فاتخذوه عدواً (2)

الشيطان.. والإيذاء البدني للإنسان

سعد الحلاج

24 سبتمبر 2026

33

مقال عن صور الإيذاء البدني من الشيطان للإنسان للأستاذ سعد الحلاج بمجلة المجتمع

منذ أن أعلن الشيطان عداوته للإنسان، لم يتوقف عن السعي لإيذائه وإضلاله، متخذًا من الوسوسة والتزيين والإغواء وسائل خفية لإبعاده عن طريق الله، وأنه يتربص بالإنسان في لحظات الضعف والغفلة، ليوقعه في المعصية ويحجبه عن الطاعة، ومعرفة أساليب الشيطان في الإيذاء تكشف للإنسان سبل الوقاية منه، وتعينه على الثبات أمام عدو لا يملّ من المحاولة.

صور الإيذاء البدني من الشيطان للإنسان

1- ينشر الطاعون:

عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فناءُ أُمَّتي بالطَّعنِ والطاعونِ، وَخْزُ أعدائِكم من الجنِّ، وفي كلٍّ شهادةٌ»(1).

2- يتسبب في الاستحاضة عند المرأة:

روى أبو داود من حديث حمنة بنت جحش قالت: كنتُ أُستحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً فأتيتُ رسولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أستفتيهِ وأخبرُهُ فوجدتُهُ في بيتِ أُختي زينبَ بنتِ جَحشٍ فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي امرأةٌ أستَحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً فما ترى فيها قد منعَتني الصَّلاةَ والصَّومَ.

فقالَ: «أنعتُ لَكِ الكُرسفَ فإنَّهُ يذهبُ الدَّمَ»، قالت: هوَ أكْثرُ من ذلِكَ، قالَ: «فاتَّخذي ثوبًا»، فقالَت: هوَ أكْثرُ من ذلِكَ إنَّما أثجُّ ثجًّا، قالَ رسولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «سآمرُكِ بأمرَينِ أيَّهُما فعلتِ أجزأ عنكِ منَ الآخرِ وإن قويتِ عليهما فأنتِ أعلمُ»، قالَ لَها: «إنَّما هذهِ رَكْضةٌ من رَكَضاتِ الشَّيطانِ فتحيَّضي ستَّةَ أيَّامٍ أو سبعةَ أيَّامٍ في علمِ اللَّهِ»(2).

وفي رواية أخرى عن حَمنةَ قالت: كنتُ أُستَحاضُ حَيضةً كثيرةً شديدةً، فأتيت النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم أستفتيهِ، فقالَ: «إنَّما هيَ رَكْضةٌ من الشَّيطانِ، فتحيَّضي ستَّةَ أيَّامٍ، أو سبعةَ أيَّامٍ، ثمَّ اغتسِلي»(3).

والشاهد هو قول النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم: «إنَّما هذه رَكْضةٌ مِن رَكَضاتِ الشَّيطانِ»؛ أي: ضربةٌ مِن ضَرَباتِ الشَّيطانِ، والركض: هو الضَّربُ بالرِّجلِ والإصابةُ بها؛ وذلك سببُ الإضرارِ والإفساد.

والمرادُ أنَّ الشيطانَ ضرَب هذا العرقَ مِن المرأةِ ضربًا حقيقيًّا حتَّى انفجَرَ، أو أنَّ الشَّيطانَ قد وجَد به طريقًا إلى التَّلبيسِ عليها في أمرِ دِينِها وطُهرِها وصَلاتِها، حتَّى أنساها ذلك عادتَها.

3- يشارك بني آدم مطعمهم ومشربهم:

وذلك إذا لم يذكروا اسم الله تعالى، فقد روى مسلم عن حذيفة قال: كُنَّا إذا حَضَرنا مع النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم طَعامًا لم نَضَعْ أيديَنا حتَّى يَبدَأَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم فيَضَعَ يَدَه، وإنَّا حَضَرنا معهُ مَرَّةً طَعامًا، فجاءَت جاريةٌ كَأنَّها تُدفَعُ، فذَهَبَت لتَضَعَ يَدَها في الطَّعامِ، فأخَذَ رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم بيَدِها، ثُمَّ جاءَ أعرابيٌّ كَأنَّما يُدفَعُ فأخَذَ بيَدِه، فقال رَسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: «إنَّ الشَّيطانَ يَستَحِلُّ الطَّعامَ أن لا يُذكَرَ اسمُ اللهِ عليه، وإنَّه جاءَ بهذه الجاريةِ ليَستَحِلَّ بها فأخَذتُ بيَدِها، فجاءَ بهذا الأعرابيِّ ليَستَحِلَّ به، فأخَذتُ بيَدِه، والذي نَفسي بيَدِه، إنَّ يَدَه في يَدي مع يَدِها»، وفي روايةٍ: «ثُمَّ ذَكَرَ اسمَ اللهِ وأكَلَ»(4).

لذلك، أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إذا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيتَه، فذَكَرَ اللهَ عِندَ دُخولِه وعِندَ طَعامِه، قال الشَّيطانُ: لا مَبيتَ لَكُم ولا عَشاءَ، وإذا دَخَلَ فلم يَذكُرِ اللهَ عِندَ دُخولِه، قال الشَّيطانُ: أدرَكتُمُ المَبيتَ، وإذا لم يَذكُرِ اللهَ عِندَ طَعامِه، قال: أدرَكتُمُ المَبيتَ والعَشاءَ»(5).

4- يتسبب في المس والصرع:

قال تعالى: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) (البقرة: 275).

قال أبو جعفر الطبري: لَا يَقُومُونَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ قُبُورِهِمْ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ؛ يَعْنِي بِذَلِكَ: يَتَخَبَّلُهُ الشَّيْطَانُ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ فَيَصْرَعُهُ مِنَ الْمَسِّ، يَعْنِي مِنَ الْجُنُونِ(6).

كما أورد ابن جرير في التفسير بسنده عن سعيد بن جبير: (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ) قال: يبعث آكل الربا يوم القيامة مَجْنونًا يُخنق(7).

وعن صفية رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنَّ الشَّيطانَ يجري من ابنِ آدمَ مجرَى الدَّمِ»(8)؛ قال ابن حجر: قِيلَ هُوَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَقَدَرَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقِيلَ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِعَارَةِ مِنْ كَثْرَةِ إِغْوَائِهِ وَكَأَنَّهُ لَا يُفَارِقُ كَالدَّمِ فَاشْتَرَكَا فِي شِدَّةِ الِاتِّصَالِ وَعَدَمِ الْمُفَارَقَةِ(9).

الإيذاء النفسي

وأما الإيذاء النفسي الذي يتعرض له الإنسان بسبب الشيطان فله صور، منها:

1- إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس:

قال تعالى: (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ) (المائدة: 91).

يقول صاحب «الظلال»: «فما يحتاج الإنسان إلى طول بحث حتى يرى أن الشيطان يوقع العداوة والبغضاء في الخمر والميسر بين الناس؛ فالخمر بما تُفقد من الوعي، وبما تثير من عرامة اللحم والدم، وبما تهيج من نزوات، والميسر بما يتركه في النفوس من حسرات وأحقاد، إذ المقهور لا بد أن يحقد على قاهره الذي يستولي على ماله أمام عينيه، ويذهب به غانمًا، وصاحبه مقمور مقهور.

إن من طبيعة هذه الأمور أن تثير العداوة والبغضاء، مهما جمعت بين القرناء في مجالات من العربدة والانطلاق، اللذين يخيل للنظرة السطحية أنها أنس وسعادة»(10).

وفى صحيح البخاري يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الشَّيطانَ قد أيِسَ أن يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولَكِن في التَّحريشِ بينَهم»(11).

2- إزعاج الإنسان بالأحلام المفزعة، والكوابيس المؤلمة:

روى البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رَأى أحَدُكُمُ الرُّؤيا يُحِبُّها فإنَّها مِنَ اللهِ، فليَحمَدِ اللهَ عليها وليُحَدِّثْ بها، وإذا رَأى غيرَ ذلك ممَّا يَكرَهُ فإنَّما هي مِنَ الشَّيطانِ، فليَستَعِذْ مِن شَرِّها، ولا يَذكُرْها لأحَدٍ؛ فإنَّها لَن تَضُرَّه»(12).

وعن أبى سلمة قال: لقد كُنتُ أرى الرُّؤيا فتُمرِضُني، حتَّى سَمِعتُ أبا قَتادةَ يقولُ: وأنا كُنتُ لَأرى الرُّؤيا تُمرِضُني، حتَّى سَمِعتُ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم يقولُ: «الرُّؤيا الحَسَنةُ مِنَ اللهِ، فإذا رَأى أحَدُكُم ما يُحِبُّ فلا يُحَدِّثْ به إلَّا مَن يُحِبُّ، وإذا رَأى ما يَكرَهُ فليَتَعَوَّذْ باللهِ مِن شَرِّها، ومِن شَرِّ الشَّيطانِ، وليَتفِلْ ثَلاثًا، ولا يُحَدِّثْ بها أحَدًا؛ فإنَّها لَن تَضُرَّه»(13).

وقوله صلى الله عليه وسلم: «الرؤيا الصالحةُ من اللهِ، والحلمُ من الشيطانِ، فإذا رأى أحدُكم ما يكرهُ فلينفثْ عن يسارِه ثلاثًا، وليتعوَّذْ باللهِ من شرِّ ما رأى ومن الشيطانِ، ثم ينقلبْ على جنبِه الآخرِ، فإنها لا تضرُّه»(14).

وهكذا لا يفتر الشيطان عن إظهار عداوته للإنسان طيلة حياته فهو لا يفارقه في نوم، ولا يقظة، ولا حركة ولا سكون حتى ينال منه، ويوقعه فيما يفسد عليه الدنيا والآخرة.

الهوامش
  • 1 مسند أحمد: (19528) وصححه الألباني في صحيح الجامع (4231).
  • 2 سنن أبي داود (287).
  • 3 أخرجه أبو داود (287)، والترمذي (128) باختلاف يسير.
  • 4 صحيح مسلم (1017).
  • 5 صحيح مسلم (2018).
  • 6 تفسير الطبري (5/ 38).
  • 7 تفسير الطبري (5/ 40).
  • 8 سنن أبي داود (2470).
  • 9 فتح الباري (4/ 280).
  • 10 في ظلال القرآن: سيد قطب (2/ 976).
  • 11 صحيح مسلم عن جابر (2812).
  • 12 صحيح البخاري عن أبي سعيد (7045).
  • 13 صحيح البخاري (2260).
  • 14 صحيح البخاري (3292)، وصحيح مسلم (22961).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة