; الوعي الحضاري.. دلالاته من مشكاة الوحي الرباني (1 - 2) | مجلة المجتمع

العنوان الوعي الحضاري.. دلالاته من مشكاة الوحي الرباني (1 - 2)

الكاتب د. مسفر بن علي القحطاني

تاريخ النشر السبت 16-سبتمبر-2006

مشاهدات 61

نشر في العدد 1719

نشر في الصفحة 66

السبت 16-سبتمبر-2006

 

جاءت الشريعة الإسلامية بمنهج حضاري شامل ومتكامل تجسد في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام كمشاهد واقعية واجتماعية يشهد لها المجتمع المدني - الذي ذكرنا بعض ملامحه في المقال السابق، أما المنهج الحضاري ومقدماته وراياته الهادية فقد احتوتها نصوص الشريعة في مواطن كثيرة من الكتاب والسنة؛ لتؤكد بلا ريب أننا أمة ذات رسالة ومنهج حضاري تقدمي، هذه الرسالة جعلها الله عز وجل متميزة وجامعة، تبدأ بتزكية الفرد، مرورًا بإسعاد الأسرة، وإصلاح المجتمع، وبناء الأمة، وإقامة الدولة وانتهاء بسلام العالم وخيره، حتى يتحقق قول الله تعالى لرسوله محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء: 107)، وقوله عن نفسه: «إنما أنا رحمة مهداة».(1)

إن لدى أمتنا رسالة حضارية متميزة قد أن لها أن تقدمها للعالم، الذي تدل كل الدلائل أنه في أشد الحاجة إليها؛ لو وجد من يحسن تقديمها إليه، ولا سيما العالم الغربي الذي حقق الثورات العلمية الهائلة في دنيا الذرة، ودنيا الفضاء، ودنيا الإلكترونيات، ودنيا الهندسة الوراثية، ودنيا الاتصالات والمعلومات..

إن رسالة الإسلام الحضارية هي رسالة العقيدة الموافقة للفطرة، ورسالة العبادة الدافعة للعمارة، ورسالة العقل المهتدي بالوحي، ورسالة العلم المرتبط بالإيمان، ورسالة الإيمان المقترن بالعمل، ورسالة العمل الملتزم بالدعوة، ورسالة الدنيا المعدة للآخرة، ورسالة الجسم الممدود بالروح، ورسالة القوة المدافعة عن الحق، ورسالة المال المكتسب من حل؛ المنفق في حق، ورسالة الحقوق المتوازنة مع الواجبات، ورسالة الحرية الخادمة للفضيلة، ورسالة الأخلاق المرتقية بالإنسان، ورسالة الفرد المنتظم في أسرته ومجتمعه، ورسالة الأمة المنفتحة على العالم، ورسالة الدولة المقيمة للدين، ورسالة التشريع المحقق للمصالح، ورسالة العدل المؤيد بالإحسان، ورسالة الفن الملتزم بالقيم.(2)

هذه المفردات الرائعة التي اكتسبتها الأمة من شريعتها وطبقتها بنجاح لا مثيل له في تأريخها الماضي هي ذاتها أدوات العودة من جديد للشهود الحضاري، إن جمع تلك القيم في منهج واحد ويخرج من مشكاة واحدة هو من معجزات هذه الأمة ومن متطلبات بقائها الخالد في كل الأمم والعصور، ولا أظن أن هذا التشريف العظيم الخيرية الأمة يخلو من تكليف عظيم تكون فيه المنقذ والهادي لبقية الأمم الأخرى.

وبالتأمل في بعض نصوص الشريعة الغراء نجدها جاءت لتؤسس في الفرد وعيًا حضاريًا شاملًا، وإعدادًا متكاملًا لمهمته في الإصلاح والتغيير ؛ بالاعتناء بكل جوانب حياته الخاصة والعامة، الباطنة والظاهرة، كنصوص التوبة والإخلاص أو الصدق مع الله أو محاسبة النفس ومراقبتها، أو نصوص الإستقامة والمجاهدة والمحافظة على الأعمال الصالحة، أو ما جاء في الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أو ما جاء في أداء الأمانات وستر العورات وقضاء حوائج الناس، أو نصوص الوصاية بالأهل والأولاد والأقارب والجيران وأبناء السبيل وحتى الأعداء، وفي ذلك انظر على سبيل المثال ما جمعه الإمام النووي من نصوص قرآنية ونبوية في كتابة العظيم: «رياض الصالحين» الذي دخل أكثر بيوت المسلمين لكنه لم يسكن في حياتهم الراهنة!.

الهامش

(1) أخرجه الدارمي في المقدمة باب: كيف كان أول شأن النبي صلى الله عليه وسلم.

(2) انظر للاستزادة: مقال الدكتور القرضاوي: «حاجة البشرية إلى الرسالة الحضارية لامتنا الإسلامية»، موقع إسلام أون لاين.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل