أسماء الله الحسنى.. رؤى جديدة (4)
الأول.. الآخِر.. الظاهر.. الباطن
أسماء الله الحسنى..
إن من أعظم
الدلالات في تفسير الأسماء الحسنى دلالة الاقتران، فإن الحكيم تبارك وتعالى لم
يجعل اقتران بعض أسمائه بأخرى عبثًا، وإنما لها علة تفيد أول ما تفيد في ذات
المعنى، ومن ذلك اقتران أسمائه تعالى الأول والآخِر والظاهر والباطن ببعضها في
القرآن والسُّنة، وهذا ما سنتناوله مع تعريف الأسماء الأربعة والوقوف على آثار هذه
الأسماء الحسنى في الواقع ثم دعاء الله عز وجل بها.
دلالة اقتران الأسماء الأربعة
جاءت آية من
كتاب الله لتجمع في طياتها أربعة من أسماء الله الحسنى، هي مفتاح لفهم هذه
الأسماء، يقول الله تعالى: (هُوَ
الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (الحديد:
3)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم داعياً ربه عز وجل ومفسراً لتلك
الأسماء الحسنى: «أنتَ الأوَّلُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ وأنتَ الآخرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ
وأنتَ الظَّاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ وأنتَ الباطنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ» (رواه مسلم
وغيره).
وهذه الأسماء
الأربعة على ما يظهر من هذا التفسير وقبل التأمل في معانيها وتحققاتها تدل على
كمال الله المطلق، وسعة علمه التي شملت كل شيء، وإحاطته الزمانية والمكانية بكل
موجود، وسنقف مع كل اسم من هذه الأسماء على حدة.
اسم الله: الأول:
اسم الله «الأول»
يدل على أنه سبحانه السابق لكل شيء، الذي ليس قبله شيء ولا بداية لوجوده، فهو
الأول بمعنى القَبلية المطلقة، وهذه الأولية ليست فقط أولية زمانية، بل هي أولية
وجودية، ولهذا فهو سبحانه الذي أوجد كل شيء من العدم، وكل ما سواه حادث مسبوق
بالعدم.
ومن تحققات هذا
الاسم في الواقع صدق ما تثبته الفطرة مما يسميه البعض العلة الأولى؛ أي السبب في
وجود جميع الأشياء، ويقتضي التعبد باسمه سبحانه «الأول» تجريد النظر من التعلق
بالأسباب، والتعلق برب الأسباب الأول سبحانه وتعالى.
اسم الله: الآخر:
اسم الله «الآخر»
يدل على أنه سبحانه الباقي بعد فناء كل شيء، الذي ليس بعده شيء، ولا نهاية لوجوده،
فهو الآخر الذي لا يفنى ولا يزول، ويبقى بعد هلاك المخلوقات جميعها، فآخريته مع
أوليته سبحانه فيها كمال الوجود الذي لا بداية له ولا نهاية.
ومن تحققات هذا
الاسم في الواقع ظهور عظمة الله سبحانه في بقائه مع فناء غيره، ويقتضي التعبد بهذا
الاسم التعلق بالباقي لا بالفاني؛ فلا يركن العبد إلى شيء سواه، فكل ما سواه زائل،
فلا ينبغي أن يكون مدار الأمل والرجاء إلا على الباقي الآخر، وكذلك اليقين بالمعاد
الأخروي، وما يدفع إليه من مراقبة العبد نفسه، وإصلاح بواطنها، وتقديم العمل
الصالح لليوم الآخر.
اسم الله: الظاهر:
اسم الله «الظاهر»
يدل على علوه المطلق وظهوره على كل شيء، فهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو
المتعالي كذلك بقدرته وقهره على جميع خلقه، وكل شيء دونه مسخر بقدرته، فليس فوقه
شيء بذاته، ولا في صفاته، ولا شيء أعلى ولا أجل منه.
ومن لوازم اسم
الله الظاهر العلو، فمن جحد فوقيته فقد جحد لوازم اسمه الظاهر.
ومن تحققات هذا
الاسم في الواقع ظهور عظمته عز وجل وعلوه على خلقه، وما تورث في القلب من الهيبة
والجلال والخشية، فيعلم العبد أن الله مطلع عليه من فوق، فيراقبه في أقواله
وأفعاله.
اسم الله: الباطن.
اسم الله «الباطن»
يدل على إحاطته وقربه من كل شيء، وأنه العالم بالسرائر والخفايا، فهو الباطن الذي
ليس دونه شيء، أي أنه أقرب إلى خلقه من كل شيء، فهو يعلم ما تسر النفوس وما تخفي،
ويعلم باطن كل شيء وظاهره، وأنه الباطن سبحانه والظاهر يدل على إحاطته علماً بكل
شيء، ظاهر أو خفي، كلي أو جزئي، جليل أو دقيق، فلا يعزب عنه مثقال ذرة.
ومن تحققات هذا
الاسم في الواقع إدراك ما تثبته الفطرة من كمال علم الله وسعته وعظيم قدرته،
وإدراك أن الله باطن يعلم خفايا الصدور يحمل العبد على الإخلاص في العمل، وتزكية
النفس، ومراقبة السرائر، فلا يفعل الخير رياءً ولا يترك الشر خوفًا من الناس، بل
يحرص على إصلاح باطنه لله الباطن عز وجل، وهو مع ذلك يشعر بالقرب منه والأنس به،
فلا واسطة بين العبد وربه.
الدعاء بأربعة الأسماء
وخير الدعاء
بهذه الأسماء الدعاء الجامع الذي دعا به النبي صلى الله عليه وسلم حين قال: «اللهُمَّ
رَبَّ السَّمَاوَاتِ وَرَبَّ الْأَرْضِ وَرَبَّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، رَبَّنَا
وَرَبَّ كُلِّ شَيْءٍ، فَالِقَ الْحَبِّ وَالنَّوَى، وَمُنْزِلَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
وَالْفُرْقَانِ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْءٍ أَنْتَ آخِذٌ
بِنَاصِيَتِهِ، اللهُمَّ أَنْتَ الْأَوَّلُ فَلَيْسَ قَبْلَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ
الْآخِرُ فَلَيْسَ بَعْدَكَ شَيْءٌ، وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ
شَيْءٌ، وَأَنْتَ الْبَاطِنُ فَلَيْسَ دُونَكَ شَيْءٌ، اقْضِ عَنَّا الدَّيْنَ،
وَأَغْنِنَا مِنَ الْفَقْر» (رواه مسلم وغيره).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً