«طوفان الأقصى» تعيد ضبط البوصلة نحو فلسطين

لقد أحدثت «طوفان الأقصى» قفزة هائلة في مسار القضية الفلسطينية، حيث نقلتها من زاوية النسيان والاندثار إلى صدارة الاهتمام العربي والدولي، ويمكن إجمال آثار هذه النهضة فيما يأتي:

أولًا: إعادة مركزية القضية الفلسطينية:

لقد كانت فلسطين منذ الاحتلال البريطاني ثم الصهيوني في مركز الصراع بين العالم الإسلامي والاحتلال الصهيوني المدعوم غربياً، وكانت القضية المحورية للأمة الإسلامية، إلا أنها وبسبب موجة التطبيع المتسارعة في العقد الأخير باتت في حالة تراجع مستمر حرفها عن مكانتها الأصيلة كقضية مركزية استمدت شرعيتها من العقيدة الإسلامية والفكر الإسلامي.

ويحضرنا في هذا السياق آثار الانتفاضة الأولى عام 1987م؛ حيث أعادت هذه الانتفاضة المباركة بوصلة العلاقة الطبيعية مع المحتل التي ترتكز على رفضه ومقاومته بجميع الأشكال الممكنة، وذلك بعد أن استتب الأمر للمحتل وبات وجوده بين الفلسطينيين أمراً عادياً مقبولاً، فكان من أكبر حسنات الانتفاضة إرجاع الأمور إلى نصابها الطبيعي وضبط بوصلة مقاومة الاحتلال.

وهذا بالضبط ما أحدثته «طوفان الأقصى»؛ فقد أعادت للقضية الفلسطينية مركزيتها وكسرت حالة الاعتياد على الاحتلال والاعتداءات المتكررة، وأعادت تعريف الصراع معه بوصفه صراع تحرر وحقوق، لا ملفًا هامشيًا أو إنسانيًا فقط، والأهم أنه تغلب على السردية الصهيونية التي كانت سائدة قبل المعركة في العالم الغربي كمسلّمات لا يمكن حتى التفكير بمناقشتها.

ثانيًا: إرباك خطاب التطبيع:

إن من أبرز حسنات «طوفان الأقصى» أنها أحرجت سرديات التطبيع التي سعت لتصوير الصراع كقضية منتهية أو قابلة للتجاوز، وكانت كثير من الدول العربية والإسلامية قبل «طوفان الأقصى» -حسب تصريحات أمريكية و«إسرائيلية»- تتسابق للدخول في قائمة ما يسمى «الاتفاقية الإبراهيمية» التي شكلت أوج ثمار التطبيع مع المحتل، وكان خطاب التطبيع يستند إلى عناوين برّاقة مثل الاستقرار، والسلام والرفاه الاقتصادي، وأولوية المصالح الوطنية.

أما بعد المعركة، فقد تهاوت مقولة: إن التطبيع يحقق الأمن أو الاستقرار، وانكشف التناقض بين ادعاء الكيان المحتل بالحرص على السلام ومشاهد العنف الممنهج والإبادة الجماعية ضد المدنيين باعتبارهم فلسطينيين لا باعتبارهم مقاومين، فكان أكثر الضحايا من النساء والأطفال وكبار السن، وتم تدمير قطاع غزة برمته ليصبح غير صالح للعيش والبقاء.

وكان من نتائج «طوفان الأقصى» المباركة تراجع الزخم الإعلامي والسياسي المروّج للتطبيع حتى في الدول المطبعة والداعمة للتطبيع.

ثالثًا: استعادة الفعل الشعبي العربي والإسلامي:

لعل أحد أبرز آثار «طوفان الأقصى» كان على مستوى الشارع العربي والغربي، فقد أعادت المعركة للشعوب العربية والإسلامية حيويتها وفجرت طاقاتها لنصرة فلسطين، وتمثل ذلك عبر عودة التظاهرات والفعاليات الرافضة لحرب الإبادة الممنهجة وبالضرورة رفض التطبيع مع هذا المحتل الذي لا يرقب فينا إلًّا ولا ذمة.

وامتد الحراك الشعبي العربي والإسلامي على البسيطة من طنجة إلى جاكرتا، وتنامت المبادرات الشعبية لمقاطعة الاحتلال وداعميه، وكان للشباب نصيب الأسد فيها؛ إذ برز جيل شبابي أكثر وعيًا بأخطار التطبيع الثقافي والإعلامي، وإن هذا الحراك أعاد التوازن في مسألة التطبيع بين القرار الرسمي والضغط الشعبي، ولو جزئيًا.

وكان التحرك الشعبي الغربي اللافت والمميز اللاعب الأكثر تأثيراً في الضغط على الحكومات الغربية لتغيير موقفها المخزي تجاه ما يحصل من انتهاكات جسيمة وجرائم حرب لا تغتفر، وظهر ما يمكن اعتباره تحولاً دراماتيكياً في مزاج الشارع الغربي الذي بات يشعر بالخديعة التي مورست عليه من حكوماته التي انجرفت خلف رغبات الكيان المحتل دون أي اعتبار حتى لمصالحها الخاصة واستقرار جبهتها الداخلية، فانتشرت الملاحقات والاعتقالات في حق كل من ينتقد حكومة نتنياهو، أو يبدي رأياً يخالف السردية الصهيونية بحجة الكذبة الكبرى المسماة «معاداة السامية» التي ما عادت تنطلي على المثقفين وعلى ما يعرف الآن بـ«جيل Z».

رابعًا: تحوّل في الخطاب الإعلامي والثقافي:

ونتيجة للحراك الشعبي والغربي الفاعل، تصاعد النقد العلني للمطبعين في الإعلام ووسائل التواصل ليصل إلى مستويات غير مسبوقة، وفي المقابل تراجعت مساحة التطبيع الناعم الذي كان يبث بشكل ممنهج في الدراما والفن والثقافة، وانتشرت أنشطة المثقفين والكتَّاب والفنانين لتأطير التطبيع كخيار سياسي قابل للنقد والمساءلة، لا كأمر واقع، فقد أظهر الواقع مساوئ التطبيع مع كيان بات خطراً على السلم والأمن الدوليين، يرتكب جرائمه دون رقيب أو حسيب، ويتعامل مع غير اليهودي باعتباره خادماً ذليلاً لا يرقى حتى إلى رتبة الحليف.

خامسًا: إعادة تعريف المقاومة:

لقد نجحت «طوفان الأقصى» في توسيع مفهوم المقاومة ليشمل المقاومة السياسية والقانونية، والمقاومة الإعلامية والثقافية والفنية، ومقاومة التطبيع باعتبارها خط الدفاع الأول عن الوعي الجمعي، وأصبح رفض التطبيع يُنظر إليه كجزء لا يتجزأ من دعم حقوق الشعب الفلسطيني.

لقد أسهمت «طوفان الأقصى» بشكل لا يمكن إغفاله بإعادة توجيه البوصلة العالمية نحو جوهر الصراع مع الكيان المحتل، ونجحت بتقويض كثير من مبررات التطبيع أخلاقيًا وسياسيًا، وحدّت من التوسع في عدد الدول المطبعة، وأحيت دور الشارع والوعي الجمعي في مقاومة مسارات فرض الأمر الواقع التي ما عادت مقبولة بعد المعركة الأخيرة.

وعلى الرغم من أن مسار التطبيع لم يتوقف كليًا، فإن «طوفان الأقصى» شكّلت نقطة انعطاف أعادت طرح السؤال الأهم في المنظور الغربي، وهو: هل يمكن سلام بلا عدالة، أو تطبيع بلا حقوق؟

أما في المنظور الإسلامي، فقد استعادت الجماهير فكرة أن صراعنا مع الاحتلال صراع وجود لا حدود، وأن هذه الأرض لا تتسع إلى الرؤية الإسلامية والرؤية الصهيونية، فإما أن نكون أو نكون.

الرابط المختصر :

تابعنا

الرئيسية

مرئيات

جميع الأعداد

ملفات خاصة

مدونة