من وصايا الرسول ﷺ في الحروب (8)
النهي عن الفساد في الأرض أثناء القتال
حين تشتعل
الحروب، يظن بعض الناس أن كل الخيارات مباحة، وأنه لا مجال للحديث عن القيم
والعمران، فالقتل والدمار والخراب يسود الموقف، لكن الإسلام وقف موقفاً مغايراً
لذلك، حيث أكد أن الصراع لا يسقط القيم الأخلاقية، ولا يبيح الفساد في الأرض، بل
يفرض على معتنقيه أن يلتزموا بالضوابط التي تحفظ كرامة الإنسان وعمارة الأرض.
فقد أوضحت
الوصايا النبوية الشريفة في الحروب أن القتال ليس انتقامًا أعمى، ولا خراباً
شاملًا، بل هو عمل منضبط ومحكوم بمبادئ وضوابط دقيقة؛ فلا يُقتل إلا من يباشر
القتال، ولا يؤذى الضعيف، ولا تُقطع الأشجار، ولا يُهْدَم البناء.
ومن هنا تظهر
القيمة العليا للتشريع الإسلامي في تقرير مبدأ حماية الأرض من الفساد حتى في زمن
الحرب، فالمسلم في كل أحواله يحمل رسالة الإصلاح، لا أدوات الهدم، ويصنع السلام،
لا الفوضى.
مظاهر الفساد التي نهى عنها الإسلام في الحروب
لقد نهى الإسلام
عن كل ما من شأنه الفساد في الأرض عموماً، حيث قال تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ
فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ
أَلَدُّ الْخِصَامِ {204} وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا
وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ) (البقرة). وقال عز وجل: (وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا) (الأعراف: 56).
والفساد في
الأرض في وقت القتال منهي عنه أيضاً في الإسلام، فهذه وصية النبي صلى الله عليه
وسلم للجيش في غزوة «مؤتة»، حيث روى الواقديّ عن زيد بن أرقم رفعه، قال: «أوصيكم
بتقوى الله، وبمن معكم من المسلمين خيراً، اغزوا باسم الله في سبيل الله، فقاتلوا
من كفر بالله، لا تغدروا ولا تغلّوا، ولا تقتلوا وليداً، ولا امرأة، ولا كبيراً
فانياً، ولا منعزلاً بصومعة، ولا تقربوا نخلاً، ولا تقطعوا شجراً، ولا تهدموا
بناء» (إنارة الدجى في مغازي خير الورى، ص 559).
وروى الطبراني
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
«إِذَا غَزَوْتَ فَلَقِيتَ رَجُلَا فَلَا تَجْبُنْ، وَوَجَدْتَ فَلَا تَغُلَّ، وَلَا
تُؤْذِيَنَّ مُؤْمِنًا، وَلَا تَعْصِيَنَّ ذَا أَمَرٍ وَلَا تَحْرِقَنَّ نَخْلَا
وَلَا تُغَرِّقَنَّهُ» (مسند الشاميين، 4/ 332).
وروى البيهقي
عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ رحمه الله، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ
عَنْهُ لَمَّا بَعَثَ الْجُنُودَ نَحْوَ الشَّامِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ،
وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَشُرَحْبِيلَ ابْنَ حَسَنَةَ، قَالَ: «أُوصِيكُمْ
بِتَقْوَى اللهِ، اغْزُوا فِي سَبِيلِ اللهِ فَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللهِ،
فَإِنَّ اللهَ نَاصِرٌ دِينَهُ، وَلَا تَغُلُّوا، وَلَا تَغْدِرُوا، وَلَا
تَجْبُنُوا، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ.. وَلَا تُغْرِقُنَّ نَخْلًا وَلَا
تَحْرِقُنَّهَا، وَلَا تَعْقِرُوا بَهِيمَةً، وَلَا شَجَرَةً تُثْمِرُ، وَلَا
تَهْدِمُوا بَيْعَةً..» (السنن الكبرى، 9/ 145).
هل يجوز قطع أشجار العدو أو هدم أبنيته في الحرب؟
في الوصايا التي
سبق ذكرها تأكيد على تحريم الفساد في الأرض، ونهي عن تخريب العمران عند الحرب،
فالمسلم في كل حرب لا يقطع الشجر أو يحرق الثمر أو يقتل الحيوان أو يهدم البناء،
وهذا كله بشرط ألا تستخدم هذه الأشياء في الحروب كأدوات مساعدة للعدو.
أما إذا
استخدمها العدو في القتال أو احتمى بها فإنه يجوز قطعها، ويدل على ذلك ما فعله
النبي صلى الله عليه وسلم من قطع الأشجار في حصار بني النضير، حيث روى البيهقي عن
عَمْرِو بن حَزْمٍ، قَالَ: لَمَّا تَحَصَّنَ بَنُو النَّضِيرِ مِنْ رَسُولِ اللَّه
صَلَّى اللَّه عليه وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَطْعِ نَخْلِهِمْ وَتَحْرِيقِهِ،
فَقَالُوا: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا كُنْتَ تَرْضَى الْفَسَادَ، فَأَنْزَلَ
اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ لَيْسَ بِفَسَادٍ قَالَ اللَّه عَزَّ
وَجَلَّ: (مَا قَطَعْتُمْ
مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ
وَلِيُخْزِيَ الْفَاسِقِينَ) (الحشر: 5) (دلائل النبوة: للبيهقي، 3/ 355)،
فالإسلام لم يمنع قطع الأشجار مطلقاً، بل قيده بالضرورة والحاجة، مثل قطعها دفعاً
لضرر أعظم، أو تحصن العدو بها واستخدامها ضد المسلمين في الحرب.
الجوانب الحضارية للنهي عن الفساد في الأرض عند الحروب
إن النهي
الإسلامي عن قطع الأشجار وتخريب العمران إعلان لاحترام الحياة الإنسانية عامة،
والحرص على صيانتها من العبث والفوضى، وهذا شاهد صدق على عظمة الدين الإسلامي،
وتظهر الثمرات الحضارية لهذا النهي فيما يأتي:
1- التأمين الغذائي للناس في وقت الحرب:
فقد حرصت
الشريعة الإسلامية على منع تدمير مصادر الطعام والشراب في وقت الحرب، إذ لا ذنب
للأبرياء، فلا ينبغي قطع الأشجار ولا تحريق الثمار، ولا إغلاق الطرق البرية أو
البحرية أو الجوية التي تسهم في وصول الطعام والشراب والدواء والكساء للناس؛ لأن
هذه أبواب الموارد التي يعتمد عليها الناس في حياتهم اليومية، ومما يدل على ذلك من
السيرة النبوية ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة «ثقيف»، حيث حاصر النبي
صلى الله عليه وسلم والصحابة الطائف، ولمّا ضاق الحصار، وطالت الحرب، أمر النبي
صلى الله عليه وسلم بقطع أعناب ثقيف وهي مما يعتمدون عليها في معاشهم، ووقع الناس
فيها يقطعون، فسألوه أن يدعها لله، وللرحم، فقال: «فإنّي أدعها لله والرحم»
(السيرة النبوية، أبو الحسن الندوي، ص 474).
2- حماية البناء الحضاري:
نهى الإسلام عن
تخريب العمران وإتلاف الزروع والثمار بغير حاجة، لأنه ينظر إلى العمران والبناء
الحضاري بصفته قيمة تجب صيانتها عن التدمير حتى في أوقات الحروب، فهي أسس للحضارة
ومظاهر للرقي والتقدم، وقد بذل صانعوها جهداً كبيراً في تأسيسها وحمايتها من أجل
نفع الناس؛ لذا يجب الانتفاع بها وعدم تعريضها للتدمير والإفساد.
3- المحافظة على البيئة:
إن تقرير
الإسلام حماية الشجر والثمر من القطع والفساد يسهم في التأكيد على أن الإنسان مسؤول
عن بيئته، فيجب أن يحرص على تنميتها لا إفسادها، وأن القتال لا يعني حرق الأخضر
واليابس، بل إزالة المعتدي فقط.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً