الفلسفة الإسلامية، ولا مجرد أمين عام لمجمع اللغة
العربية، أو لاتحاد المجامع العربية اللغوية، بل هو صورة لجيلٍ كامل من علماء دار
العلوم الذين جمعوا بين التكوين الأزهري، والعمق الفلسفي، والانفتاح الحضاري،
والروح الدعوية، وخدمة العربية، والاشتغال بقضايا الأمة.
وإذا كان بعض
العلماء يتركون كتبًا، فإن بعضهم يترك – مع الكتب – أثرًا إنسانيًّا خفيًّا، يمتد
في النفوس قبل العقول، ويظل حيًّا في الذاكرة حتى بعد غياب الأسماء والصور، وأحسب
أن أستاذنا الدكتور عبد الحميد مدكور من هذا الصنف النادر؛ أولئك الذين إذا ذُكروا
ذُكر معهم العلمُ والرسوخ والخلق والسكينة والقبول.
أطال الله عمره
على الطاعة، وبارك في علمه وعمله، وجعل ما قدمه للإسلام والعربية والفكر الإسلامي
في ميزان حسناته، وأبقى أثرَه حيًّا في طلابه ومحبيه، ما بقي للعلم أهلُه، وللغة
حرّاسُها، وللروح مناراتُها وإشعاعُها.
اترك تعليقاً
التعليقات (2)
د. نبيلة الخطيب
منذ 5 أشهرما شاء الله تبارك الله.. سيرة مشرفة لقامة علمية متميزة. وكم أنا فخورة بأنه تفضل بكتابة مقدمة ثرية لكتابي جماليات الخطاب وجدلية المكان مراوحة بين التأثير والتأثر.. قصة يوسف نموذجا. أطال الله عمر عالمنا بمزيد من الصالحات وأنعم عليه بوافر الصحة والعافية.
محمد شلبي
منذ 5 أشهرما شاء الله.. من أوفى وأجمع المقالات التي كتبت عن أستاذنا الجليل العلامة عبد الحميد مدكور .. رضي الله عنكم دكتور وصفي .. وإن أستاذنا الجليل لمن حسنات الزمان .. معرفته نعمة .. وصحبته نعيم .. وكم تعلمنا على يديه ما لم نتعلم من غيره .. ثم كان على علو مقامه تحتار في وصفه أوالد عالم أم عالم والد .. أدام الله ظله علينا ومد في عمره بركة وعددا ..