من أسرار الإعجاز البياني في آية الاستغاثة

من أسرار الإعجاز البياني في آية الاستغاثة

من الآيات التي تُصوّر مشهدًا مؤثرًا من مشاهد الإيمان والنصر قوله تعالى: (إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ) (الأنفال: 9)؛ حيث تنقل الآية حال المؤمنين يوم «بدر»، وهم في شدة الخوف والضعف يلجؤون إلى الله تعالى يطلبون الغوث والنصر؛ فكل كلمة فيها تحمل معنى مؤثرًا.

وقد اشتملت هذه الآية الكريمة على وجوه متعددة من الإعجاز اللفظي واللغوي، نذكر منها:

بلاغة الفعل في تصوير شدة الموقف يوم «بدر»

ما الحكمة التعبير بالفعل «تَسْتَغِيثُونَ» وليس «تدعون» أو «تسألون»؟ 

عبَّر القرآن بـ«تَسْتَغِيثُونَ» لما يحمله هذا اللفظ من قوةٍ وبيانٍ، إذ يجسّد حال المؤمنين في أشدّ لحظات الضعف والخوف والاضطرار، يقول الراغب الأصفهاني: الغَوْثُ يقال في النّصرة؛ فالاستغاثة ليست دعاءً عابرًا. وجاء في التفاسير: الاستغاثة أخصُّ من الدعاء؛ فهي طلب الغوث عند الشدة والكرب والخوف، والدعاء بالنصرة(1)، كما جاء الفعل «تَسْتَغِيثُونَ» بصيغة المضارع ليستحضر الموقف حيًّا متجدّدًا أمام السامع؛ فكأن الأصوات ترتفع، والقلوب ترتجف، والأيدي تمتدّ إلى السماء طلبًا للنصر والنجاة يوم «بدر».

إضافة الربوبية إلى ضمير المخاطبين «رَبَّكُمْ»

تأمّل جمال الإضافة في قوله: (رَبَّكُمْ)؛ إذ لم يأت الاسم الجليل مجردًا، ولم يقل: تستغيثون الله، بل قال: (رَبَّكُمْ) فجاء بوصف الربوبية المُشعِر بالرحمة والرعاية والعناية، ليملأ القلوب طمأنينة في وسط الخوف، فجاء التعبير مناسبًا لحال المستغيثين المحتاجين إلى عناية ربهم، ويغرس في النفوس يقين الإجابة عند تمام الافتقار؛ فالآية نُجسّد صدق التوكل وكمال الالتجاء إلى الله تعالى.  

سرعة الإجابة في قوله: (فَاسْتَجَابَ لَكُمْ)

أفادت الفاء هنا: التعقيب والسرعة، وهو ما يوحي بأن الاستجابة الإلهية جاءت متصلة بالاستغاثة اتصالًا لا يفصل بينهما زمن ولا مُهلة؛ تصويرًا لعظيم عناية الله بعباده المؤمنين. وجاء الفعل: (اسْتَجَابَ) دون غيره؛ لما يحمله من دلالةٍ أبلغ من مجرد الإجابة، إذ إنَّ صيغة الاستفعال بما فيها من السين والتاء تفيد مزيد التحقق والعناية بوقوع المطلوب(2).

فالاستجابة ليست مجرد ردٍّ على الدعاء؛ بل هي قبول مقرون بالعطاء. ولهذا فرَّق أهل التفسير بين الإجابة والاستجابة؛ فالإجابة أعمُّ، أمَّا الاستجابة فأخصُّ؛ لأنها تتضمن إعطاءَ السائل مطلوبه وتحقيق مراده. وقد أشار إلى ذلك أبو السعود بقوله: «الإجابة عامة، والاستجابة خاصة بإعطاء المسؤول»(3)، وفي هذا إشعار بقرب الله من عباده، وسرعة رحمته بالمؤمنين، وأنَّ دعاء المضطرّ إذا صدق ولجأ إلى ربّه وجد أبواب الفضل مفتوحة.

دلالة التوكيد في قوله تعالى: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ)

جاء التعبير باسم الفاعل في قوله تعالى: (مُمِدُّكُم)؛ أي: ناصركم ومعينكم(4)، وهو يحمل من دلالات التثبيت والتحقيق ما لا يبلغه التعبير بالفعل المجرد. فلم يقل: (سأمدكم)، بل عدل إلى قوله: (مُمِدُّكُم)؛ وهو ما يدل على الثبوت والتحقق واستمرار المدد؛ لأن اسم الفاعل يدل على ثبوت الوصف في الزمن الماضي ودوامه فيه بخلاف الفعل الماضي الذي يدل على وقوع الفعل في الزمن الماضي لا على ثبوته ودوامه(5)، فكأن المدد الإلهي حاضر متحقق، والنصر قد وقع، وهذا أوقع وأبلغ في تثبيت القلوب، وبثّ الطمأنينة في نفوس المؤمنين وهم في مقام الشدة والافتقار. كما جاءت "أنَّ" في قوله تعالى: (أَنِّي مُمِدُّكُمْ) أداة توكيد لمعاني الطمأنينة والثبات. وكأن الآية تُنزل على القلوب السكينة قبل نزول المدد من السماء. وفي هذا التناسب الدقيق بين أسلوب التوكيد ومقتضى الحال تتجلّى روعة البيان القرآني.

التصريح بالعدد في قوله: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)

جاء التصريح بالعدد في قوله تعالى: (بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ)؛ لما في تعيين العدد من قوة التثبيت، وعظيم التبشير؛ فيوم بدر كان أول مشهد يواجه فيه المسلمون قوةً كبرى وجيشا كثيف العدد والعدة، فبشرهم الله بكيفية النصر الذي ضمنه لهم بأنه بجيش من الملائكة، واقتضى السياق أن يُصوَّر لهم النصر تصويرًا محسوسًا يطمئن إليه القلب، وتأنس به النفوس؛ لأن النفوس البشرية أميل إلى إدراك المحسوسات من المعاني المجردة. فجاء الوعد بالإمداد بالملائكة في صورة عدد ظاهر محدد؛ ليقرب معنى النصر إلى النفوس، ويجعل المدد الإلهي كأنه مشهود حاضر(6).

قلة الألفاظ وكثرة المعاني إيجاز قرآني معجز

في إيجاز معجز، وألفاظ قصيرة تناولت الآية وصف الموقف كاملا، فقد احتوت معاني عظيمة ومشاهد متكاملة؛ إذ صوّرت حالة المؤمنين في ساعة الشدة والكرب، ثم نقلت دعاءهم واستغاثتهم، وأتبعتها بالاستجابة الإلهية التي هي أخصّ من مجرد الإجابة؛ لأنها تتضمن العطاء وتحقيق المطلوب، ثم بشّرت بالنصر، وبيّنت نوع المدد ومقداره لتثبيت المؤمنين.

وهذا التدرج البياني للمعاني في هذا النسق الوجيز من أعظم دلائل الإعجاز البياني في القرآن الكريم؛ حيث تجتمع كثافة المعنى مع جمال العبارة وقوة التأثير في أبلغ صورة وأوجزها.

الهوامش
  • 1 البحر المحيط في التفسير: أبو حيان الأندلسي (ت 745هـ) (5/ 278)، وتفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن، العلوي الهرري الشافعي (10/ 363).
  • 2 التحرير والتنوير: الطاهر ابن عاشور (ت 1393هـ) (9/ 274)، فتح القدير: الشوكاني (ت 1250هـ) (1/ 473).
  • 3 إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم: أبو السعود (ت 982هـ) (2/ 133).
  • 4 تفسير حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن (10/ 363).
  • 5 معاني الأبنية: السامرائي (42).
  • 6 التحرير والتنوير: الطاهر ابن عاشور (ت 1393م): (9/ 276).
الرابط المختصر :

اترك تعليقاً

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة