أخلاق الموظف.. بين المنصب والذاكرة

صورة غلاف لمقال بعنوان أخلاق الموظف للكتورمحمد احمد عزب بمجلة المجتمع

أخلاق الموظف.. بين المنصب والذاكرة

 من نماذج التاريخ التي لم تمحها عاديات الزمن، ودونتها كتب السيرة النبوية؛ أن عمرو بن العاص -قبل إسلامه- حاول أن يستميل النجاشي ملك الحبشة بهدايا ثمينة ليُسلِّم إليه المهاجرين المسلمين، لكن النجاشي رفض أن يجعل الهدايا تؤثر في حكمه، وقال كلمته الخالدة: «ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، فآخذ الرشوة فيه؟».

ولم تكن هذه العبارة مجرد إعلان للنزاهة، بل كانت استحضارًا لذاكرةٍ لم تغادره؛ فقد ذاق في شبابه مرارة فقد الملك، وبيع في الرق، ثم رد الله إليه ملكه بعد ذلك، فرأى أن النعمة التي أعادها الله إليه ليست وسيلة للظلم أو للمساومة، بل أمانة تستوجب العدل.

لقد منعته ذاكرة المعاناة من أن ينسى قيمة الإنصاف حين أصبح صاحب سلطان، فكانت التجربة الماضية رقيبًا على قراراته في الحاضر، ولم يسمح للمنصب أن يمحو ما تعلمه في أيام المحنة.

تسلط تلك الحادثة وذكريات الزمن لدى النجاشي رضي الله عنه الضوء على علل في هذا العصر حول معايير يجب أن تراعى، بين أقوام اختصهم الله بنعم فيها منافع العباد، خاصة في ظل غياب تجليات الرحمة التي تتلاشى شيئاً فشيئاً بين الناس.

معيار النجاح

المؤسسة الناجحة ليست هي التي لا يُخالف فيها الموظفون اللوائح، وإنما تلك التي لا يفقدون فيها إنسانيتهم وهم يطبقون لوائحها، فالأنظمة وُضعت لخدمة الناس وتحقيق العدل بينهم، والعدل لا يكتمل إذا غابت عنه الرحمة؛ لأن الرحمة ليست استثناءً من النظام، بل هي الروح التي تمنحه معناه، وتجعله أقرب إلى تحقيق الغاية التي وُضع من أجلها.

يدخل أحد المتعاملين إلى مؤسسة لإنجاز معاملة من معاملاته المطلوبة، فيُفاجأ بموظف يرفض طلبه بحزم، ويكتفي بالإشارة إلى اللائحة، فيأتي بذهنه خاطر يقول دون أن ينطق: هذا الموظف نفسه كان بالأمس يشتكي من مثل هذه الإجراءات، فكيف أصبح ممارساً لهذا التعنت بهذا الاندفاع؟

وقد يكون من اللافت أن هذا الموظف نفسه يشتكي من إجراءات مؤسسة أخرى في قضاء مصلحة له، يستقبله موظفوها بنفس ما يستقبل هو ذوي الحاجات وبعدما قضى سنوات يشكو من تعقيد الإجراءات وقسوة المؤسسات، لكنه ما إن أصبح جزءًا منها حتى تبنى خطابها، وصار يدافع عن كل ما كان ينتقده بالأمس، فما الذي تغيّر؟ هل تبدلت قناعاته، أم أن المؤسسة أعادت تشكيل طريقته في النظر إلى معاملات الناس؟

ذاكرة ليست بعيدة

قبل أن يجلس امرؤ خلف المكتب، لا بد أنه وقف أمامه يومًا ما، وقبل أن يحمل ختم الموافقة أو الرفض، كان يحمل طلبًا وينتظر من يوقعه له، وفي وسط هذا كان لائحًا أنه يضيق بطول الإجراءات، ويتألم من العبارات الجافة التي تصدر له، ثم هو يتعجب من الموظف الذي يرفض أن يبذل جهدًا إضافيًا ليساعده، وربما خرج يومًا من إحدى المؤسسات وهو يقول في نفسه: لو كنت مكانه لفعلت غير ذلك.

ثم مرت الأيام، وأصبح في المكان نفسه، فصرنا نستدعي له قوله تعالى: (وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ اللّهَ لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ {75} فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ) (التوبة)، صحيح أن الآية في مناسبة غير ما نحن فيه، لكنها تدل على تبد الحال وانقلاب العهود وعدم الوفاء بها.

يبدأ الامتحان الحقيقي، من امتحان الذاكرة، وليس امتحان الالتزام باللوائح، هل ما زالت مشاعر التذكر محمولة وصاحبها غدا واقفاً خلف المكتب بعد أن كان يوماً ما واقفاً أمامه؟ وهل المنصب محا الذاكرة، حتى صار مأزوم الأمس من تعقيد الإجراءات هو من يردد العبارات نفسها التي كان بالأمس يستنكرها؟

إن أخطر ما في المنصب، أو الوظيفة المرموقة التي تتعلق بها مصالح كثير من الناس، ليس ما تمنحه من سلطة، وإنما ما قد تُحدثه في صاحبها من تغيير في زاوية النظر؛ فيرى اللوائح قبل أن يرى أصحاب الحاجات، ويرى الإجراءات قبل أن يرى الإنسان، وبعد أن كانت رؤية الإنسان أولًا، صارت المعاملة تُرى أولًا، وبعد أن كان الشعور بالمعاناة في إنجاز الحاجة، أصبح الهمُّ الأكبر ألا يجد ملامًا على قرار يتخذه، ومع مرور الوقت، قد تتحول القسوة إلى عادة، لا لأن القلب قسا، ولكن لأن الذاكرة خفت صوتها.

لا أحد يطلب مخالفة النظام، ولا أن يمنح الناس ما لا يستحقون، ولا أن تتجاوز الصلاحيات، لكن النظام نفسه لا يمنع من إحسان الاستماع، وشرح السبب باحترام، والبحث عن مخرج نظامي إذا كان موجودًا، والشعور الأكيد بأن من يقف الآن طالبًا لخدمه لا بد من مساعدته لا التخلص منه، فكثير من الناس يستطيعون تقبل كلمة «لا»، لكنهم لا ينسون الطريقة التي قيلت بها.

أخلاق الموظف قبل اللوائح

قد يعتذر الموظف بحجة أن التعليمات صارمة -وهذا صحيح في كثير من الأحيان- غير أن التعليمات لا تفرض على مستعملها القسوة، ولا تلزم بغلظة العبارة، ولا تمنع من الاجتهاد في حدود ما، فبين الموظف الذي يبحث عن سبب للرفض، والموظف الذي يبحث عن طريق للحل، مساحة واسعة يصنعها الضمير قبل أن تصنعها اللوائح.

إن تجربتك -أخي الموظف- السابقة لم يمنحك الله إياها عبثًا، فما مررت به من انتظار، أو تعقيد، أو شعور بالعجز أمام نافذة خدمة، كان ينبغي أن يجعلك أقدر على فهم الناس، لا أن يجعلك نسخة ممن كنت تشكو منهم! فالذاكرة نعمة إذا قادت إلى الرحمة، لكنها تصبح نقمة إذا دفنها المنصب.

إن من أجمل صور المهنية بقاء الإنسان إنسانًا مع أداء الواجب؛ فالنجاح الوظيفي لا يقاس فقط بعدد التعليمات التي طُبقت، بل بعدد الناس الذين خرجوا وهم يشعرون بأنهم عوملوا باحترام وإنصاف، حتى لو لم يحصلوا على ما أرادوا، فكم من معاملة رُفضت، لكن صاحبها خرج شاكرًا لحسن المعاملة! وكم من حق مُنح لصاحبه، لكنه خرج وهو يشعر بالإهانة!

بين الحين والآخر لا بد أن يسأل المرء نفسه سؤالًا بسيطًا: لو عدت اليوم ذا حاجة؛ فهل أتمنى أن يكون الموظف الذي سيستقبلني نسخة مني؟ إن كانت الإجابة نعم، فاحمد الله واثبت على ما أنت عليه، أما إن ترددت في الجواب، فاعلم أن المشكلة ليست في المنصب، وإنما في شيء بدأ يذبل في داخلك.

لا تدع المنصب يمحو ذاكرتك

وتذكر أن أفضل الموظفين ليسوا أولئك الذين يحفظون اللوائح عن ظهر قلب فحسب، بل الذين يتذكرون دائمًا أنهم كانوا يومًا في المكان نفسه الذي يقف فيه الناس أمامهم اليوم، فمن حفظ ذاكرته، حفظ إنسانيته، ومن حفظ إنسانيته، أحسن خدمة الناس، وحقق مقصود النظام قبل أن يطبق نصه.

وليتذكر المرء دائماً قوله صلى الله عليه وسلم: «إن لله قوماً يختصهم بالنعم لمنافع العباد، ويقرها فيهم ما بذلوها، فإذا منعوها نزعها منهم فحولها إلى غيرهم»، ويا بؤس من تحولت عنه نعمة كونه لم يحسن شكرها!

الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة