التربية النبوية، وبناء المرونة النفسية في الحياة الزوجية (2)
مدخل إلى التربية النبوية
الحياة الزوجية
مسؤولية مشتركة تتطلب مواجهة الضغوط والخلافات بمرونة، من خلال التكيّف، وتنظيم
الانفعالات، والتواصل الهادئ، ومراعاة اختلاف الطباع والاحتياجات.
ورغم أن مفهوم
المرونة النفسية بأبعاده المعاصرة مثل التكيّف، والاحتواء العاطفي، وإدارة
الانفعالات لم يكن معروفًا في العصر النبوي؛ فإن معانيه وممارساته كانت حاضرة في
التربية النبوية والحياة الزوجية، وتقدم السيرة النبوية نماذج يمكن تحليلها في
ضوئه، بما يعكس القدرة على مواجهة الضغوط، وحفظ التوازن الأسري.
التكيّف الأسري
يُعد التكيّف من
مظاهر المرونة في الحياة الزوجية، إذ يساعد الزوجين على التعامل مع اختلاف الطباع
وتغير الظروف، وتعديل الأدوار والتوقعات، بما يحفظ الاستقرار والمودة وحسن العشرة،
مع التنازل عن بعض التطلعات، فليس كل ما يتوقعه المرء يتحقق.
وقد تجلت مظاهر
التكيف الأسري في حياة النبي صلى الله عليه وسلم في مشاركته زوجاته في شؤون المنزل؛
الأمر الذي انعكس على الصحابة في حياتهم الأسرية؛ فقد تحملت ابنته فاطمة رضي الله
عنها مع عليّ رضي الله عنه ضيق العيش، ومشقة أعمال البيت التي لم تكن تقوم بها في
بيت أبيها؛ فكانت تطحن الحبوب بالرحى حتى أثرت في يدها، وتستقي الماء(1).
وتجلت مظاهر
التكيّف الأسري في حياة أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها، إذ تحملت أعمالًا شاقة
في بيت زوجها الزبير؛ فكانت ترعى فرسه، وتحمل النوى على رأسها إلى أرضه، وتعجن،
وهي أعمال لم تألفها في بيت أبيها، حتى عبّرت عن فرحتها عندما أرسل إليها أبوها
خادمًا فقالت: «فكأنما أعتقني».
كما راعت غيرة
زوجها، فاستحيَت من ركوب الدابة التي عرضها عليها النبي صلى الله عليه وسلم،
مراعاة لمشاعر زوجها؛ بما يعكس قدرتها على التكيّف مع طباع زوجها ورغباته(2).
وتظهر كذلك في
مراجعة المواقف الشخصية في موقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ فقد كان يستنكر
مراجعة زوجته له، فلما علم أن أمهات المؤمنين كن يراجعن النبي صلى الله عليه وسلم
تقبّل ذلك، كما لم يمنع زوجته من الصلاة في المسجد رغم كراهته لذلك، امتثالًا لقول
النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»(3).
وهذه المواقف
تظهر قدرة الزوجين على التكيّف مع اختلاف الطباع، وتحمل المشقة، وتعديل المواقف
الشخصية، بما يحفظ استقرار الأسرة واستمرار في الحياة الزوجية.
الاحتواء العاطفي
يقوم الاحتواء
العاطفي في الحياة الزوجية على فهم مشاعر الطرف الآخر، والاستجابة لها بما يحفظ
كرامته ويمنحه الأمان والدعم، خاصة في أوقات الضغوط.
وقد تجسد الرفق
والحوار، والتعامل مع المشاعر بوصفها جزءًا طبيعيًا من الحياة الزوجية دون أن
تتحول الاختلافات إلى تصعيد أو قطيعة، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم
لعائشة رضي الله عنها: «إني لأعلم إذا كنتِ عني راضية، وإذا كنتِ على غضبى»(4).
ويكشف هذا
الحديث عن وعي النبي صلى الله عليه وسلم بالإشارات الانفعالية لزوجته، وإدراك
مشاعرها دون إنكارها، وهو ما يسهم في احتواء المشاعر والحفاظ على التواصل العاطفي
بين الزوجين.
ويتضح الاحتواء
في الاستجابة لمشاعر الزوجة وقت الضيق، كما في موقف صفية رضي الله عنها عندما
تأخرت في السفر وبكت، فاستقبلها النبي صلى الله عليه وسلم ومسح عينيها وسكّتها(5)؛
وهو ما يعكس مواساة الزوجة وتهدئة انفعالها.
وترتبط الملاطفة
بالاحتواء العاطفي، لما فيها من تعبير عن المودة وتخفيف لضغوط الحياة وتجديد
للألفة بين الزوجين، والتراحم، ويخفف الألم، ويحد من القسوة واللوم والإهمال
العاطفي، ويحد من تراكم المشاعر السلبية، خاصة في ظل ضغوط الحياة، ويحقق للمودة
والرحمة.
وكان النبي صلى
الله عليه وسلم يسابق عائشة رضي الله عنها، ويتيح لها مشاهدة لعب الحبشة؛ ما يدل
على مراعاة حاجة الزوجة إلى الترفيه وكسر رتابة الحياة، وقد أرشد النبي صلى الله
عليه وسلم إلى ذلك بقوله لجابر رضي الله عنه: «هلا جارية تلاعبها وتلاعبك»، وفي
رواية: «أو تضاحكها وتضاحكك»؛ ما يشير إلى الملاطفة والمؤانسة بين الزوجين(6).
إدارة الانفعالات
يقصد بإدارة
الانفعالات قدرة الزوجين على ضبط مشاعرهما والتعبير عنها بما يحفظ المودة
والاحترام، ولا سيما في مواقف الغضب والغيرة التي قد تشتد فيها المشاعر، وتتأثر
طريقة التعبير عنها بطبيعة الموقف والخصائص الانفعالية لكل من الزوجين.
وقد راعى النبي صلى
الله عليه وسلم طبيعة الغيرة لدى زوجاته، وتعامل معها بالحكمة والرفق؛ فلم ينكرها،
وإنما وجّه ما قد يترتب عليها من سلوك، ويتضح ذلك في موقف عائشة رضي الله عنها من
صفية بنت حيّي، حين قالت: يا رسول الله، إن صفية امرأة.. وأشارت بيدها، كأنها تعني
قصيرة؛ فقال: «لقد مزجت بكلمة، لو مزجت بها ماء البحر لمزج»(7)؛ فصحح صلى
الله عليه وسلم الخطأ دون تجريح، جامعًا بين تفهم الانفعال، والحزم في تقويم
السلوك، بما يحفظ كرامة الطرف الآخر واستقرار العلاقة الزوجية.
وتبرز أهمية ضبط
الانفعالات في الحياة الزوجية في وصايا السلف؛ فقد قال عبدالله بن جعفر لابنته: «إياك
والغيرة؛ فإنها مفتاح الطلاق، وإياك والمعاتبة؛ فإنها تورث البغضاء»، وقال أبو
الدرداء لزوجته: «إذا رأيتني غضبت فرضّني، وإذا رأيتك غضبى رضّيتك، وإلا لم نصطحب»؛
بما يؤكد أهمية تهدئة الانفعال واحتوائه، وتجنب ما يزيد الخلاف، حفاظًا على المودة
والاستقرار الزوجي(8).
بعض القيم الداعمة للمرونة النفسية
1- تفهم طبيعة
الشريك: تتطلب إدارة الخلاف الزوجي فهم طبيعة كل من الزوجين للآخر، واختلاف أساليب
التعبير عن المشاعر واحتياجات كل طرف؛ فقد تظهر لدى الزوجة مشاعر الاستياء بصورة
أكثر في بعض المواقف؛ ما يتطلب من الزوج تفهّم مشاعرها واحتواء انفعالها، دون
مقابلة ذلك باللوم أو التصعيد.
وقد يحتاج الزوج
في بعض المواقف إلى الشعور بالتقدير والاحترام، ويفضّل معالجة الخلاف بالحوار
الهادئ بعيدًا عن الانتقاص واللوم والمقارنة؛ ومن ثم فإن مراعاة هذه الاحتياجات
تساعد على احتواء الخلاف والحفاظ على استقرار الأسرة.
وتتفق هذه
المعاني مع التوجيه النبوي في مراعاة طبيعة المرأة، بقوله صلى الله عليه وسلم: «إن
المرأة خُلقت من ضلع، لن تستقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها
عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها»(9).
ويؤسس هذا
التوجيه النبوي إلي مراعاة اختلاف الطباع، وعدم التعامل معه بوصفه عيبًا يستوجب
التغيير القسري؛ وإنما إدارته بالحكمة والصبر بما يحفظ الحياة الزوجية.
2- الموازنة بين
المحاسن والعيوب: تستمر الحياة الزوجية بدافع الرحمة والرأفة ومراعاة مصلحة
الأبناء أو حاجة أحد الزوجين إلى الآخر، إذ لا تقوم جميع البيوت على الحب وحده،
ويقتضي ذلك تقبّل اختلاف الشريك، وعدم اختزاله في العيوب فقط؛ فإذا وجدت الزوجة من
زوجها ما لا يرضيها، استحضرت ما فيه من محاسن، وغلبته على ما تكره، وكذلك إذا وجد
الزوج في زوجته ما يكره، كحدة الطبع أو كثرة الانفعال أو غيره ذلك؛ فيستحضر ما
فيها من الدين والعفة، ويغلب محاسنها على ما يكره، امتثالًا لقول النبي صلى الله
عليه وسلم: «لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها آخر»(10).
3- الدعم
المتبادل وقت الشدة: يظهر الدعم النفسي بين الزوجين في مساندة أحدهما للآخر عند
المحن، وتهدئة اضطرابه، وتذكيره بما لديه من جوانب قوة.
ويتجلى ذلك في موقف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها عند نزول الوحي أول مرة، إذ ثبّتت النبي صلى الله عليه وسلم وطمأنته باستحضار خصاله الحميدة، فقالت: «كلا والله ما يخزيك الله أبداً؛ إنك لتصل الرحم، وتحمل الكَلّ، وتكسب المعدوم، وتُقْرِي الضيف، وتعين على نوائب الحق»(11)؛ فكان موقفها نموذجًا للدعم والاحتواء واستحضار نقاط القوة في مواجهة الأزمات.
الهوامش
- 1 فتح الباري، كتاب فضائل الصحابة، باب مناقب على بن أبي طالب (3705).
- 2 المرجع السابق، كتاب النكاح، باب الغيرة (5224).
- 3 فتح الباري، كتاب الجمعة، باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل من النساء (900).
- 4 المرجع السابق، كتاب النكاح، باب غيرة النساء ووجدهن (4930).
- 5 السنن الكبرى للنسائي (9117)، وإسناده صحيح.
- 6 فتح الباري، كتاب النكاح، باب تزويج الثيبات (5080).
- 7 سنن الترمذي، أبواب صفة القيامة (2502).
- 8 البيان والتبيين للجاحظ، ج2، ص62.
- 9 صحيح مسلم، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء (1468).
- 10 المرجع السابق، كتاب الرضاع، باب الوصية بالنساء (1469).
- 11 فتح الباري، كتاب بدء الوحي، باب كيف كان الوحي (3).
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً