عظماء قانونيون (2)
عبدالرزاق السنهوري.. الفقيه الخامس!
لُقِّب
عبدالرزاق السنهوري بـ«الفقيه الخامس» -من أستاذه القانوني الكبير إدوارد لامبير-
للدلالة على تميزه وإضافته القيمة، في مضمار التشريع الإسلامي، حيث أعاد للشريعة
الإسلامية مكانتها في التقنين الحديث، وصاغ للعرب قوانينهم المدنية بأيادٍ مسلمة،
بعد عقود من فرض التشريعات أجنبية مترجمة!
ولد هذا المسلم
القانوني العظيم في الإسكندرية بمصر عام 1895م، في أسرة متواضعة الحال، وفقد والده
صغيرًا، لكن النبوغ رافقه منذ مقاعد الدراسة، حيث كان الثاني على طلاب الثانوية في
مصر كلها، وكان الأول على طلاب دفعته بكلية حقوق القاهرة عام 1917م، وعُيّن بعدها
في النيابة العامة، فجمع باكرًا بين العلم والعمل القضائي.
كان متفاعلاً مع
قضايا أمته ووطنه، متبنيًا لفكر «الجامعة الإسلامية»، نفته سلطات الاستعمار
الإنجليزي إلى أسيوط في جنوب مصر، إثر مشاركته في ثورة 1919م، الداعية لطرد
الاحتلال ونيل الاستقلال.
انتقل بعد ذلك
للعمل الأكاديمي عام 1920م، وأصبح مدرسًا في مدرسة القضاء الشرعي، وزامل فيها
أعلام المفكرين الإسلاميين، مثل عبدالوهاب عزام، وأحمد أمين، وعبدالوهاب خلاف.
ثم سافر إلى
فرنسا، حيث نال من جامعة «ليون» درجتي دكتوراة، إحداهما التي ابتعث لها في
القانون، واختيرت كأحسن رسالة دكتوراة حينها، والأخرى بعنوان «فقه الخلافة وتصورها
لتصبح هيئة أمم شرقية»، كتبها في عام 1926م تأثرًا بإلغاء الخلافة عام 1924م،
وردًا على إنكار الشيخ علي عبدالرازق وجود نظام حكم في الإسلام عام 1925م.
ومما قال في
ذلك: «يمتاز الإسلام بأنه دين ودولة، وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم لا لتأسيس
دين فحسب، بل لبناء قاعدة دولة تتناول شؤون الدنيا، وهو بهذا الاعتبار مؤسس
الحكومة الإسلامية، كما أنه نبي المسلمين».
وبعد عودته عمل
السنهوري أستاذًا للقانون المدني، ثم عميدًا لكلية الحقوق، ووزيرًا للمعارف في 4
حكومات، ثم رئيسًا لـ«مجلس الدولة»، أعلى صرح للقضاء الإداري في مصر، عام 1949م،
حيث أرسى مبادئ خالدة في حماية الحريات العامة، ومنع تغوّل السلطة، وإلغاء
القرارات الإدارية الجائرة.
وذروة عطائه
القانوني كانت صياغته القانون المدني المصري الصادر عام 1948م، الذي استمد كثيرًا
من أحكامه من الفقه الإسلامي، ثم تتابعت عليه طلبات الدول، فوضع القانون المدني
العراقي، وأسهم في التقنين السوري والليبي، وجاء إلى الكويت مطلع الستينيات، فكان
مستشارًا لحكومتها وأول رئيس لإدارة الفتوى والتشريع فيها.
وقد دفع ثمن
استقلاله وانحيازه للعدالة غاليًا، فبعد أن تصدى مجلس الدولة برئاسته لقرارات سلطة
ثورة يوليو 1952م، اقتحم الغوغاء -بتحريض- المجلس عام 1954م، واعتدوا عليه بالضرب
وهو في محرابه القضائي، ثم عُزل وأُقصي، فانصرف إلى العلم والتصنيف صابرًا
محتسبًا.
ولم يكن
السنهوري قانونيًا صرفًا، بل كان صاحب مشروع حضاري، يرى أن الشريعة الإسلامية معين
لا ينضب، وأن إحياءها في التقنين الحديث فريضة علمية عملية، فوضع موسوعته الخالدة
«الوسيط في شرح القانون المدني» في 10 أجزاء، وكتابه «مصادر الحق في الفقه
الإسلامي» في 6 أجزاء، مثبتًا أن فقهنا يضاهي -بل يفوق- أعرق النظم القانونية
وأرقاها.
توفي، يرحمه
الله، هذا المسلم العظيم، القاضي، الفقيه، صائغ القوانين وشارحها، «الفقيه
الخامس»، عام 1971م، وبقيت قوانينه نافذة تنظم تصرفات مئات ملايين العرب، وبقيت
مبادئه القضائية دروعًا للحقوق والحريات، وقلَّ أن اجتمع لقانوني مسلم ما اجتمع
له، من علم غزير وعمل وفير، مع هوية جلية ورسالة حضارية.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً