قراءة في كتاب «التوسل.. أنواعه وأحكامه» للألباني
يمثل كتاب
«التوسل أنواعه وأحكامه» للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، دراسة عقدية وحديثية
لمسألة التوسل إلى الله تعالى، وهي من المسائل التي تعددت فيها أقوال العلماء
واختلفت حولها الممارسات الدينية.
أصل الكتاب وفصوله
وتعود مادة
الكتاب إلى محاضرتين ألقاهما الألباني في دمشق عام 1392هـ، ثم جرى تحريرهما
وتوسيعهما وتوثيق أدلتهما، وقد انتظم الكتاب في 4 فصول: تبدأ بتحديد مفهوم التوسل،
ثم بيان ضوابط الوسائل، وصولًا إلى أنواع التوسل المشروع ومناقشة أدلة المخالفين.
فكرة الكتاب
وتتمثل فكرته
الأساسية في أن التقرب إلى الله عبادة لا تُحدد وسائلها بالأهواء والعادات، وإنما
بما ثبت في القرآن الكريم والسنة الصحيحة، ومن هنا يسعى المؤلف إلى التمييز بين
الوسائل التي يراها مشروعة، وتلك التي لا يجد دليلًا معتبرًا على مشروعيتها.
أقسام الكتاب
الفصل الأول: التوسل في اللغة والقرآن:
يبدأ الشيخ
الألباني بحثه من المعنى اللغوي للتوسل، موضحًا أن الوسيلة هي ما يُتقرب به إلى
المطلوب ويُتوصل به إلى الغاية، ويستشهد بأقوال علماء اللغة، لإثبات أن أصل الكلمة
يدور حول القرب والرغبة والطلب.
ثم ينتقل إلى
المعنى القرآني، مستدلًا بقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ
الْوَسِيلَةَ) (المائدة: 35).
ويرى المؤلف أن
الوسيلة المأمور بابتغائها هي التقرب إلى الله بالإيمان والطاعة والأعمال الصالحة،
وليست مجرد اتخاذ واسطة بين العبد وربه.
ويؤكد أن العمل
لا يكون وسيلة مقبولة للتقرب إلى الله إلا بشرطين متلازمين؛ إخلاص النية لله
تعالى، وموافقة العمل لما شرعه الله ورسوله، مستدلا بقوله تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ
رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ
أَحَدًا) (الكهف: 110).
وعلى هذه
القاعدة بنى بقية الكتاب: صلاح المقصد وحده لا يكفي لتصحيح الوسيلة، بل لا بد من
مشروعيتها أيضًا.
الفصل الثاني: الوسائل الكونية والشرعية:
ينتقل المؤلف إلى تقسيم الوسائل إلى نوعين رئيسين: وسائل كونية، ووسائل شرعية:
الوسائل الكونية: وهي الأسباب الطبيعية التي أودع الله فيها خصائص تحقق غايات معينة، مثل الطعام للشبع، والماء للري، والدواء للعلاج، وهذه الوسائل يشترك في الانتفاع بها المؤمن وغير المؤمن.
الوسائل
الشرعية: وهي الأسباب التي جعلها الله طريقًا لتحصيل الخير والثواب والقرب منه،
كالإيمان والطاعة والدعاء والعمل الصالح.
ويقرر الألباني
أن صحة الوسيلة الكونية تتطلب أن تكون مباحة، وأن يثبت نفعها أو يغلب على الظن
تحقيقها للمقصود، بينما تتوقف مشروعية الوسيلة التعبدية على الدليل الشرعي الصحيح.
ومن خلال هذا
التفريق، ينتقد الاعتقاد بأن بعض الأشياء أو الأشخاص يمتلكون قدرة خاصة على تحقيق
المطالب دون دليل شرعي أو سبب كوني ثابت.
ويؤكد أن
المسألة لا تتعلق بقدرة الله تعالى على إجابة الدعاء، فهو قادر على كل شيء، وإنما
تتعلق بصحة اتخاذ سبب معين وسيلة للتقرب إليه.
وهذا الفصل يمثل
الإطار المنهجي الذي يمهد به المؤلف للتمييز بين التوسل المشروع وغير المشروع.
الفصل الثالث: التوسل المشروع وأنواعه:
يمثل هذا الفصل
محور الكتاب الأساسي؛ إذ يستعرض الألباني ثلاثة أنواع من التوسل يرى أنها ثابتة
بالكتاب والسُّنة.
النوع الأول:
التوسل إلى الله بأسمائه وصفاته: وهو أن يدعو المسلم ربه متوسلًا إليه باسم من
أسمائه الحسنى أو صفة من صفاته العليا، كأن يقول: اللهم برحمتك أرجو مغفرتك، أو
أسألك بعلمك وقدرتك أن تيسر أمري.
ويستدل بقوله
تعالى: (وَلِلَّهِ
الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا) (الأعراف: 180).
ويرى أن هذا
النوع يجمع بين تعظيم الله وإظهار الافتقار إليه، وهو من أوضح صور التوسل المشروع.
النوع الثاني:
التوسل إلى الله بالعمل الصالح: وفيه يقدم المسلم بين يدي دعائه عملًا صالحًا أداه
بإخلاص، راجيًا أن يكون سببًا لاستجابة دعائه.
ويستشهد المؤلف
بحديث أصحاب الغار الثلاثة الذين أغلقت عليهم صخرة باب الغار، فتوسل كل منهم إلى
الله بعمل صالح خالص: بر الوالدين، والعفة عن الحرام، وأداء الأمانة، فانفرجت
الصخرة وخرجوا.
ويستخلص أن
الإخلاص والطاعة من أعظم أسباب القرب من الله، وأن الأعمال الصالحة ليست مجرد
تكاليف يؤديها الإنسان، بل زاد يتقرب به إلى ربه في أوقات الشدة والرخاء.
النوع الثالث:
التوسل بدعاء المسلم الصالح: ومعناه أن يطلب الإنسان من مسلم حي صالح أن يدعو الله
له، ويستدل الألباني بما ثبت من طلب الصحابة الدعاء من النبي صلى الله عليه وسلم
في حياته، ومن ذلك استسقاؤهم بدعائه عند انقطاع المطر.
كما يستشهد
باستسقاء عمر بن الخطاب رضي الله عنه بالعباس بن عبدالمطلب رضي الله عنه بعد وفاة
النبي صلى الله عليه وسلم.
ويفسر الألباني
هذه الواقعة بأنها توسل بدعاء العباس، لا بمجرد ذاته أو منزلته؛ لأن الصحابة، وفق
استدلاله، طلبوا منه الدعاء كما كانوا يطلبونه من النبي في حياته.
ويخلص الفصل إلى
أن هذه الأنواع الثلاثة ثابتة المشروعية، بينما يرى المؤلف عدم جواز اتخاذ غيرها
وسيلة تعبدية دون دليل صحيح.
الفصل الرابع: شبهات والجواب عليها:
يخصص الألباني
الفصل الأخير، وهو أوسع فصول الكتاب، لمناقشة الأدلة التي يستند إليها القائلون
بجواز التوسل بذوات الأنبياء والصالحين أو جاههم.
ويبدأ بحديث
استسقاء عمر بالعباس، موضحًا أن انتقال عمر إلى طلب الدعاء من العباس بعد وفاة
النبي صلى الله عليه وسلم يؤيد، في نظره، أن المقصود بالتوسل هنا هو دعاء الشخص
الصالح.
ثم يناقش حديث
الرجل الضرير الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يطلب منه الدعاء لرد بصره،
فعلّمه النبي دعاءً مخصوصًا.
ويقرر الألباني
صحة الحديث، لكنه يختلف مع من يستدل به على التوسل بالذات؛ إذ يرى أن سياق الواقعة
يدل على التوسل بدعاء النبي وشفاعته في حياته.
ويتناول بعد ذلك
الروايات الأخرى المتعلقة بالتوسل، فيبحث أسانيدها وطرق نقلها، ويميز بين الأحاديث
الصحيحة التي ينازع في دلالتها، والروايات التي يحكم بضعفها أو عدم صلاحيتها
للاحتجاج.
كما يناقش
الاستدلال بقياس العلاقة مع الله على العلاقة بأصحاب السلطة والنفوذ، حيث يحتاج
الإنسان إلى واسطة للوصول إليهم، ويرفض هذا القياس؛ لأن الله تعالى قريب من عباده،
يسمع دعاءهم ويعلم حاجاتهم دون احتياج إلى وسطاء.
ويتطرق كذلك إلى
القول بإباحة التوسل بالذوات ما دام لم يرد نهي صريح عنه، فيجيب بأن الوسائل
التعبدية تحتاج إلى دليل يثبت مشروعيتها، ولا يكفي فيها مجرد عدم ورود النهي.
ويناقش أيضًا
قياس التوسل بذوات الصالحين على التوسل بالأعمال الصالحة، وقياس التوسل بذات النبي
صلى الله عليه وسلم على التبرك بآثاره، ويرى أن هذه الأقيسة لا تكفي لإثبات عبادة
لم يثبت دليلها عنده.
ومع تأكيده
موقفه المانع، يذكر المؤلف أن بعض العلماء خالفوه، ومنهم الإمام أحمد فيما نُقل
عنه من إجازة التوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم، والشوكاني الذي أجاز صورًا أوسع
من التوسل، وبذلك يقر بوجود خلاف فقهي في بعض الصور، وإن رجح هو المنع.
خلاصة الكتاب وغايته
ينتهي الألباني
إلى أن التوسل المشروع يقوم على ثلاثة أصول: دعاء الله بأسمائه وصفاته، والتقرب
إليه بالأعمال الصالحة، وطلب الدعاء من المسلم الصالح الحي.
وتبرز قيمة
الكتاب في منهجه القائم على الجمع بين الاستدلال القرآني والتحقيق الحديثي
والمناقشة الفقهية، مع جعل صحة الدليل أساسًا للحكم على الممارسة.
ولا يقتصر هدفه
على بيان الأحكام، بل يسعى إلى ترسيخ الصلة المباشرة بين العبد وربه، وتنقية
الدعاء من الوسائل التي يراها غير ثابتة شرعًا.
وتبقى القضية
المركزية التي يطرحها الكتاب هي أن محبة الأنبياء والصالحين وتعظيم مكانتهم لا
تغنيان عن التثبت من مشروعية الوسائل التي يتقرب بها المسلم إلى الله.
فالتوسل عند
الألباني ليس مجرد صيغة دعاء، وإنما مسألة تتصل بالتوحيد والاتباع وحدود التعبد،
وهو ما يفسر عنايته بضبط مفهومه وأدلته وأحكامه.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً