حب الوطن في الإسلام
الوطن حين يسكن في الدّم
حب الوطن في الإسلام
ما الوطن؟ أهو التراب الذي نمشي عليه، أم البيوت التي نشأنا بين جدرانها، أم الطرق التي حفظت وقع أقدامنا، أم الوجوه التي ألفناها حتى صارت جزءًا من ملامح أعيننا؟ ولِمَ يشتدُّ على الإنسان وجعُ الغربة، حتى إنَّه قد يملك في أرضٍ جديدةٍ مالًا وراحةً وأمنًا، ثم يبقى في داخله شيءٌ لا يهدأ، كأنَّ في صدره مكانًا لا يملؤه إلا وطنه الأول؟
إنَّ الوطن كما
أنه قطعة من الأرض، فإنَّه ذاكرة الإنسان، وأهله، ولغته، وطفولته، ومدرسته الأولى،
ومسجد حارته، وقبور آبائه، ورائحة الصباح في طرقاته، وأصوات الناس الذين عرفهم قبل
أن يعرف معنى الغربة، ولذلك لم يكن عجيبًا أن يجعل القرآن الإخراج من الديار من أشد
صور العدوان، وأن يقرن بينه وبين القتل، قال تعالى: (قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ
اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ
أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) (البقرة: 217)، وقال سبحانه: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ
أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ
إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ) (النساء: 66).
وقال في وصف
المهاجرين: (الَّذِينَ
أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ) (الحشر: 8)، فالإنسان حين
يُقتلع من وطنه لا يفقد جدرانًا وأرضًا فحسب، بل يفقد وراءها عالمًا كاملًا من
الروابط والمصالح والذكريات.
ولقد وقف النبي صلى
الله عليه وسلم عند مكة، وهي أحب البلاد إلى قلبه، وقد أُخرج منها، فقال:
«وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ، وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى
اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ» (رواه الترمذي، 3925)،
لقد أحبَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة، مع ما لقي فيها من أذى قومه، وبقي
للمكان في قلبه قدره ومحبته، وليس معنى ذلك أنَّ الإنسان يقدِّس وطنه أو يرضى بكل
ما يقع فيه من خطأ؛ فحب الوطن شيء، وتقديس أخطائه شيء آخر، وقد يكون من أصدق
الوفاء له أن تحب له الصلاح، وتكره فيه الفساد، وتسعى إلى إصلاح ما تستطيع.
وقد ذكر حسين بن
محمد حمادة، الشخصية الوطنية السورية، أن الحاكم العسكري الإنجليزي أغراه بالمال،
فضرب حمادة نعل حذائه بعصاه وقال: «لا أقبل التاج البريطاني بذرات التراب التي
تساقطت من حذائي» (إتمام الأعلام، ص 82)، وسواء تأملنا في قوة العبارة أو في
الموقف الذي تحكيه، فإننا نجد فيها صورةً لرجل رأى أن تراب بلاده أعز عليه من
المال الذي يُراد به استمالته.
وفي «الرحلة
اليابانية» (ص 170)، نقل الشيخ علي أحمد الجرجاوي صورًا من المجتمع الياباني زمن
الحرب الروسية اليابانية، ذكر فيها مشاركة النساء والفتيات في خدمة المجهود
الوطني، بصناعة الأكسية والأربطة وما يحتاج إليه جرحى الحرب، ثم تقديمها إلى جمعية
الصليب الأحمر، وفي ذلك صورة للتربية التي تغرس في النفوس أن للوطن حقًّا، وأن
خدمة المجتمع مسؤولية لا تنحصر في الرجال ولا في ميادين القتال.
ثم نقل قصة
امرأة يابانية كان لها ابن وحيد، أراد التطوع في الحرب، غير أن الحكومة لم تقبل
تطوعه لأنه وحيد أمه، فغلب شعورها الوطني على عاطفتها تجاه ابنها، فأقدمت على
إنهاء حياتها بخنجر، حتى لا يبقى وجودها مانعًا له من التطوع، وهذه حكاية ينقلها
الجرجاوي، ولا ينبغي أن يُفهم إيرادها على أنه تزكية لفعل المرأة؛ فالانتحار
محرَّم، وإهلاك النفس بهذه الطريقة ليس طريقًا مشروعًا لخدمة الوطن، وإنما موضع
العبرة هو ما أراد الكاتب إبرازه من شدة حضور قضية الوطن في وجدان بعض الناس.
غير أن الوطنية
التي تستحق أن تبقى في حياتنا ليست أن يموت الإنسان من أجل وطنه فحسب، وإنما أن
يعيش من أجله حياة مستقيمة نافعة؛ فالطالب يخدم بلاده بعلمه، والعامل بإتقانه،
والطبيب بأمانته، والتاجر بصدقه، والمعلم بإخلاصه، والأب بحسن تربيته، وكل إنسان
بأداء الأمانة التي بين يديه.
وقد قال
الرافعي:
بلَادِي
هَوَاهَا فِي لِسَانِي وَفِي دَمِي يُمَجِّدُهَا قَلْبِي وَيَدْعُو لَهَا فَمِي
وَلَا خَيْرَ
فِيمَنْ لَا يُحِبُّ بِلَادَهُ وَلَا فِي حَلِيفِ الْحُبِّ إِنْ لَمْ يُتَيَّمِ
وَمَا يَرْفَعُ
الْأَوْطَانَ إِلَّا رِجَالُهَا وَهَلْ يَتَرَقَّى النَّاسُ إِلَّا بِسُلَّمِ
ولكن؛ هل يعرف
الإنسان قيمة هذا الحب وهو بين أهله وفي أرضه، أم أن الغربة هي التي تكشف له
أحيانًا ما كان غافلًا عنه؟
إنَّ المرء قد
يعيش في وطنه أعوامًا طويلة، يألف طرقاته ووجوه أهله، ويحسب أن هذه الأشياء جزء
عادي من حياته، لا تستحق منه كثير التفات، فإذا فارقها، وجد نفسه يشتاق إلى ما كان
يمر به كل يوم دون أن يقف عنده: إلى لهجته التي يسمعها فلا يحتاج إلى تفسيرها،
وإلى مجلس يجلس فيه فلا يشعر أنه غريب، وإلى وجوه يعرفها قبل أن تنطق، وإلى شارع
صغير يحمل من ذكريات طفولته ما لا تحمله مُدُنٌ في بلاد الغربة.
هناك تتبدل نظرة
الإنسان إلى الأشياء؛ فيعرف أن بعض النعم لا تظهر عظمتها إلا حين تغيب، وأن القرب
الذي اعتاده قد يكون من أعظم ما كان يملك، والغربة لا تزيد حب الوطن في كل إنسان
بالضرورة، لكنها تتيح له أن يرى وطنه من مسافة، وأن يقارن بين ما ألفه وما افتقده،
فيدرك أن الانتماء ليس مجرد سكن في مكان، بل صلة عميقة بالأهل واللغة والذاكرة
والتاريخ.
ولذلك، فإن
الغربة، على ما فيها من مشقة، قد تكون مدرسةً يتعلم فيها الإنسان معنى الوطن، وهي
تكشف له كذلك أن الوطن الذي يشتاق إليه ليس الأرض وحدها؛ إنه الناس الذين يعيشون
عليها، والأمان الذي يجمعهم، والحقوق التي تحفظ كرامتهم، والمستقبل الذي يرجوه
لأبنائه، فإذا عاد إلى بلاده، أو بقي بعيدًا عنها، حمل معه هذا الإدراك، وصار حب
الوطن عنده أعمق من مجرد الحنين إلى الماضي.
إنَّ ادعاء
الوطنية أيسر من الوفاء بها؛ فقد يتغنى المرء بحب بلاده ثم يرمي القمامة في
شارعها، ويرفع صوته بالغيرة عليها ثم يغش في تجارته، أو يضيّع عمله، أو يعتدي على
المال العام، أو يطلب مصلحته ولو أضر بالناس، وأي وطنية هذه التي تحب اسم الوطن
ولا تحب بناءه؟
إن حب البلاد
الذي لا يثمر أمانةً في التعامل، وإتقانًا في العمل، ورحمةً بالناس، ومحافظةً على
الممتلكات، واحترامًا للنظام، وتشجيعًا للمنتوجات الوطنية، وتعليمًا للأبناء،
ونصرةً للضعيف، يظل عاطفةً جميلة لم تجد طريقها إلى الحياة، والوطن لا ينتفع بكثرة
من يتغنون بحبه بقدر ما ينتفع بمن يصدقون في خدمته.
كما أن الوطنية
الصحيحة لا تجعل الإنسان أعمى عن عيوب بلده؛ بل تجعله أحرص على إصلاحها، فليس من
الوفاء أن يرى الخطأ فيصفق له، ولا أن يرى الفساد فيسكت عنه حفاظًا على صورة
الوطن؛ وإنما الوفاء أن يريد لبلده الخير، وأن يسعى إلى الإصلاح بالحكمة والصدق
والوسائل المشروعة، فلا يجعل النقد ذريعة للهدم، ولا المحبة ذريعة لتبرير الخطأ.
يا أبناء
الأوطان، لا تجعلوا حب بلادكم أغنية في المناسبات، ولا علمًا ترفعونه في الأعياد
ثم تنسونه عند أبواب العمل والحياة، اجعلوه أمانة في الضمير؛ إذا دخلتم مدرسةً
فأتقنوا، وإذا دخلتم جامعة فتعلّموا، وإذا دخلتم متجرًا فلا تغشوا، وإذا توليتم
عملًا فلا تخونوا، وإذا ملكتم مالًا فلا تنسوا مجتمعكم، وإذا رأيتم خللًا فأصلحوا
ما استطعتم، وإذا رأيتم نعمةً فاشكروا الله عليها وحافظوا عليها.
التعليقات (0)
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!
اترك تعليقاً