هدايات سورة «الحجرات» (7)
التثبت من الأخبار.. بين عصر نزول الوحي وعصر السرعة
بينت المقالات
السابقة اشتمال الآيات الخمس الأولى من سورة «الحجرات» على أهم آداب المسلم مع
الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم، ووجوب تسليمه المطلق لشرعه، ثم جاء قول
الله تعالى: (يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا
قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) (الحجرات: 6)،
لتبين أن المسلم الذي سلم لله ورسوله، منهجه التثبت من الأخبار، فلا يُسلّم لكل
خبر يبلغه، ولا يقبل كل ما يُقال له، فهو دقيق حذر، يفحص الكلام، قبل أن يبني عليه
قولاً أو حكماً.
الهدايات الإيمانية
1- وجوب التثبت من الأخبار المنقولة:
النداء في (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا)،
مع الأمر (فَتَبَيَّنُوا)،
يوضح أن التبين ليس أدباً اختيارياً للمسلم، بل هو فريضة يقتضيها إيمانه بالله
واليوم الآخر، والتثبت المأمور به لا يقتصر على خبر الفاسق، بل يمتد بمعناه العام
إلى كل ما يُنقل، يقول الله تعالى: (إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا
لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)
(النور: 15)، فالمؤمن الحق لا يتهاون في ترديد شائعة أو خبر، فقد يكون
هيناً في النفوس ولكنه عند الله عظيم.
2- السؤال أمام الله عز وجل:
الخطاب في الآية
جاء للمؤمنين جميعاً، ولكن كل واحد مسؤول عن تصديقه، وعن نقله، وعن موقفه، فلا
يُعذر المرء بأن غيره هو من نقل الخبر، ولا بأن الأغلبية صدقته، فالحساب يوم
القيامة فردي، يقول الله تعالى: (وَلَا
تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ
كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (الإسراء: 36)، وفي هذا ترهيب
شديد من نقل كل ما لا يثبت.
3- الجهل منشأ الظلم:
التحذير في (أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ)، حيث ربط بين الجهل والإصابة، ليبين أن الجهل ليس عذراً، بل هو أصل الشر ومنشأ الظلم، فمن تصرف بغير علم، وقع فيما لا تحمد عقباه، ثم جنى على غيره، وصار مسؤولاً عن جهله، والإيمان يقتضي من العبد أن يكون عالماً بما يقول ويحكم، فلا يقدم على أمر حتى يعلمه، ولا يصدر حكماً حتى يفهمه.
4- التبين حماية للنفس وللآخرين:
التبين ليس
حماية للنفس من الندم فقط، بل هو درع يحمي الآخرين من ظلم الشائعات وأذاها، ويحفظ
المجتمع من التفكك، فالأخبار الكاذبة تُولّد الضغائن، وتُفسد العلاقات، وتُشعل
النزاعات، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ
يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ
احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) (الأحزاب: 58)، فالتبين يوقف
هذه الآفات عند حدها، ويصون الأعراض، ويحمي الأبرياء، ويحفظ للمجتمع وحدته
وتماسكه.
5- المسلم في الأصل مصدر ثقة:
وصف الله الناقل
في الآية بالفسق، لأنه نقل خبراً دون تبين، فترتب عليه أذى الناس، وفي هذا إشارة
إيمانية بالغة؛ أن المسلم ينبغي أن يكون مصدر ثقة، لا مصدر فتنة، وأن تكون أخباره
موثوقة، ونقله صادقاً، حتى يُقبل قوله دون تردد، ويُؤتمن خبره دون تبين، قال
تعالى: (إِنَّمَا يَفْتَرِي
الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأُولَٰئِكَ هُمُ
الْكَاذِبُونَ) (النحل: 105)، فمن كذب أو نقل ما لا يعلم، فقد خرج من دائرة
العدالة إلى دائرة الفسق التي وصفها الله في الآية، فليحذر المسلم أن يكون من
المفترين.
الهدايات الاجتماعية
بين عصر نزول الوحي وعصر السرعة:
عند التوقف لحظة
عند سبب نزول هذه الآية، يتجلى كيف أن خبراً واحداً نقله شخص واحد، كاد أن يفتك
بقبيلة كاملة، لولا التبين، فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث الوليد بن
عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق ليقبض صدقاتهم، فلما سار الوليد في الطريق، خاف
منهم بسبب عداوة قديمة كانت بينهم في الجاهلية، فظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى
النبي صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله، إن الحارث قد منعني الزكاة وأراد
قتلي.
فغضب النبي صلى
الله عليه وسلم، وهمّ أن يغزوهم، وأرسل خالد بن الوليد في سرية ليتحقق من الأمر،
فلما وصل خالد إلى القوم، وجدهم يؤذنون ويصلون، فأخبروه أنهم لم يمنعوا الزكاة،
ولا رأوا الوليد أصلاً! وبسبب تبين النبي صلى الله عليه وسلم من الخبر مُنعت حرب
كادت تقوم بسبب جهالة وعدم تثبت ناقل الخبر. (الحديث رواه أحمد في مسنده، وصححه
الألباني).
وفي عصر الوحي
كان الخبر ينتقل باللسان، ويستغرق أياماً ليصل من مكان إلى مكان، وكان المسافر هو
الوسيلة الوحيدة لنقل الأخبار، وكان التبين ممكناً لأن العدد قليل، والفرصة متاحة
للتحقق.
أما اليوم، فقد
تغير كل شيء، حيث ينتقل الخبر بضغطة زر، ويصل إلى ملايين البشر في ثوانٍ معدودة،
دون أن يمر بمراحل التحقق.
وأثبتت الدراسات
أن الأخبار الكاذبة تنتشر أسرع من الصحيحة بنحو 6 مرات وتصل إلى جمهور أوسع(1)،
وفي بعض المنصات، مثل «تيك توك»، يصل محتوى المعلومات المضللة إلى ربع المحتوى
الذي يراه المرء(2).
وإذا كان
الصحابة في عصرهم -وهم قليل، والخبر بطيء- قد أمروا بالتبين خوفاً من الندم، فكيف
بمن يحيا في عصر تتدفق فيه الأخبار بلا توقف، وتتسابق فيها الأصابع قبل العقول؟!
أمثلة من الواقع المعاصر
ويتجلى التجسيد
العملي لمنهج الآية الكريمة في تفاصيل الحياة اليومية والبيئة الرقمية، مثل:
1- التعامل مع
الشائعات الرقمية تعاملاً صحيحاً: الامتناع عن إعادة نشر الرسائل، مقاطع الفيديو،
أو الأخبار المنقولة عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي قبل التحقق من صحة المصادر
الرسمية أو الموثوقة، خاصة ما يسبب ذعر وخوف الناس مثل بيانات الزلازل والأوبئة..
وغيرها.
2- حماية
الأفراد والمجتمع من «التشهير الإلكتروني»: تجنب المشاركة في حملات الهجوم أو
إطلاق الأحكام السريعة على الأشخاص والمؤسسات بناءً على منشورات أو مقاطع مجتزأة
دون الإحاطة بالحقيقة الكاملة.
3- إدارة
الخلافات الزوجية والأسرية: بعدم بناء مواقف حادة أو اتخاذ قرارات مصيرية بناءً
على القيل والقال أو نقل الكلام بين الأقارب، والتثبت المباشر للحفاظ على استقرار
الأسرة.
4- إصلاح بيئة
العمل والزمالة: برفض الوشايات أو النميمة الناتجة عن القيل والقال بين الزملاء،
والتأكد المباشر من الحقائق قبل رفع التقارير أو اتخاذ قرارات تؤثر على حقوق
الآخرين.
5- منع
الممارسات الطبية الخاطئة: عدم تداول الوصفات العلاجية الشائعة أو النصائح الطبية
مجهولة المصدر عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والتثبت من الأطباء والمتخصصين قبل
تجربتها على الأطفال أو كبار السن منعاً للإضرار بصحتهم.
6- التريث في
التعامل مع العروض المالية والتجارية: بالتحري الدقيق قبل الانسياق وراء الإعلانات
الترويجية، أو خطط الاستثمار السريع، أو روابط الشراء والمسابقات عبر الإنترنت
التي قد تُستغل في الاحتيال المالي.
وهكذا يتجلى أن
هذه الآية العظيمة -التي نزلت في خبر واحد كاد أن يُهلك قبيلة- تضع للأمة قواعد
واضحة، وهي أن المسلم لا يقبل كل ما يُقال، ولا يبني على الأخبار دون تبين.
وفي عصر السرعة تصبح الحاجة لهذه القواعد أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، فالأخبار تتدفق بلا توقف، والشائعات تسبق الحقائق، والأصابع تتحرك قبل تفكير العقول؛ لذا، فيجب على كل مسلم أن يتثبت قبل أن يصدق، فإن التبين ليس ترفاً فكرياً، بل هو فريضة إيمانية، وحصن اجتماعي، وسبيل للسلامة من الندم.
الهوامش
- 1 هذا الرقم مستند إلى دراسة شهيرة أجراها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ونُشرت في مجلة «ساينس» (Science) العلمية عام 2018م. https://www.dailymail.com/news/article-5480073/Fake-news-spreads-six-times-faster-social-media-truth.html?ITO=1490&ns_mchannel=rss&ns_campaign=1490#1
- 2 هذه المعلومة مستندة إلى تقرير علمي أوروبي نُشر عام 2025م، ضمن مشروع «SIMODS» بالتعاون مع «Science Feedback» https://www.radiofrance.fr/franceinter/podcasts/l-info-de-france-inter/sur-tiktok-environ-un-quart-des-contenus-d-information-vus-par-les-utilisateurs-sont-trompeurs-selon-une-etude-4082768#1
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً